سحر التراث والمكان مصدر تعليمى للإبداع المعمارى

بقلم .. أ.د. دليله الكردانى

Bahariya-oasis

  • مقدمة:

تقع الواحات البحرية فى بداية المنخفض الأكبر للصحراء الغربية والذى يحتوى على عدد من الواحات ، أهمها وأكبرها الواحات البحرية والفرافرة والداخلة والخارجة . وبذلك تعتبر الواحات البحرية المدخل الشمالى على الطريق الممتد من القاهرة شمالاً إلى العوينات جنوباً . كما تكمن أهميتها فى كونها تبتعد مسافة تقل عن 400 كم فقط جنوب الجيزة حيث تمثل البوابة الرئيسية للحياة والسياحة فى الصحراء الغربية . وقد عرفت الصحراء الغربية تاريخياً بحدائق الكروم فى الدولة الرومانية حيث توفرت فيها المياه فى ذلك الوقت وهو ما يندهش له الزائر للواحات البحرية ، فعلى الرغم من ندرة المياه الآن وفقر مظاهر الحياة والسكان إلا أنها منطقة غنية جداً بالحفائر الجيولوجية والتى يرجع تاريخ بعضها إلى عصور ما قبل التاريخ وأيضاً الآثار الفرعونية والرومانية والفارسية والقبطية والإسلامية والتى تؤكد إستمرار الحياه فيها منذ قبل التاريخ. هذا بالإضافة إلى الطبيعة الخاصة الحالية للسكان سواء من القبائل الأصلية للمنطقة أو القادمين الجدد (نسبياً) من الوادى. والتى تحمل بعض الصفات مما عرف عن سكان الواحات من قبل (Fakhry: 1974, 2003)  ولكنها إختلفت كثيراً الآن حيث أصبحت أكثر تحفظاً نتيجة لإنتشاراأصولية والسلفية الدينية .

وفى نفس الوقت تشهد الواحات حالياً تغيرات فى نمط العمران والبناء التقليدى بالخامات المحلية إلى أنماط مستحدثة ومنقولة من المدينة بالإضافة إلى إستعمال مواد بناء غير متوافقة مع البيئة مما يغير من الواقع العمرانى ويزيد من إستهلاك الطاقة (Elkerdany, Hassan & ElSerafi: 2011). وحيث تتميز المنطقة بروعة الطبيعة من الهضاب والوديان والتشكيلات الصخرية والحجرية البديعة وكذلك جفاف المناخ ومناسبته للإستشفاء بالإضافة إلى العوامل السياحية السابق ذكرها من تواجد الآثار فقد شجع ذلك على السياحة وخصوصاً لقربها من القاهرة               (Vivian: 2000, 2008) (Raafat : 2001). مما زاد من أعداد المنتجعات والقرى السياحية والذى يحتاج إلى تقويم وتقنين الآثار المترتبة على البيئة والتنوع البيولوجى الموجود .

المقدمة السابقة تعطى تصور عن أهمية دراسة هذه المنطقة الفريدة وهو ما شجع الباحث على إتخاذها مكاناً لإقامة ورش العمل المتمحوره حول التصميم المعمارى والعمرانى . والتى تهدف فى مجملها إلى محاولات لإكتشاف قيمة التراث الطبيعى والثقافى والمعمارى والتى من الممكن إستلهامها فى حلول مبدعة لإعادة التوازن إلى البيئة المشيدة بما يحقق تلبية الإحتياجات الحالية وتحقيق التوافق البيئى والتواصل التاريخى .

  • مكونات الإبداع المعمارى :

    يعرف الفيلسوف المصرى المعروف مراد وهبه الإبداع بأنه “قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم” (جريدة الأهرام عدد 16 يوليو 2013).

يتميز الإبداع المعمارى عن الإبداع فى الفنون الأخرى فى كونه فن منفعى ينبغى أن يوفر المكان والبيئة المناسبين اللتين تحتضنان النشاط الإنسانى وتعمل على تلبية لإحتياجاته العملية بالإضافة إلى توفير الراحة والأمان والجمال . فكما عرف جمال بكرى (بكرى: 2011) العمل المعمارى بثلاثة خيوط اساسية لنسيج واحد : الإنشاء – الوظيفة – الجمال وهو ما يضيف تعقيداً محفزاً يعرفه كل مزاول لفن العمارة وهندستها ، وخصوصاً إذا نظرنا إلى تحديات البيئة العمرانية فى زماننا بأبعادها الملموسة والغير ملموسة فى زمن يشهد تحولات عظمى فى العوامل المناخية المتأثرة بزيادة درجة حرارة الكرة الأرضية بما يهدد بكوارث بيئية غير محسوبة . يضاف إلى ذلك التقدم المعلوماتى المذهل والذى يحول العالم إلى قرية واحدة تتصارع فيها القوى ، ولعل أبرز هذه الصراعات مانراه فى التحدى الذى تواجهه الثقافات والإيدولوجيات المحلية فى محاولة منها للدفاع عن ذاتها والبقاء على موروثاتها ومعتقداتها ، بما يدفعها أحياناً إلى محاولات الصدام فى خطوات إستباقية دفاعاً عن وجودها، أو ربما إنتقاماً من تهميشها وإستبعادها من المشهد السياسى والإجتماعى لفترات طالت . مما ينذر بكوارث إنسانية تضاف إلى الكوارث البيئية .

وفى ظل الصراعات البيئية والثقافية يعانى العمران من فقدان الهوية والتشوه الذاتى وخاصة فى البيئات التقليدية حيث تحتاج اليوم إلى نظرة أكثر إبداعاً تتخطى المألوف ويلتحم فيها العمرانى بغير العمرانى لتصبح هى نفسها حلبة ومجالاً للمصالحة الثقافية والبيئية .

  • التراث مصدر هام للإلهام :

يعتبر التراث من أكثر المصطلحات غموضاً وصعوبة على التعريف (هولتكرانس ، ترجمة الجوهرى: 1972) ولكن بالنسبة لهذا البحث يعرف التراث بأنه “النتاج الإنسانى المبدع والقادر على الإستمرار والإضافة والتحول” ويدخل فى نطاق التراث أنواع المعمار التقليدى التلقائى حيث شكلت عفوياً تلبية لإحتياجات بيئية وثقافية وعملية ، وقد أثبت أنه حقق توازناً ما للإنسان ومجتمعه فى ظروف محددة ، ومع حتمية تطور وتغير هذه الظروف وتعقيدها يواجه المعمار التلقائى تحديات عظيمة وهو وقد ينعكس بشكل إيجابى على التراث بتراكم الخبرات الإبداعية ، وقد ينعكس أيضاً بشكل سلبى إذا زادت درجة التعقيد عن الحد الممكن إستيعابه أو كان التغير مفاجئاً أو مناقضاً أو صادماً لهذه المجتمعات إلى الدرجة التى قد تؤدى بطرق واعية أو غير واعية إلى تحييد عناصر الإبداع أو شروط تحقيقه.

وبالنظر إلى مجتمع سبق وصفه بأنه مجتمع تقليدى مثل مجتمع الواحات البحرية نلاحظ أنه خلال الفترات التى سبقت الثورة المعرفية – إتسم بالتناسق والإنسجام بين طرق المعيشة وإحتياجات البيئة وبين نوعيات العمارة والعمران التى أنتجها ، وأن التغيرات أو التطورات الحادثة كانت دائماً متسقة ومتوافقة مع سابقتها .

ولكن ومن خلال الزيارات المتعاقبة منذ عام 2000 وحتى الآن نلاحظ التالى :

  • البعد عن البناء التقليدى فى الأبنية الحديثة من ناحية تنظيم المسكن وواجهاته مع إستعمال بعض الظواهر الشكلية ترمز للهوية الإسلامية مثل إستعمال العقود أو بعض الزخارف .
  • البعد عن إستعمال مواد البناء المتواجدة فى البيئة المحلية وخصوصاً فى النظام الإنشائى للمبانى وإستبدالها بالخرسانة مع إستعمال بعض التكسيات والتعريشات من المواد البيئية .
  • تغير تنظيم العمران نتيجة الإعتماد على السيارات فى نقل الأفراد والمواد دون تخطيط مسبق أو محاولة للتوفيق بين النظم التقليدية وطرق التخطيط الحديثة لإستيعاب وسائل النقل المختلفة المستعملة فى الواحات (السيارة – السيارة ذات النقل الرباعى – التوك توك – الكارو – الدواب – السير على الأقدام) .
  • إختفاء الساحات الشعبية وأماكن الإحتفالات العامة .
  • عمل أسوار وحواجز حول المواقع الأثرية وفصلها عن المناطق السكنية .
  • معمار الأبنية الحكومية (المدارس – المستشفى – الإدارات الحكومية – قسم الشرطة … إلخ) تستعمل نفس الأنماط المستعملة فى المدن وقرى الوجه البحرى والوجه القبلى دون تمييز لإختلاف البيئة أو الثقافة.
  • لايوجد أثر أو إشارة لنظم الرى القديمة والتى إعتمدت على “المنافيس” رغم أهميتها ودلالتها . والإعتماد على رفع المياه بالمواتير التى تستهلك الطاقة .
  • إنتشار المنتجعات والقرى السياحية على أطراف التجمعات السكانية وإنفصالها التام عنها .
  • الإهمال التام للبنايات التقليدية فى المناطق المرتفعة والتى لايزال موجود بعضها فى حالات متفاوتة من التداعى والتى هجرها معظم الأهالى إلى أسفل الوادى مما أدى إلى إهمالها.
  • وجود بعض المحاولات الفردية لمعمار متوافق مع البيئة يستعمل مواد البناء المحلية وهو محاولات قام بها بعض السكان فى بناء بيوتهم أو القليل من القرى السياحية البيئية .

وحيث أن الظواهر السابقة مرتبطة بشكل وثيق بإشكالية علاقة المكان بالإبداع الفنى والمعمارى ، وحيث أن ما نعتبره الآن تراثاً معمارياً وعمرانياً كان قد نشأ ونما فى مراحل التوافق الإنسانى مع البيئة والثقافة ، تم طرح السؤال الذى نناقشه من خلال ورش عمل التعليم المعمارى : هل يصلح هذا التراث أن يكون مادة للإلهام والإستدعاء بهدف تحقيق التوازن مرة أخرى فى بيئة فى طريقها إلى فقد عناصر الأستدامة والتنسيق الحضارى بين مكوناتها ؟

ولعل إجراء ورش العمل هذه ماهى إلا محاولة لإيجاد وسائل جديدة مبدعة لحل المشكلات الحالية والتى قد يكون من المفيد النظر إليها من خارجها ومحاولة إعادة إكتشافها والبحث عن حلول مبدعة وغير تقليدية لعلاجها ، حيث تعانى المجتمعات النائية مثل مجتمع الواحات البحرية من الإنغلاق الذى يحول بينها وبين الإنتاج المبدع . فكما وضح لنا هانس أيزنيك (Eysenck, 1993) “ثلاث عقبات أمام الإبداع : التعصب والبيروقراطية والسلطة” .

وهو ما يحاول البحث توضيحه وذلك بإستعراض ورش عمل للتصميم العمرانى والمعمارى لطلبة جامعة القاهرة بمشاركة بعض الجامعات الأوروبية من أيطاليا وألمانيا والتى تم إجراءها فى قرية الباويطى بالواحات البحرية منذ سنة 2001 وحتى الآن.

  • التجريب فى بيئة مغايرة لبيئة الطالب 

حازت ورش العمل التى يقوم الباحث بتنظيمها مع  الفريق المعاون ومجموعة الخبراء المشاركين بشعبية وإقبال كبيرين من طلاب وطالبات قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة ، وربما يكون من المفيد أن نقوم بإستبيان لندرس فيها أسباب هذه الشعبية وهذا الإقبال ، ولكننى حالياً أدون الملاحظات التالية والتى نتجت من مشاهدتى الشخصية وكذلك عن بعض الكلمات الدالة من بعض المشاركين / المشاركات ممن لهم/ لهن القدرة والشجاعة على التعبير :

  • الواحات فرصة لتغيير البيئة المعتادة للجامعة والبيت وأماكن الترفيه والثقافة فى القاهرة مما نشعر معه بالراحة والإنطلاق .
  • القيام برحلة مع الزملاء والزميلات تتيح فرصة للإختلاط أكثر سواء بين الجنسين أو بين الأصدقاء وهو ما يمكّن من تعميق الصداقات الشخصية أو أكتشاف أخرى جديدة . وربما أيضاً نعرف بعض بصورة أفضل وخاصة عند التعرض لإختيارات ينتفى فيها التأثيرات المعتادة .
  • الصحراء بيئة جديدة تماماً بالنسبة لقاطنى المدينة ولها سحر خاص لما تتميز به من بيئة بصرية ومناخية مغايرة تماماً وهو ما يجعلنا نختبر أفكارنا وأحكامنا السابقة فيما يخص التصميم المعمارى ومتطلباته.
  • يشكل التواصل مع السكان المحليين تحدى كبير لإختلاف الأفكار والعادات والتقاليد حتى عن المجتمعات التقليدية فى المدينة وهو ما يشكل لنا خبرة جديدة فى محاولات فك الرموز والدلالات .
  • أملنا أن نستيطع خدمة وطننا بشكل أفضل ، وزيارة الواحات أتاحت لنا رؤية جديدة لكيفية خدمة الوطن .
  • رغم أننا درسنا تأثير المناخ على العمارة والواجب مراعاته عند التصميم فى المناطق الصحراوية الجافة والحارة إلا أن الخبرة الذاتية فى المكان نفسه أتاحت لنا فهم أعمق .

مجمل هذه الملاحظات توضح الفائدة الكبيرة التى يتيحها إنتقال أستوديو التصميم التقليدى من القاعات الدراسية بالكلية أو حتى فى التجريبى فى نطاق المدينة إلى الصحراء حيث الواحات وما تمثله من إشكاليات وتحديات مختلفة تماماً . وهو مادفع بنا إلى تنظيم مجموعة من ورش التصميم المعمارى والعمرانى بأهداف مختلفة ومع مجموعات ذات مستويات متباينة من الفصول الدراسية . وفى جميع هذه الورش كان الشرط دائماً أن يكون هناك تواجد متكافىء للإناث فى مقابل الذكور من الطلاب ، هذا وقد لجأنا فى معظم المرات إلى عمل مسابقات لإختيار المشاركين نظراً للإقبال الشديد لهذه الورش .

  • إستعراض ملخص لتجارب ورش العمل فى الواحات البحرية :

    تم إقامة مجموعة من ورش العمل فى منطقة الواحات البحرية نستعرض هنا أهم خمسة منها :

    التجربة الأولى : زيارة إستطلاعية 2001

رحلة طلاب مشروع التخرج الإستطلاعية للمناطق المختلفة فى واحات الصحراء الغربية (البحرية – الفرافرة – الداخلة – الخارجة – العوينات) وقد خرجت بإنطباعات عديدة عن المكان والسكان والطبيعة وسحر الهام الصحراء. وقد كانت تجربة جديدة بالنسبة للباحثة حيث أنها من المناطق الزراعية بالدلتا حيث وفرة المياه وغلبة اللون الأخضر . وقد عاشت معظم حياتها الواعية فى المدينة حيث التخطيط المنتظم والعمارة المقننة والمدنية فى كافة نواحى الحياة . وهو ما يشبه إلى حد بعيد التجربة الذاتية لمعظم الطلاب المشاركين فى ورش العمل التالية . وقد أسفرت هذه التجربة الأولى عن إستطلاع المناطق المختلفة بالصحراء الغربية وبدء تكوين قاعدة من المراجع والمعلومات التى شكلت أساساً جيداً لإقامة المزيد من ورش العمل المتتالية بعد ذلك .

التجربة الثانية : توثيق عناصر العمارة التلقائية 2007

بدعوة من كاسندرا فيفيان Cassandra Vivian الباحثة ومؤلفة الكتب المشهورة عن الصحراء الغربية – وجمعية محبى الصحراء الغربية تم تنظيم وإدارة ورشة عمل بحثية تهدف إشراك مجموعة من طلاب مادة “العمارة والثقافة والتراث” فى تصميم مقترح لمشروع مركز زوار فى منطقة الواحات البحرية ، وهو ما أستدعى أن يتم إجراء بحث عن نمط العمارة فى مدينة الباويطى والقصر بالواحات البحرية من ناحية طرق البناء ، والتنظيم الداخلى للبيوت السكنية ، والفراغات الخارجية ، والواجهات ، والزخارف والتكسيات الخارجية.  والتى أنتهت بـأن قدم كل مجموعة من 3 طلاب تصميم لمركز الزوار المنشود والذى شكل جزءًا أساسياً من عناصر تقويم أداء الطلاب فى هذه المادة .

ثم قام الفريق المنظم فى وقت لاحق بإعداد تصميم وتكلفة مبدئية لمشروع مقترح تنفيذه فى هذه المنطقة إستجابة لطلب جمعية محبى الصحراء الغربية ، حيث كان تقديم هذا المشروع شرط لحصول الجمعية على منحة من الحكومة الإيطالية بمبلغ محدد سلفاً .

ومما هو جدير بالذكر أن الجمعية كانت قد دعمت إجراء هذه الورشة الدراسية والبحثية وذلك بأن تكفلت بإستضافة الورشة فى فندق محلى متحملة كافة مصروفات الإقامة والإنتقالات للطلاب والأساتذة .

التجربة الثالثة : توثيق مكونات العمران الحالى وعلاقته بالمواقع الأثرية20082010

حصل مركز دعم التصميمات المعمارية والهندسية والذى قامت الباحثة بمهام المدير التنفيذى له فى هذه الفترة بالإشتراك مع إتحاد معاهد وكليات الدراسات العليا فى إيطاليا وكذلك مع جامعة مراكش  بالمغرب فى مشروع بحثى عنوانه “إعادة تأهيل وتفعيل المواقع الآثرية”  “ The Valorization of Archeological Sites”  وكانت مهمة البحث الرئيسية هى إشكالية تنمية المواقع الأثرية وربطها بالمجتمعات المحلية لتكون أساساً لتفعيل التنمية الشاملة لهذه المجتمعات من النواحى الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية ، بالإضافة إلى تحقيق التوازن بإشراك السكان المحليين فى هذه العملية وإجتذاب السياح والزوار فى إحتفاليات ضخمة نسبياً مرتبطة بهذه المواقع الاثرية . وقد تم إختيار ثلاث مواقع فى كل من ضواحى نابولى بإيطاليا ومراكش بالمغرب والواحات البحرية بمصر ، وتجتمع الثلاث مواقع فى التالى :

  • كونها مواقع أثرية غير معروفة للعامة .
  • تجاور هذه المواقع الأثرية مع مجتمعات محلية فقيرة
  • المواقع الأثرية الغير مستغلة سياحياً وإقتصادياً بالقدر الكافى .
  • يعتبر الماء عنصر هام ومكون أساسى للثلاث مواقع . فالموقع الأول (نابولى) يحتوى على حمامات رومانية قديمة وعيون مياه معدنية كانت تستخدم فى الإستشفاء ، والموقع الثانى (مراكش) يحتوى على خزانات مياه عملاقة مازالت تستخدم فى رى الحدائق الغناء المجاورة وهى مواقع تتميز بتفرد عمارتها ونظم الرى القديمة ، أما الموقع الثالث (الواحات البحرية) يتميز بندرة المياه وإعتماده قديماً على المياه الجوفية حيث أستخدم نظام المنافيس قديماً لإستخراج المياه ومازالت بعض آثاره موجودة إلا أن الأهمال والنسيان قد أصابه كما أن بها بعض عيون الماء المعدنية الساخنة ذات الخواص العلاجية .

وقد تميزت تجربة الواحات البحرية التى أجريت من خلال مادة “الحفاظ العمرانى وإعادة تأهيل المناطق والمبانى ذات القيمة” لطلاب الدراسات العليا شعبة التنمية العمرانية – تعرض الطلاب للتعرف على هذه المواقع فى البلدان الأخرى بشكل عام والإحتكاك بالخبراء من هذه المناطق الذين تخصصوا فى علوم الإقتصاد السياحى والتصميم العمرانى بالإضافة إلى خبراء المياه والتاريخ العمرانى . وحيث قام بتسجيل المادة عدد 30 طالب وطالبة قامت بالدراسة العمرانية الشاملة لقرية الباويطى بالواحات البحرية ، وقد تم تنظيم الفصل الدراسى بحيث شمل أربع مراحل للعمل على النحو التالى :

  • مجموعة من المحاضرات النظرية تم التركيز فيها على مبادىء واساسيات الحفاظ العمرانى وإعادة التأهيل والتجارب المحلية والعالمية السابقة لمشروعات الحفاظ .
  • مجموعة من المحاضرات تم فيها إعطاء خلفية وافية عن منطقة الواحات البحرية من النواحى التاريخية والآثرية والمياه قام بها خبراء متخصصون .
  • ورشة عمل للتسجيل العمرانى والمعمارى لقرية الباويطى بالواحات البحرية مدة 5 ايام شارك فيها عدد 30 طالب و 2 أستاذ و3 مساعدين لتنظيم العمل وتجميع الخرائط والمعلومات التى حصل عليها الطلاب بشكل شامل . بحيث تناولت الدراسات التالية :

*- الخلفية التاريخية للمنطقة والحقبات والمواقع الآثرية المختلفة التى تحتويها .

*- التنوع الجيولوجى والحيوى للمنطقة .

*- التوثيق العمرانى والمعمارى للمبانى والشوارع والساحات والحدائق الموجودة .

*- إستعمالات وإرتفاعات وحالات المبانى .

*- الطابع المعمارى والعمرانى للقرية .

*- الطابع السكانى والإجتماعى لأهالى المنطقة .

*- مناطق الجذب السياحية وعلاقتها بالعمران والأنشطة والخدمات المساعدة .

*- تحديد شركاء التنمية والتواصل معهم فى إطار بحث آليات المشاركة المجتمعية

  • تحليل المعلومات من المواقع ووضعها فى مصفوفة (SWOT) (المعوقات والإمكانات ومصادر القوة والضعف) لإستخراج النتائج ومحددات وأهداف مشروع إعادة التأهيل والترويج لموقع محدد ، حيث تم إختيار موقع قلعة محارب فى مدخل الواحات البحرية والذى تم إقتراح مشروعات لتنميته إحتوت على برنامج للأنشطة السياحية والمجتمعية والثقافية والتعليمية والترفيهية

هذا وقد نجحت هذه التجربة فى إعطاء -ولأول مرة- دراسة عمرانية شاملة لقرية الباويطى ومخرجات تصلح لتفعيل مخطط مبدئى يساهم فى تنميتها الشاملة . هذا وقد عرض المشروع على المحافظ المسئول أكثر من مرة كان آخرها ندوة تبنتها لجنة العمارة بالمجلس الأعلى للثقافة (مايو 2013) ، ولكن للأسف لم تتوفر بعد الإرادة السياسية لتفعيل نتائج العمل الميدانى والبحثى الأكاديمى.

كان من حسن الحظ أن التمويل البسيط الذى أتاحه الجانب الإيطالى لهذا المشروع قد ساهم فى نفقات سفر وإقامة هذه المجموعة الكبيرة من الطلاب والأساتذة ، وكذلك طباعة اللوحات والتقارير حيث تم إقامة معرض لها فى أكثر من مناسبة ، بالإضافة إلى مكافآت للأساتذة والمساعدين الذين قاموا بالتنظيم والإشراف كما تم نشر الدراسة فى كتاب قيم مع التجارب الأخرى من مراكش ونابولى

 (Elkerdany, Hassan & ElSerafi: 2011) .

التجربة الرابعة : تصميم حدائق الصحراء 20112012

فى إطار مذكرة التفاهم الموقعة بين جامعة القاهرة وجامعة براندبورج بألمانيا تم إقامة ورشة عمل من خلال مادة العمارة والثقافة والتراث أشرف عليها بالإضافة إلى الجانب المصرى عدد 3 أساتذة من جامعة براندنبورج كوتبوس بألمانيا وشارك فيها عدد 15 طالب من الجامعة الألمانية مع 20 طالب مصرى فى السنة الثالثة مسجلين فى مادة “العمارة والثقافة والتراث” حيث يهدف المنهج إلى التعرف على التراث المتمثل فى العمارة والنحت والفنون التشكيلية والتراث المعنوى المرتبط بها والمتمثل فى الفنون الأخرى من شعر وموسيقى وأدب … إلخ وإرجاعه إلى العوامل والمقومات البيئية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التى أنتجت هذا التراث بلإضافة إلى إستضافة مجموعة من الفنانين والمعماريين للتعرف على طريقتهم فى التعامل مع هذا التراث من خلال إنتاجهم الفنى والمعمارى .

وقد إهتمت ورشة العمل مع الجانب الألمانى بالفراغات العامة فى قرية الباويطى والتى تم تنظيمها من خلال المكونات التالية :

  • إقامة مجموعة من المحاضرات والتقارير إستعرضت تجارب الورش السابقة والتى أتاحته خلفية معرفية جيدة للطلاب وذلك قبل زيارة الواحات (مدة 2 يوم) .
  • ورشة العمل فى قرية الباويطى وقام فيها الطلاب بإكتشاف الفراغات العامة ومكوناتها وإستعمالاتها ، كما حاول الطلاب إكتشاف إمكانيات أخرى مبتكرة لتصميم الفراغات العامة داخل القرية وربطها بحدائق النخيل والمشمش والزيتون ، وأيضاً بعيون المياه الساخنة التى تستخدم فى الإستحمام والإستشفاء (مدة 3 أيام) وعقدت أستوديوهات لمناقشة الطلاب فى مقترحاتهم مع السكان المحليين وكذلك المشرفين .
  • عند عودة الطلاب إلى جامعاتهم قاموا بإستكمال مشروعاتهم لتنسيق المواقع التى سبق إختيارها وتوثيقها من الطبيعة ، وقد عكست هذه المشروعات إنفعالاً بالبيئة وكيفية إستغلالها فى تصميم الحدائق الصحراوية وبعض الإنشاءات الخفيفة لتوفير المظلات والخدمات لهذه الحدائق .

وقد تم تمويل الورشة من مؤسسة التعاون الأكاديمى الألمانية DAAD كما نظمت مسابقة لإختيار أفضل 3 تصاميم من كل جامعة وكانت الجائزة تبادل الزيارات بين طلاب البلدين حيث قام الطلاب المصريين بزيارة برلين بألمانيا .

وبصفة شخصية فإننى أعتبر أن أهم نجاحات هذه الورشة هى إستمتاع الطلاب الألمان والمصريين وتفاعلهم فى خلال الوقت الذى قضوه سوياً فى الواحات رغم قصره النسبى وتكوين الصداقات المتبادلة والتى مازالت مستمرة إلى الآن حيث قاموا بإنشاء موقع لهم على أداة التواصل الإجتماعى (Face Book) يتبادلون من خلاله الأخبار الإجتماعية والسياسية وكذلك المواد العلمية والتجارب الشخصية .

التجربة الخامسة : مشروعات تهدف إلى تنمية المجتمعات النائية فى إطار العولمة 20112012

تناولت هذه التجربة مشروعات التخرج لعدد 3 من الطالبات و 7 من الطلاب وتم إلزام المجموعة بأن يقع موقع المشروع لكل منهم فى حدود منطقة قلعة محارب لتوافر الخرائط والمعلومات عنها حيث تم تناولها فى ورشة العمل الثالثة ، بحيث تمكن الطلاب من الإستفادة بجميع الدراسات الناتجة عن ورش العمل السابقة على أن يقوم الطالب / الطالبة إختيار موضوع المشروع وتحديد البرنامج اللازم والأنشطة المساعدة وإحتياجاتها المعمارية والبيئية بالإضافة إلى البحث عن المشروعات السابقة المماثلة فى المناطق الفقيرة والنامية .

وقد كانت من المحددات الأساسية التفاعل مع البيئة المحيطة والمساهمة فى تنمية المجتمعات المحلية بالإضافة إلى ربط المشروع بالموقع الأثرى للتعريف به والإستفادة من الأمكانات الثقافية والتعليمية والإقتصادية التى قد يتيحها . كما أستهدفت المجموعة أن تشكل المشروعات مع بعضها منظومة تنموية متكاملة ، وهوما سبب تعقيداً لم يستطيع الطلاب من تحقيقه بشكل مرضى فى النهاية .

وقد كان من أبرز المشروعات :

  • “مركز البحوث والبناء التقليدى ملحق به نموذج الإسكان التجريبى”، وهو مشروع قابل للنمو والإضافة. وقد تميز بأنه عكس وعى الطالبة بأهمية تناول مركز بحوث البناء ليس فقط النواحى التقنية فى العملية البنائية ولكن أيضاً النواحى الإجتماعية والثقافية والإقتصادية للسكان ، وهو ما دفعها إلى فكرة تصميم النماذج التجريبية وذلك لإختبار قدرة المنشأ على التحمل وإحتياجات الصيانة والتطوير وكذلك الإحتياجات الإنسانية والإجتماعية والبيئية .
  • “مستشفى للولادة وتأهيل وتميكن المرأة” ، ونلاحظ فى هذا المشروع نضج إجتماعى وإقتصادى للطالبة التى قررت أن مفتاح تنمية المجتمع هى المرأة ، وقد أستهدفت توقيت الذروة البيولوجية لها وتجمع العائلة حولها وإرتباطها بعد ذلك برعاية الطفل من أجل إعطائها فرصة ومنفذ للتأهيل والتمكين .
  • “متحف ومركز للفنون والتصوير الفوتوغرافى” ، وقد كان هذا الطالب مصوراً فوتوغرافياً موهوباً ومرهف الإحساس ، بحيث شكلت زيارته الأولى للواحات البحرية وخبرة المناظر الطبيعية للصحراء تأثيراً ملهماً ومبهراً إلى حد بعيد ، وأعتقد أنها تركت عمقاً فريداً لديه سوف يظل يلازمه فى مستقبله العملى .

أما باقى المشروعات فقد كانت “مركز رياضى للشباب” مدرسة للتعليم التأهيلى” “متحف مياه” ، متحف للأنثروبولوجيا” ، “مركز لأبحاث المياه والزراعة” من ضمن مقترحات أخرى .

  • الخلاصة :

قام البحث فى الجزء الأول منه بالتعريف ببيئة ومجتمع الواحات البحرية والمشكلات التى يتعرض لها حالياً نتيجة الإنفصال عن التراث والبيئة الطبيعية ، ثم قام بإستعراض فرضيات الإبداع المعمارى وأهمية إعتبار التراث مصدراً هاماً من مصادر الإبداع المعمارى والفنى ، أما فى الجزء الثانى فقد إختص بإستعراض التجارب المتتالية لتنظيم ورش عمل تصميم عمرانى ومعمارى لطلاب قسم العمارة بكلية الهندسة – جامعة القاهرة فى مواد : “العمارة والثقافة والتراث” للسنة الثالثة ، “مشروع التخرج” للسنة الرابعة ومادة “الحفاظ العمرانى وإعادة تأهيل المبانى ذات القيمة” للدراسات العليا علماً بأن أهداف كل ورشة إختلفت من تجربة إلى الأخرى بحيث شكلت فى مجملها منظومة متكاملة على مدى حوالى 12 عام . وبناءًا عليه يخلص البحث إلى النقاط التالية :

  • لقد كان من الهام والمفيد بشكل خاص إجراء ورش للتصميم المعمارى والعمرانى خارج النطاق المعتاد للجامعة والمدينة لما له من تأثير عميق على تجربة الطالب التعليمية ليس فقط من الناحية الأكاديمية ، ولكن بالأهم من الناحية الأنسانية والنمو الشخصى .
  • ساهم تعرف الطالب والتحامه مع مواطنين من مجتمعات مختلفة تتميز بالفقر والإنغلاق والإختلاف المعرفى فى معرفته بالمشكلات الحقيقية التى تواجه البلاد وتعوق تقدمها مما ساعد على تنمية قدراته على التواصل مع أفراد مجموعات من هذه المجتمعات .
  • أدى سحر الصحراء وإلهام المكان إلى شحذ قدرات الطلاب الإبداعية وعمّق من مداركهم بالبيئات الجديدة وفتح آفاق أكثر رحابة من حيز بيئاتهم الأصلية الضيقة والمحدودة .
  • تكرار التجارب وتراكم المعلومات كان له تأثير كبير فى توفير قاعدة من المعلومات التى اسهمت فى نجاح ورش العمل المتأخرة ولاشك سوف تشكل أساساً جيداً لإجراء المزيد من الورش والدراسات المستقبلية سواء بواسطة نفس مجموعة العمل أو المجموعات الأخرى حيث تم إتاحة النتائج عن طريق النشر .
  • مما لاشك فيه أن مثل ورش العمل هذه تحرك إهتماماً وتأثيراً سواء فى عناصر المجتمع المحلى من السكان المحليين والجمعيات الأهلية أو من صانعى القرار فى المحافظة ووزارة البيئة والسياحة . وإن لم تتخذ خطوات عملية بعد نحو البدء بشكل عملى فى تنفيذ بعض الدراسات والمخططات الناتجة عن هذه التجارب . ولكن عسى أن يكون القرار السياسى بعد التغييرات الإيجابية التى تشهدها البلاد حالياً منحازاً لصالح إحداث إصلاحات فعلية على أرض الواقع نحو تنمية أكثر عمقاً وشمولية وإستدامة ولامركزية، بحيث تتيح الفرصة لمثل هذه الدراسات لتأخذ طريقها إلى حيز التفعيل والتنفيذ.

قائمة المراجع :

  • Ahmed Fakhry. Bahariya and Farafra. The American University in Cairo Press, Cairo: 1974, 2003.
  • Dalila Elkerdany, Fekri Hassan and Tamer ElSerafi. The New Entrance Door to the Western Desert, “in ArcheoURB archeologia et citta” Edited by Adelina Picone, Federica Visconti and Renato Capozzi. Clean Edizioni, Napoli: 2011.
  • Aly Raafat. Leisure Tourism in Egypt: 1- West of the Nile. Inter-Consult Research Center, Cairo: 2001.
  • Cassandra Vivian. The Western Desert of Egypt. The American University in Cairo Press, Cairo: 2000,
  • Hans Eysenck. Creativity and Personality: Suggestion for a Theory. “in Psychological Inquiry”. Vol.4, No. 3, 147-178. Lawrence Erlbaum Associates, Inc. 1993.

المراجع العربية :

  • طارق والى. نهج البقاء فى عمارة الصحراء : ترانيم معمارية. مركز طارق والى للتراث، القاهرة: 1996 .
  • عبد الجواد سعيد على وخالد أحمد على أبو العلا. إدارة وتنمية المياه بالمشاركة بالصحارى المصرية: منظومة إقتصادية – إجتماعية متكاملة. قطاع المياه  الجوفية -وزارة الموارد المائية والرى، القاهرة: يناير: 2005. (تقرير)
  • التقرير الوطنى الرابع عن إتفاقية التنوع البيولوجى. قطاع حماية الطبيعة، جهاز شئون البيئة، وزارة الدولة لشئون البيئة، جمهورية مصر العربية. القاهرة: مارس:
  • جمال بكرى. بين العصر والوجدان: حوار عمرانى. مركز طارق والى للعمارة والتراث، القاهرة:
  • أيكه هولتكرانس . قاموس مصطلحات الأثنولوجيا والفولكلور. ترجمة محمد الجوهرى. دار المعارف بمصر ، القاهرة : 1972 .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s