صورة التراث فى الثقافة الإسلامية

بقلم .. مؤمن غانم …

مقدمة

يعرف الباحثون فى مجال التراث الثقافى أن الصورة المعاصرة  للتراث (Heritage)بمعناه الشامل تحدرت من مفهوم الأثر (Antiquity)  ، حيث كان يشير إلى بقايا مادية من الماضى، تحفل بأوجه متعددة من مظاهر القوة والسيطرة. و يجد الناظر فى أدبيات التراث الحالية، العمرانى مثلا،  أن أحد هواجس الدراسات المتأخرة هو التأكيد على الجانب المعنوى، غير الملموس، من التراث (Intangible Heritage)  ، ونقد طغيان الجانب المادى للتراث (Tangible Heritage)  فى  أهداف وممارسات الحفاظ على  المناطق التاريخية. وقد تعكس الرؤية السابقة النزعة المادية الأصل للفكر الأوربى عامة.  ولكن من جانب آخر، فى الثقافة العربية الإسلامية ،نجد الوضع مختلف، فكلمة تراث  تشير مباشرة إلى علوم الدين (القرءان والحديث) والفقه بشكل خاص،  بالإضافة إلى علوم اللغة والبلاغة والأدب والشعر ، وعلوم مثل علم الكلام  و الجغرافيا والتصوف عندما يتسع المفهوم.

الملاحظة السابقة لها أهميتها فى الحوار الحادث حول التراث الثقافى فى بلادنا، والإشكاليات التى تواجه عمليات الحفاظ على المناطق التاريخية، وأهمها الفجوة بين المجتمعات المحلية من ناحية، ومواقع التراث من ناحية أخرى. حيث أحد أهم الأسباب الرئيسية لهذه الإشكالية هو أن قيمة وماهية التراث لدى الناس  فى هذه المجتمعات تختلف عن المفاهيم المستوردة الجاهزة التى تتناولها الأوساط الأكاديمية والرسمية. بل هو هنا ، اى فى سياق الثقافة العربية، جزء من العقيدة. والدور الذى يلعبه التراث الإسلامى فى تشكيل وعى الناس وقيمهم وأفكارهم لا يمكن التغاضى عنه، وبدون فهم هذا التراث، وإستيعاب الدور الذى يلعبه فى المجتمعات المسلمة سيكون الحديث عن رعاية التراث، والحفاظ على المناطق التاريخية، خطاب من جانب واحد، ولن يحقق أهدافه التنموية المطموحة. وعلى أى حال، الحديث عن التراث الإسلامى فى ثقافتنا يحتل صدر الساحة الفكرية، ومنذ بزوغ ما سمى بمدرسة التجديد فى نهايات القرن التاسع عشر وإلى الان، ظلت صورة التراث ، أو تصورات التراث، هى الإشكالية الأكثر جوهرية فى الخطاب الثقافى الإسلامى المعاصر. وأجمع رواد التجديد، منذ محمد عبده وأمين الخولى، على محورية دور التراث فى مجتمعاتنا، بل لقد فصلو كيف أن أزمة الثقافة والحضارة العربية تتلخص فى طبيعة علاقتها مع تراثها، كما يتلخص مخرج هذه الأزمة فى قراءة وتعامل جديد مع هذا التراث، تخرجه من مفاهيم القرون الوسطى ، والتى مازال يدور فى فلكها.

التراث.. والتعامل مع التراث

شخص عدد كبير من المفكرين العرب، يصعب حصرهم فى هذا المقام، أن منبت أزمة الركود والجمود  التى تعانى منها الحضارة العربية هو التوحيد بين مفهوم الدين ومفهوم التراث. يقول نصر حامد أبو زيد (1943-2010) فى هذا الشأن ” أدى التوحيد بين الدين والتراث إلى إضفاء القداسة على هذا التراث […] وأدى هذا إلى ركود الثقافة التى عززت بدورها ركود الواقع المنتج لهذه الثقافة” ومن الناحية التاريخية تعود بداية هذه الأزمة إلى منتصف القرن الرابع الهجرى، فى المعركة الدينية بين أهل الرأى وأهل الحديث ، والتى إشتدت مع المعتزلة فى المسألة التى عرفت بإسم خلق القرءان. وليس من الغريب أن تكون هذه الحقبة هى التى تأسست فيها الغلبة العسكرية (ما يعرف بإسم الشوكة) كمبدأ فقهى ثابت. ويرى أبو زيد أن مثل هذه الأفكار تتمتع بدرجة كبيرة من الحضور والفاعلية فى الفكر السياسى والإجتماعى العربى المعاصر، وتدل على ركود هذا الواقع، وتتحيز بشكل مباشر لنمط الحكم الديكتاتورى العسكرى[1].

من ناحية أخرى، يتفق محمد عابد الجابرى (1936-2010) مع أبو زيد فى أن أحد الأعراض الرئيسية لأزمة الفكر العربى المعاصر هو اللاتاريخية. بمعنى نزع التراث من سياقه، وبالتالى إفقاده موضوعيته. كما يؤكد فى كتابه (نحن و التراث) أن عملية تجديد العقل العربى لن يكون لها قيمة وستظل مجردة من التأثير إذا لم تكسر بنية العقل التراثى، المتمثلة فى منهج القياس، قياس الغائب على الشاهد، والمستقبل على الماضى، والذى تلبس فى رأى الجابرى الفكر حتى هيمن عليه وتسبب فى ركوده وإنحيازه الحاد إلى التقليد. وإنطلاقا من الفقه، الذى هو المؤسس الفعلى للثقافة والفكر العربى، إلى النحو ، الذى تم إعتباره عند مرحلة ما من العلوم التى نضجت وإحترقت، إلى جميع العلوم والمعارف الأخرى، تقيد الفكر بمنهج القياس الذى يطغى عليه التقليد، حتى إنحط عن مسايرة ركاب التطور.

 إن أول خطوات بناء قراءة جديدة للتراث فى نظر الجابرى هو التخلص من الذهنية التراثية المتمثلة فى عملية القياس و “إحداث قطيعة مع الفهم التراثى للتراث”.  وإنطلاقا من أن اللغة هى المجال الأول لسيطرة النصوص التراثية على الفكر والثقافة، حتى أضحت هى من “تصنع الفكر والثقافة دون أن تصنعها الثقافة والفكر”، يقرر الجابرى أن تحرير الذات العربية من هيمنة النص التراثى يتطلب إخضاع هذه النصوص إلى مناهج العلوم الألسنية الحديثة، والتى توصلت لطرق موضوعية للتعامل مع النصوص[2]. محمد أركون(1928-2010) طرح مبدء مشابه فى قضية إعادة قراءة التراث، فيرى أنه لابد من تحرر الفكر الإسلامى من دائرة التراث التكرارى الذى يعيد إنتاج نفسه بإستمرار، وكذلك الخروج من أسر العقلية المذهبية، بمعنى أخر نقل مفهوم التراث فى الفكر الإسلامى من التراث الدينى إلى التراث الذى يشمل جميع نواحى الحياة  . وقد دعا أركون بشكل صريح إلى إستلهام أليات المدرسة الأدبية الحديثة. بل يدعو مباشرة إلى تطبيق  التفكيكية الأدبية على النص المحورى فى الثقافة، القرءان الكريم ، ويؤكد أن هذا الإستلهام لا مفر منه إذا أردنا فهم معاصر للنص التراثى.[3] فى الحقيقة، هذه الدعوة إلى فحص النصوص التراثية، وبالخصوص الدينية، بالإعتماد، من طرق مختلفة، على الدراسات الحديثة فى اللغة والأدب، هى المفتاح الذى توصل إليه المفكرين المعاصرين فى إشكالية قراءة التراث الإسلامى، مفتاح لطريق قد يصحح الكثير من المفاهيم التى تسبب الركود والجمود. وتمتد هذه الدعوة فى تاريخ الفكر العربى إلى أمين الخولى (1895-1966)، والذى طرح مشروع  “التفسير الأدبى للقرءان” فى دراسات عدة. وفى هذا السياق يمكن إعتبار رؤية نصر حامد أبو زيد (1943-2010) متمايزة عن أقرانه المشتغلين بنفس القضية، من الناحية الإجرائية على أقل تقدير، إذ أنه قدم فى كتابه (مفهوم النص) رؤية متكاملة لهذا المشروع .

المجاز..وإعادة القراءة

فى مقدمة كتابه سابق الذكر، والأكثر أهمية ربما،  يوضح أبو زيد أن الحضارة العربية الأسلامية هى حضارة نصية بإمتياز، حتى أنه يمكن إختزالها فى كونها “حضارة النص”. بمعنى أن الثقافة فى هذه الحضارة بجميع أنماط الحياة التى تحتويها، تتمركز حول مجموعة من النصوص المحددة لها. وإذا كان النص المؤسس والمحورى  هو القرءان، يكون البحث عن مفهوم للنص هو بحث عن مفهوم القرءان بوصفه نص لغوى شكل ثقافة بأكملها. ومفتاح هذا البحث هو المدخل الأدبى الذى نبه أليه أمين الخولى. ويؤكد أبو زيد هذا المعنى مرارا وتكرارا، فمجال بحث القرءان يجب أن يكون الدراسات الأدبية المعاصرة، وخصوصية القرءان النابعة من قداسته ومصدره الإلهى لاتنفى حقيقة كونه نصا لغويا ينتمى إلى ثقافة بعينها. وفى بداية توضيح فهمه للنص يوضح أبو زيد أن لغة القرءان وإن كانت تستمد مرجعيتها من اللسان العربى، فإنها لغة ذات نظام خاص، يتجاوز حدود النطاق اللغوى السائد (حينئذ) إلى أفاق بعيدة جدا. حيث يصور لغة القرءان بأنها لغة جديدة “تنبثق من اللسان الشائع لتشكل أجروميتها الخاصة، التى تبدء بالصوتى فالحرفى فالعجمى، حتى مستوى تشكيل نسقها النحوى والدلالى الخاص”. ثم ينطلق أبو زيد من هذه الفرضية لدراسة مدى تشكيل القرءان لبنية اللغة الأم فى الفترات اللاحقة، حيث يقرر أن لغة النص القرءانى حولت اللغة الأم عبر عمليات من تغيير اللغة بأكملها لتصير هى ذاتها علامة فى النظام الدال للغة الدينية.[4] بمعنى أخر إستوعب النص القرءانى كل التراث اللغوى السابق، وما يحتويه من بنية النظام الإجتماعى، وحوله بإستخدام الأساليب المجازية فى البلاغة (مثل الإستعارة والكناية)، إلى علامات (آيات) دالة بطرق مختلفة على حقيقة واحدة ،كلية ومطلقة.

عموما؛ إتفقت جميع الطوائف والفرق الإسلامية على أن المادة الأولى لتفسير وتأويل القرءان هى المجاز اللغوى، والذى أصبح أهم أدوات البلاغة فى اللغة الغربية. ومن خلال أبحاثه حول هذا الموضوع (مثل دراسته فى  قضية المجاز فى القرءان عند المعتزلة) إستطاع أبو زيد تكوبن مفهوم أعمق للمجاز، يتعدى كونه أداة بلاغية، إلى كونه طريقة فى التفكير.  وقدم الخلاف حول المجاز فى الفكر الإسلامى كإشكالية تتعدى الخلافات اللغوية أو حتى التوظيفات الأيديولوجية بين الطوائف المختلفة، بل هى خلافات تمتد إلى رؤية العالم فى عمقها الحقيقى. حيث قسم أبو زيد الفكر الإسلامى عبر التاريخ إلى طريقين مختلفين لرؤية العالم والحقيقة، الطريقة الأولى تجعل من الحقيقة فى عالم الملكوت، ما فوق الطبيعة، بينما تجعل من العالم الحسى ، المرئى لا يعبر عن الحقيقة إلا مجازا. أما الطريقة الأخرى، الموازية، فى التفكير الإسلامى تجعل من العالم الظاهر هو الحقيقة، بينما عالم الملكوت لا يدرك إلا مجازا. ويضيف أبو زيد فى دراساته عن إشكالية المجاز أن التصور الأول، الذى ينفى فكرة المجاز فيما يتعلق بما وراء الطبيعة أصبح هو المسيطر على الخطاب الدينى السائد والمهيمن فى العالم الأسلامى، وهذا الخطاب، فى رأى أبو زيد، يرسخ مفهوم الأسطورة فى الثقافة والوعى المجتمعى. ويظهر ذلك فى إيمان الإتجاهات السلفية بحرفية الدلالات التى وردت فى النصوص الدينية عن الله، والعرش، والكرسى، والصراط، وعذاب القبر ..إلى أخره. بينما يظهر من جانب أخر عند المتصوفة فى إرتباط الحقيقة فى السمو والعلو والارتفاع، بمعنى أخر يجعل منها خارج العالم الذى يعيش فيه، ويصبح تجاوز هذا العالم شرطا ضروريا للوصول إلى الحقيقة ومعانيها.

إن الرؤية التى صاغها أبو زيد جعلت من المجاز معنى أنتولوجيا عند العقل العربى، يعتمد عليه فى تفكيره ورؤيته للحقائق والأشياء، وقد قادته هذه الرؤية الى أن هناك وعى نظرى فى التراث الإسلامى يستوعب اللغة داخل نطاق أوسع هو نظام الدلالة، أشبه بالمفهوم المعاصر لعلم دراسة العلامات (السيموطيقا). وعلى الرغم من الحذر البالغ الذى تميزت به قراءة أبو زيد من تجنب تطبيق المناهج الغربية الجاهزة، وإعتقاده أنها تهدر الواقع الراهن، إلا أنه أوضح فى رسالة مستقلة  (العلامات فى التراث: دراسة إستكشافية) أن الدراسات التى أجراها عن المجاز كانت محاولة لقراءة التراث العربى الإسلامى فى جوانبه اللغوية والبلاغية اللاهوتية، والصوفية من منظور علم السيموطيقا.

نستطيع أن نستخلص من رؤية أبو زيد للثقافة العربية أنها تحمل مفهوما للنص يتجاوز معناه اللغوى إلى معنى سيموطيقى (متعدد الدلالات) أوسع وأشمل، يمكن من خلاله تفسير جميع ظواهر الحياة، بل يشمل بتعبير أبو زيد الكون بأكمله من أعلى مراتبه إلى أدناه. وبالطبع إستمدت الثقافة هذه الرؤية من النص القرءانى، الذى أكد دور المجاز وجعل منه بنية هامة فى تركيبة الفكر العربى. وتتفق هذه الرؤية مع التصور المعاصر للنص على أنه سلسلة من العلاقات المنتظمة فى نسق من العلامات، تنتج معنى كلى، يحمل رسالة. وإذا كان التعريف السابق مقتبس من علم السيمياء المعاصر[5]،  فإن تناول التراث بالإعتماد على دراسات العلامات ليست دعوى تنبنى فقط على التطورات التى حدثت فى هذا المجال على يد أمثال سوسير وبيرس، أو الأفاق التى تفتحها أليات هذا المدخل على تحليل منظومات وأشكال التعبير المختلفة. بل إن أساس هذه الدعوة أن التراث العربى الإسلامى يقدم نفسه وينبنى على ما يمكن أن نسميه اليوم فلسفة العلامات.والقراءة التى قدمها أبو زيد للقرءان على أنه رؤية للعالم بما يحتويه كعلامات دالة على الخالق  بأشكال وصور مختلفة، هى قراءة تأسيسية لهذه الفلسفة.

 وإذا إعتمدنا رأى الجابرى الذى يقول أن ألية القياس هى المنهجية الأولى فى العلوم والمعارف الإسلامية قاطبة، تصبح دراسة العلامات (الدلالات) هى محور دراسة الفكر والتراث الإسلامى، حيث أن القياس هو ” قياس الغائب على الشاهد”، بمعنى البحث عن معنى كامن تشير إليه علامات ظاهرة، مهما كان نوع هذه العلامة. يقول الجاحظ فى كتابه البيان والتبيان فى هذا السياق ” الدلالات التى فى الموات الجامد، كالدلالة التى فى الحيوان الناطق، فالصامت معرب من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان”. وقد رصد الباحثون فى مجال اللغة العربية شواهد عديدة فى كتابات كبار اللغويين والأدباء متشابهة مع المفاهيم التى طرحها سوسير وبيرس، أمثال الراعب الأصفهانى، الذى أوضح أن الدلالة لا توجد فى الألفاظ فقط، وإنما فى أنظمة تعبير أخرى مثل الإشارات والرموز والكتابة، والجاحظ الذى قال بنفس المعنى، وبن سينا الذى رأى العلامة تتألف من دال ومدلول، وأن الدال هو الصورة السمعية أو الأثر السمعى من اللفظ وليس اللفظ ذاته، بينما المدلول هو صورة الموجودات فى الإذهان، وليس جوهر الموجودات ذاتها. وهذه التفرقة هى أحد أهم إضافات النظرية اللسانية المعاصرة كما قدمها سوسير[6].

خاتمة ..من اللغة إلى العمارة والعمران

إذا كان المفكرين فى مجال الفلسفة الإسلامية إعتمدو فى قراءاتهم المعاصرة للتراث على الدراسات الحديثة  فى السيموطيقا اللغوية (linguistic semiotic)   ،فإنه من جانب أخر، مجال العمارة، ومجال العمران هما من أحدث المجالات التى إنضمت إلى تطبيقات السيموطيقا الإجتماعية(social semiotic). إمبرتو إيكو(1932-2016) المفكر والأديب  الإيطالى الشهير، طبق نظريته عن فلسفة العلامات فى مجال العمارة فى مقال لخص فيه أن العمارة رغم أنها تهدف إلى أن تكون وظيفية بالدرجة الأولى، فإنها إلى جانب ذلك تعمل كأحد أشكال التواصل الجماهيرى[7]. وقد تتبع المعمارى تشارلز جينكز أصول التحليل السيميائى فى العمارة إلى ستينات القرن الماضى ، حقبة نشوء حركة ما بعد الحداثة فى العمارة، و تأثرها بكتابات إمبرتو إيكو[8]. وفى مجال العمران فإن (سيموطيقا العمران urban semiotic) تقترح أن المدينة هى لغة مكتوبة بواسطة البيئة المبنية، تقرأ بواسطة سكانها، من خلال الإستخدام والتصور الواعى. ويقسم الأكاديميين مجال سيموطيقا العمران إلى إنتاج السيموطيقا فى الفراغ، والتصورات السيموطيقية للفراغ. ويأتى ذلك من تصور البيئة المبنية كنص، له رسالة ومرسل ومتلقى، وتكون هذه الرابطة بين إنتاج الفراغ وتصور الفراغ هى موضوع سيموطيقا العمران.وقد تم إنتقاد  هذا المدخل الذى يقارن ما بين اللغة والمدينة عند تطبيقه فى المجتمعات المعاصرة ، بأنه قاصر، ويتعرض للكثير من الخلط (linguistic fallacy)،  بسبب تعقد عمليات إنتاج المعانى فى المجتمعات الحديثة. وعلى الرغم من ذلك فهناك إتفاق على وضوح معالم الصورة السيموطيقية فى المجتمعات التقليدية. بمعنى أنه تحت شروط المجتمع التقليدى يوجد نظام عمرانى من العلامات[9].

ونهدف من وراء هذه الإشارة السريعة لسيموطيقا العمارة أو العمران فى الخطاب الأكاديمى الغربى فقط لفت الإنتباه إلى مدى إتساع تطبيقات المفهوم المعاصر للعلامات ، ولكن لا نريد الدفع بتبنى مناهج هذه المدارس على حالة التراث المعمارى والعمرانى فى المجتمعات الإسلامية، سواء فى التفسير وبيان قيمة هذا التراث، أو تصميم التدخلات (interventions) فى المناطق التاريخية . وذلك حتى لا نقع فى الخلط الذى ينتج عن إستيراد المفاهيم والمنظومات الجاهزة، التى تهدر الواقع والخصوصية. وعلى كل حال، فإن التراث المعمارى  الإسلامى هو مادة خصبة بالفعل للتفسيرات والتأويلات الرمزية، ويكفينا هنا الإشارة إلى مفهوم أو عنصر خاص يشتهر به التراث المعمارى الإسلامى، وهو المجاز الفراغى.  إذ كان يمثل ،على سبيل المثال عند إستخدامه فى المسجد، بوابة العبور من العالم المادى  إلى العالم الروحى الإلهى. المجاز هنا ألية تحول الفراغ من معنى إلى معنى. يشبه فى ذلك المجاز اللغوى الذى يحول الكلمة من معنى شائع إلى معنى مختلف، وخاص. أما فى التراث العمرانى فى المجتمعات الإسلامية ، فإن الرؤية المجازية المسيطرة على الفكر والثقافة يمكن قرائتها ليس فقط فى ملامح التشكيل العمرانى للمبانى والشوارع والساحات العامة، بل إن الإشارات المجازية تظهر فى الممارسات والسلوكيات والتعبيرات الجماعية  فى الفراغ العمرانى. وإذا كانت العمارة فى التراث الإسلامى حولت المجاز من اللغة إلى الفراغ ، فإن العمران يحوله إلى سلوك فى الفراغ. على سبيل المثال، الموالد الصوفية التى تمتلئ بها  المواقع التراثية فى المدن والقرى المصرية  تحمل العديد من التعبيرات والسلوكيات الطقسية (مثل حلقات الذكر، زيارة الأضرحة، الإنشاد والغناء الدينى، إحتفال الدوره،التحطيب، المرماح)، والتى يمكن قرائتها  كعلامات أو مجازات عمرانية،  تكشف عن تصورات نفسية  للأماكن والتاريخ المرتبط بها. هى وإن كانت تسعى إلى تأكيد وتوطيد مفهوم المأوى بتأكيدها إمتلاك المكان مجازيا، فإنها تشير إلى الثقافة المجاوزة للواقع، إلى حد إنكاره… أو التحايل عليه!.


مؤمن غانم …مهندس معمارى، تخرج من جامعة القاهرة عام 2008، وحصل على ماجستير فى إدارة التراث الثقافى من جامعة السوربون فى 2014.

المراجع


[1] أبو زيد، نصر حامد.”النص،السلطة، الحقيقة”.الطبعةالثانية، المركز الثقافي العربي، 1997.

[2] الجابرى، محمد عابد،”نحن والتراث”. الطبعة السادسة، المركز الثقافى العربى. 1993. ص.ص 7.43

[3] أركون،محمد.”الفكرالإسلامي، قراءة علمية”.ترجمة هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1996.

[4]  بمعنى بأنه فى مرحلة ما تم النظر للغة العربية على أنها هبة إلهية، لغة مكتملة، لا تحتاج إلى تطوير، ويصير مآل جميع العلوم التى تدرس اللغة ، بعد أن نضجت، إلى الإحتراق! . أنظر أبوزيد، نصر حامد.”مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن”.المركزالثقافي العربي، 1991.

[5]يمكن القول بأن السيموطيقا المعاصرة نبعت من الدراسات اللغوية على يد المفكر السويسرى فريديناند دى سوسير (1857-1913)، إلا أنها تتعدى الألسنية لتجعلها فرعا من السيموطيقا، والتى تتسع لتشمل جميع أشكال التعبير الإنسانى. بل إن شارل ساندرز بيرس (1839-1910) أحد المساهمين الرئيسيين فى تأسيس المجال يجعل منها مقابلا للمنطق فيقول ” ليس بإمكانى أن أدرس أى شئ فى هذا الكون [..]إلا بإعتباره نظام سيموطيقى”.  ومع ذلك  فالحديث عن العلامات والدلالات ليس وليد العصر الحديث، بل له صدى فى اللسانيات منذ أفلاطون الذى أكد على أن للأشياء جوهر ثابت، وأن هناك علاقة (طبيعية) تربط بين الكلمة ومعناها، بمعنى أن الكلمة تحمل فى معناها جوهر الشئ.

[6] عادل فخورى. “علم الدلالة عند العرب، دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة”. دار الطليعة. الطبعة الثانية. 1997.

[7] Umbero Eco, “Function and Sign; Semiotic of Architecture”

[8] Jencks, Charles. “The New Paradigm in Architecture: the Language of Post-modernism”. New Haven, CT: Yale UP, 2002.

[9] Gottdiener, M., and Lagopoulos, Alexandros. “The City and the Sign: An Introduction to Urban Semiotics”, New York: Columbia University Press, 1986.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s