التراث الغير اصيل .. باريس الشرق نموذجا

بقلم .. احمد عشره …

قد يكون من السهل فصل التراث او التاريخ السياسي لأمة ما عن ما طرأ عليه من تدخلات سياسية. على سبيل المثال يمكننا جيدًا الفصل بين تاريخ مصر كدولة مستقلة و تاريخها كدويلة تابعة لأي من الامبراطوريات التي سيطرت عليها. على العكس من ذلك, يبدو من الصعب حسم مسألة التراث الثقافي وفصله عن التأثيرات الغير اصيلة. خاصة  وان المؤثرات الخارجية على اية ثقافة تعتبر من مقومات تلك الثقافة تحت مسمى “الاستيعاب”.

وفضلًا عن اعتبار استيعاب المؤثرات الخارجية من مميزات أية ثقافة ذات روافد متعددة, فإن ما نتناوله الآن هو مساحة تلك التأثيرات والمدى الذي تتحول عنده الى أكثر من مجرد تأثيرات لتصبح استيراد كامل وحرفي لثقافة أخرى.

 أسئلة عديدة تُطرح حول الثقافة و أصالتها و تراثها: هل يجب اعتبار كل منتج في النطاق الجغرافي لثقافة ما منتجًا لتلك الثقافة؟  أي : إذا أضاف أحد أبناء الثقافة منتجًا ثقافيا من ثقافة مغايرة تمامًا, هل يمكن إعتبار ذلك المنتج جزءًا من الثقاقة الأم؟ بعبارة أخرى هل تعتبر المنتجات الثقافية الفرنسية في الجزائر أو البريطانية في مصر من أفكار وتعاليم ثقافية جزءًا من ثقافة البلدين ؟ هل تُضم الى تراثهما لمجرد كونها قديمة ؟ و السؤال الاهم: هل كل ما هو قديم يعتبر تراث؟ ما هي أصلا معايير التراث؟ وغيرها من الأسئلة التي لا حصر لها.

ولصعوبة حصر الإجابات, سنستدل بالإجابة على إحدى تلك الأسئلة للإجابة عن السؤال موضوع العدد حول إعتبار كل ما هو موروث تراث, و السؤال الذي سنجيب عليه هو : هل يُنسب منتج ثقافي مختلف الى ثقافة ما فقط لأن أحد أبناءها هو من أنتجه؟ وهل يمكن إعتباره ضمن تراثها مع مرور الوقت؟

للإجابة عن هذا السؤال سوف نعرض لواحدة من أهم مشاريع “استيراد الثقافة ” في مصر والتي بمرور الوقت تم إعتبارها جزءا من تراث القاهرة على الرغم من أنه لا يتصل بتراث مصر المتعدد الثقافات ولا حتى بتراثها المعاصر لفترة المشروع. وبدون التعمق في الإشارات و الإستعارات فإن المشروع محل المثال هو مشروع ” باريس الشرق” الذي دشنه الخديوي إسماعيل خديو مصر في العصر العثماني لبناء نموذج لمدينة باريس داخل القاهرة في الربع الثالث من القرن 19 فيما عرف بعد ذلك بمنطقة القاهرة الإسماعيلية أو حاليًا ” وسط البلد”

أود أن أبدأ الفصل بين هذا المشروع الحضاري الضخم المستورد و بين الثقافة المصرية متعددة الروافد بموقف حدث أثناء تجوالي في شوارع وسط القاهرة بصحبة طفلة سرعان ما شعرت أن هناك أمرًا ما غريبًا بخصوص هذه المباني. فالطفلة التي مصادفة كانت ذاكرتها المعمارية تشابه ذاكرة القاهرة حين بدأ ذلك المشروع (اذ كانت تلك أولى جولاتها بين مبانٍ على الطراز الأوروبي بعد جولات عديدة في المباني الإسلامية التقليدية أو المسيحية القديمة في نفس المدينة). وبينما الطفلة تسير في جو من ” الغربة” كما وصفته, توقفت أمام مدخل معقود على الطراز الإسلامي وسألتني: لماذا أشعر أن هذا المبنى هو الأكثر أصالة بين كل تلك المباني رغم أنه الأحدث عمرًا؟

كان سؤالها ملخصًا للعديد من الدراسات التي تناولت مشروع باريس الشرق الذي لم يكن مجرد إقتباس أساليب معمارية فحسب, بل كان نقل تفصيلي لأدق تفاصيل المدن الأوربية من شوارع و ميادين و نوادي و طرز معمارية ومنشآت ثقافية وإجتماعية و إقحام تلك “المدينة” الجديدة لتصبح قلب القاهرة الجديد ولتنضم رويدًا رويدًا الى تراث المدينة بل وتصبح طرزها الأوربية الخالصة هي الممثل الحصري للتراث في الذاكرة المعمارية لأغلب سكان المدينة ممن ليس لديهم الإطلاع الكبير على التراث المعماري الحقيقي لمدينتهم. فهل القاهرة الباريسية تعتبر تراثًا قاهريًا؟ أم هي مجرد مبانٍ أوروبية قديمة في القاهرة؟( تراث أوروبي في الشرق؟)

لا يمكننا أن نغفل قدر التنوع في حضارة مصر التي بدأت بضخامة مباني الفراعنة و انتهت إلى دقة التفاصيل العثمانية مرورًا بالتأثيرات المغربية الفاطمية والمشرقية الفارسية والغربية الرومية التي ساهمت في بلورة الطرز المصرية في العصر المملوكي على سبيل المثال. لكننا لا يمكننا أيضًا أن ننسب أي من هذه التأثيرات بالجُملة الى الحضارة التي أبرزته وقدمته اذ كان كل منها متفاعلًا مع الحضارة المصرية مؤثرًا فيها ومتأثرًا بها. فكل من هذه التأثيرات انصهر جنبًا الى جنب مع ما سبقه من تأثيرات خارجية أو أصول محلية في طرز العمارة. اذ انتهى أمر الضخامة الفرعونية الى المباني المصرية المملوكية و العثمانية التي جمعت بين الضخامة في البنيان وبين دقة الزخارف وتفاصيلها فضلا عن أساليب التخطيط التي تناسب البيئة المصرية.

على سبيل المثال طورت العمارة المصرية الأسلوب العربي التقليدي في بناء المسجد البسيط كمسجد الرسول الى المسجد الضخم القوي البنيان الذي يكاد يبُز معابد الفراعنة حتى وصل الأمر بالمقريزي أن يصف مدرسة السلطان حسن بأنه ” لم يبن في بلاد الاسلام معبد يضاهي هذا المعبد” 1 وعلى اختلاف الوظيفة بين المعبد الفرعوني و المدرسة الاسلامية, فإن استخدام تشبيه “معبد” يذكرنا بقاعدة مهمة الا وهي: أنه لا يوجد معمار يبدع تصميمًا معماريًا بدون التأثر بذاكرته المعمارية التي كونها من مشاهداته سواء في بيئته أو في بيئات خارجية. فالمعمار الأندلسي الذي زخرف مدرسة السلطان الناصر محمد ابن قلاوون بالشبابيك الجصية الاندلسية لم يكن ابداعه الجديد في مصر سوى ما اعتاده في الأندلس قبل الخروج. وكذا الأمر لدى أحمد ابن طولون الذي أمر ببناء جامع في مصر يشبه جامع سامراء بالعراق حيث نشأ وتربى على مشاهدته و الانبهار به2. وهنا يمكنني القول أن العرب و المسلمين لم يكونوا ليشرعوا في البناء ذو الضخامة في مصر لو لم تكن الضخامة الفرعونية مثلهم الأعلى. 

مدرسة السلطان حسن - رسم الرحالة ديفيد روبرتس

مدرسة السلطان حسن – رسم الرحالة ديفيد روبرتس

ولكي نكون أكثر تحديدًا, فمرورًا بتأثر العمارة المسيحية بالعمارة الوثنية ومرورًا بوصف قصور بغداد بأنها تنافس طاق كسرى, فلا يمكن الا أن نُلخص مجددًا:  لا يبدع معمار الا من خلال روافده ومشاهداته .

وعلى هذه القاعدة نحاول أن نبني تصورنا عن مشروع القاهرة الباريسية  Paris D’orient”  ”  الذي يبدو جليًا فيه أن معماره لم يبدعه من وحي روافد محلية أو مشاهدات له في مصر. بل ان وضع مباني مشروع القاهرة  الباريسية في السياق المعماري المصري سوف يفضي بكل تأكيد أن مصممي هذا المشروع إما أن ابتدعوه من الخيال كُليًا , أو ابتدعوه من روافد ومشاهدات كأي  معمار آخر , ولكنها بالطبع ليست مشاهدات معمارية مصرية.

ان مشروع القاهرة الباريسية ( وسط البلد حاليًا ) لهو فجوة في سياق الأساليب المعمارية المصرية على مر العصور. اذ أنه وفضلًا عن كونه طرازًا اوروبيًا خالصًا, الا أنه ايضًا استبدل تخطيط المدينة القديم بأخر جديد جعل من المشروع الأوروبي قلبًا ومركزًا للمدينة, قلبًا كان يومًا ما جديدًا ولكنه مع مرور الزمن أصبح القلب الفعلي للمدينة مستبدلًا ما كان نواة بناءها قبل ذلك في العصر الفاطمي و ما كان نواة بناء فسطاطها الأول في العصر الاسلامي بل وأيضًا ما كان نواتها في العصر الروماني.  اصبح الممثل الحصري للتراث في الذاكرة المعمارية لأغلب سكان مدينة يمتد تراثها لما هو أقدم من مشروع باريس الشرق بل و أقدم من عصر النهضة الأوروبية!

وللتفصيل يمكننا القول بأن أية مدينة في العالم تُبنى من القلب الى الأطراف, بعضها يبدأ بالمعبد في المنتصف وبعضها يبدأ بالمسرح في المنتصف وبعضها يبدأ بمسجد في منتصف المدينة وقلبها. الا ان ما حدث في مشروع القاهرة الاسماعلية هو استبدال أحد ظواهر المدينة (منطقة طرح النيل الزراعية3) بأحياء أوروبية كاملة تبعها استيراد نظام حياة أوروبي خالص و خط طرق جديدة و مشروعات تصب الحياة صبًا ناحية حي الاسماعيلية ليصبح هذا المشروع ” قلبًا” و “مركزا ” للقاهرة موحيًا للجميع أنه القلب الأصلي للمدينة و أنه الطراز الأصيل للمدينة كما لأي مدينة طراز أصلي ينبع من حيث بدأت عمارتها: من المنتصف.

هل هذا المشروع تراثًا ؟ 

ان كل ماهو قديم و ساهم في ترك أثر على التاريخ الانساني يعد تراثًا يجب حمايته وصيانته بهدف أيصال فكرة للأجيال القادمة عن ما كان يحدث فيما مضى سواء كان ما يحدث جيدًا او غير جيد, بمعايير الماضي أو معايير الحاضر. المهم ان لا شيء من هذا سيحدث اذا لم يُعتبر القديم تراثًا يستحق الصيانة. 

فمشروع القاهرة الباريسية و ان كان منفصلًا عن الخط الحياتي و الاجتماعي والتاريخي و المعماري لمصر, فإنه يظل تراثًا معماريًا قيّمًا يحوي العديد والعديد من التفاصيل و الزخارف والحكايات. وعن الحكايات التي تحملها القاهرة الاسماعيلية فهي حكايات مصرية خالصة منذ قرار الخديوي اسماعيل ببناء مشروع يحاكي باريس الى حكايات الحكم  بين جدران قصر عابدين وقصر النيل وقصر فاطمة هانم وحتى قصر شامبليون! وحكايات المصريين بين حواري باب اللوق وعابدين و الأوبرا.

أما عن التفاصيل و الزخارف و التراث المعماري الذي تحمله هذه المباني, فلا يُعتبر بأي حال تراثًا مصريًا. اذ أن كامل ملامحه غير ذات صلة بالأساليب المعمارية التي امتزجت دومًا جنبًا الى جنب في العمارة المصرية. على سبيل المثال تبدو الضخامة في بعض مباني المشروع غير ذات صلة بالضخامة المعمارية الفرعونية التي طورها المسلمون في عقود مدارسهم الضخمة.

اذ أن ضخامة المبنى الكلي تحوي طوابق أوروبية قزمة وقصيرة, سلالم ضيقة, شرفات حديدية و واجهات باروكية. ضخامة لا تحوي الصحن العربي والحديقة والفسقية!  زخارف حية تصور ملامح غربية و غياب للتطور الخجول للتصاوير الشرقية لصالح التصاوير الغربية. مبانٍ تخلو من الرحابة و الضوء الوضاح و الهواء الطلق كما اعتادت مباني المصريين.

عمارة كونتننال وبها أقدم فنادق القاهرة-ميدان الاوبرا- باسكال سيباه

عمارة كونتننال وبها أقدم فنادق القاهرة-ميدان الاوبرا- باسكال سيباه

بيان تفصيل هذه الفوارق وغيرها بين المباني المصرية التراثية وبين المباني الاوروبية في ” وسط البلد” لا يهدف اطلاقًا للحط من قدرها. فكما نقل بعض المعماريين المصريين المآذن التركية المدببة التي صممت لتناسب أجواء تركية المطيرة دون الحاجة اليها في جو مصر الغير مطير بتلك الدرجة, و أصبحنا نشير الى هذه المآذن و نُعلم الجميع بأنها تبدو غريبة تمامًا عما يحيط بها من مبانٍ بل وأيضًا عما يحتنضنها من طقس دافئ, نحن نشير الى مباني وسط البلد ونُعلم الجميع بأنها تراث فني ومعماري جميل, لكنها ليست مباني مصرية وليست تراثًا مصريًا. 

 ان تلك المدينة الاسماعيلية ليست سوى أحياء باريسية. حتى و ان تم بناءها في مصر تظل غير مصرية.

على الجانب الآخر يمكن لأي دارس أو حتى سائح سبق له المرور بمباني عصر النهضة سواء- الطرز المبكرة أو الطرز المتطورة المتأخرة-  أن يضع القاهرة الباريسية في سياق تطور تلك المباني.  بمعنى  أنه يمكن نسبة اصولها الى بعض مباني نماذج مبكرة من عصر النهضة. كما يمكن نسبة مباني اوروبية لاحقة الى تطورات طرأت على طرز تلك الفترة سواء في باريس الشرق أو باريس فرنسا.

 ومن ثم فإنه يمكن وضع معادلة تطور اساليب البناء في عصر النهضة الاوروبية مشتملةً على باريس الشرق كاحدى مراحلها. لكنه لا يمكن وضع باريس الشرق كمرحلة من مراحل تطور البناء في العصر الاسلامي مثلا أوالمملوكي أو الفرعوني.

كوبري قصر النيل أحد معالم المشروع - باسكال سيباه

كوبري قصر النيل أحد معالم المشروع – باسكال سيباه

كما اسلفنا من أسئلة حول التراث, فإن السؤال الذي يحاول هذا المقال الاجابة عنه هو:  هل يجب اعتبار كل منتج في النطاق الجغرافي لثقافة ما منتجًا لتلك الثقافة؟

ان هذا المقال يحاول أن يلقي الضوء على التراث الغير أصيل الذي يظل بقيمته وقِدمه تراثًا, لكنه لا يُعد أصيلًا بالنظر للقطيعة بينه وبين التاريخ و الجغرافيا اللذين يقع فيهما.

لا اُفضل الاستمرار في تمصير تلك المباني التي لا تمت بصلة للشخصية المعمارية المصرية, لا أراها مدعاة للافتخار. لكني أرى تمامًا أن الافتخار بهذه المنطقة يجب أن ينبع من ان لدينا في مصر منطقة تحفظ للانسانية بعض من ملامح تطور عمارة عصر النهضة الأوروبية في الربع الثالث من القرن التاسع عشر. أن لدينا ” تراث أوروبي” في مصر. و ان هذه المباني لسيت طرازًا أو تراثًا مصريًا تأثر بأساليب أوروبية. و انما نقل أحياء كاملة وتخطيطات  ونوادٍ وشوارع وميادين, نقل مدينة كاملة دونما صلة لها بالمدينة الأصلية يعني أمرًأ واحدًا: ان هذه المدينة الاسماعيلية تراثًا بالفعل, لكنها ليست تراثًا شرقيًا و انما تراث أوروبي في الشرق.

المراجع


  • السلوك لمعرفة دول الملوك , تقي الدين أحمد بن علي المقريزي
  • نفس المرجع
  • الخطط التوفيقية , علي باشا مبارك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s