عندما كان التخطيط الشامل هو الحل .. مصر في الستينات

بقلم .. شيماء شاهين ..

تعتبر تجربة التنمية المصرية في الستينات نموذجا لما يمكن للتخطيط العمراني الشامل ان يحقق من نهضة اجتماعية واقتصادية وسياسية ، .. فهي التجربة التي هدمت النظرة القاصرة للتخطيط العمراني بوصفه مجرد تقسيم للاراضي او انشاء للبنية التحتية للمدن وتعدتها الى افاق ابعد  ليشمل كل ما يُعْمَر به البلدُ من تجارة وصناعةٍ وبناء وتمدُّن وهو المفهوم الذي ثبتت فعاليته من خلال النتائج التي حققتها تجربة التنمية المصرية في الستينات ، فقد نجحت في تحقيق جزء كبير من خطة التصنيع الاولى ، و100 % من الخطة الخمسية الاولى 60-1965 وبدات بالفعل في تنفيذ الخطة الخمسية الثانية 65-1970 والتي  لم تعرقلها حتى ظروف الحرب وان كانت قد منعت من اكتمالها .. وفي ظل معاناتنا في الوقت الحاضر من غياب خطة تنمية قومية معتمدة على رؤية شاملة لمستقبل البلاد كانت حتمية الرجوع لتلك الفترة من تاريخنا وذلك : اولا  لاعادة النظر في مفهوم التخطيط العمراني  بالاستناد الى واحد من اهم الوثائق التي يعد خطة عمل قومية لمصر  وهو الميثاق الوطني .. وثانيا لالقاء الضوء على بعض النتائج الفعلية التي اسفر عنها تطبيق هذا المفهوم الاشمل للتخطيط العمراني والذي يتجلى بوضوح في الخطة الخمسية الاولى  .

الميثاق الوطني

الميثاق الوطني هو مشروع تخطيط عمراني شامل ودليل عمل قدمه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إلي المؤتمر الوطني للقوي الشعبية في‏21‏ مايو‏1962‏.  والميثاق يمثل قمة النضج في التخطيط في التجربة التنموية المصرية في تلك الفترة ،ذلك لانه يأتي في مرحلة عبرت فيها مصر الثورية سنوات من التجربة والخطأ حتى وصلت الى اكتمال الرؤية ووضوح الادوات فكان مشروع الميثاق مؤطرا لتلك الرؤية .. وتترجم البنية الفكرية للميثاق الرؤية الشاملة لمصر الماضي والحاضر والمستقبل .. وتتجلى بين سطوره ملامح الفلسفة التي وجهت خطة التنمية والتي حققت في عقدين من الزمان في مالم تستطيع قوى الفساد ان تهدمه في ما يقرب من نصف قرن ..  ‏وقد حملت أبواب الميثاق العشرة العناوين التالية: نظرة عامة ـ في ضرورة الثورة ـ جذور النضال المصري ـ درس النكسة ـ عن الديمقراطية السليمة ـ في حتمية الحل الاشتراكي ـ الانتاج والمجتمع ـ مع التطبيق الاشتراكي ومشاكله ـ الوحدة العربية ـ السياسة الخارجية‏.

ومن دراسة البنية الفكرية للميثاق تتضح لنا الدعائم الاساسية التي شكلت ملامح خطة التنمية .. والتي يكاد يلخصها الزعيم الراحل في الباب الاول من الميثاق – نظرة عامة- اذ يرى ان اي نجاح ثوري يحتاج الى  :

  • أولاً: إرادة تغيير ثورى ترفض أى قيد أو حد إلا حقوق الجماهير ومطالبها.
  • ثانياً: طليعة ثورية مكنتها إرادة التغيير الثورى من سلطة الدولة؛ لتحويلها من خدمة المصالح القائمة إلى خدمة المصالح صاحبة الحق الطبيعى والشرعى؛ وهى مصالح الجماهير.
  • ثالثاً: وعى عميق بالتاريخ، وأثره على الإنسان المعاصر من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدرة هذا الإنسان بدوره على التأثير فى التاريخ.
  • رابعاً: فكر مفتوح لكل التجارب الإنسانية؛ يأخذ منها ويعطيها، لا يصدها عنه بالتعصب، ولا يصد نفسه عنها بالعقد.
  • خامساً: إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله، ورسالاته القدسية التى بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان فى كل زمان ومكان[1]

مفهوم التخطيط الشامل

وبقدر ما تلخص تلك الدعائم الخمسة اهم الاعتبارات التي ساهمت في نجاح ثورة يوليو و في تحقيق انجازات ثماني سنوات مضت قبل مشروع الميثاق ، فانها تؤسس للمنهجية الفكرية للتخطيط التنموي الشامل في تلك الفترة، التي شهدت تحولا جذريا منذ بداية الستينات ويؤطرها الميثاق بين سطوره  .يقدم فيها منظورا رائدا للتخطيط  بوصفه ” والتخطيط من هذا كله ينبغى أن يكون عملية خلق علمى منظم؛ يجيب على جميع التحديات التى تواجه مجتمعنا؛ فهو ليس مجرد عملية حساب الممكن، ولكنه عملية تحقيق الأمل. ”

و بانه هو الطريقة الوحيدة التى تضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية؛ بطريقة عملية وعلمية وإنسانية؛ لكى تحقق الخير لجموع الشعب، وتوفر لهم حياة الرفاهية.  إنه الضمان لحسن استغلال الثروات الموجودة والكامنة والمحتملة؛ ثم هو فى الوقت ذاته ضمان توزيع الخدمات الأساسية باستمرار، ورفع مستوى ما يقدم منها بالفعل، ومد هذه الخدمات إلى المناطق التى افترسها الإهمال والعجز؛ نتيجة لطول الحرمان الذى فرضته أنانية الطبقات المتحكمة المستعلية على الشعب المناضل.

وهكذا فالتخطيط وسيلة تنبع من الواقع وتتخطي محدداته للعبور نحو الامال الكبرى لجموع الشعب .. فهو يتضمن الكشف عن الامكانيات الوطنية  المتاحة والممكنة والعمل على كيفية الاستفادة منها على الوجه الامثل ولكنه في الوقت نفسه ابداع لكيفيات جديدة لا تترك لاي موانع مجال لعرقلة مسار الخطة .. والتخطيط ليس عملية نظرية او مجرد افكار مجردة حالمة تمنى الشعب بوعود بعيدة الاجل،  فكما ينبع من الواقع ينبغي ان يخاطبه بحلول مباشرة موجهة وادوات عملية وتواجه اشكاليات التنمية واحتياجاتها بحلول ، تصبح بدورها مكون اساسي من مكونات الحياة اليومية، لكل فرد من افراد المجتمع فيها دور محدد ..” ومن ثم فإن التخطيط فى مجتمعنا مطالب بأن يجد حلاً للمعادلة الصعبة؛ التى يكمن فى حلها نجاح العمل الوطنى مادياً وإنسانياً .. هذه المعادلة هى: كيف يمكن أن نزيد الإنتاج وفى نفس الوقت نزيد الاستهلاك فى السلع والخدمات؟. هذه المعادلة الصعبة ذات الشعب الثلاث الحيوية تتطلب إيجاد تنظيم ذى كفاية عالية وقدرة؛ يستطيع تعبئة القوى المنتجة، ورفع كفايتها مادياً وفكرياً، وربطها بعملية الإنتاج.”

والتخطيط بذلك ملزم بأن يحقق تركز وتوجيه الخبرات والجهود والوقت والمال التي تحتاجها مصر لوضع خطة شاملة للتنمية ،و كذلك لتفادي الارتجال والازدواجية فهو يحتاج ان يرسم كخطة واحدة شاملة تتضمن جميع ابعاد التنمية المستهدفة وفي الوقت نفسه يحتوي خطط تفصيلية مستقلة لكل مجال من مجالات التنمية ، او بمعنى اخر كما صاغه الزعيم بكلماته : ” مركزية فى التخطيط، وعلى لا مركزية فى التنفيذ تكفل وضع برامج الخطة فى يد كل جموع الشعب وأفراده. ”

وبالرغم من ان الهدف الاسمى للتخطيط  في تحقيق الكفاية والعدل هو هدف طويل الاجل ،  الا ان ذلك لا يتعارض مع حتمية  ان يضمن التخطيط  تحقيق تغييرات فورية من شانها ان تؤثر في حاضر افراد الشعب ، مما يدعم في صدورهم الايمان به ويعزز مشاركتهم في تحقيق اهدافه .” إن الوصول إلى الهدف ممكن بالتخطيط الاقتصادى والاجتماعى، ودونما تضحية بالأجيال الحية من المواطنين لمصلحة الأجيال التى لم تولد بعد. إن إمكانية تحقيق هذا الهدف لا تعتصر قواهم تحت ضغط المسئولية، وإنما كل الذى تتطلبه منهم هو العمل المنظم والأمين؛ فى إطار الأهداف الإنتاجية للخطة، وبوحى من الفكر الاجتماعى الذى يرسم لها طريقها إلى صنع المجتمع الجديد، وما يمكن لهذا الفكر أن يطوره من قيم أخلاقية جديدة ومعان إنسانية متفتحة للحياة، نابضة بها.”

سمات التخطيط الشامل في ميثاق العمل الوطني

والتأمل في البنية الفكرية للميثاق في حد ذاته بوصفه خطة تنمية ودليل عمل يضيف ابعادا اكثر عمقا لمفهوم التخطيط مثل :

1.      وضوح الرؤية والهدف

” التقدم هو غاية الثورة،والتخلف المادى والاجتماعى هو المفجر الحقيقى لإرادة التغيير،والانتقال بكل قوة وتصميم مما كان قائماً بالفعل إلى ما ينبغى أن يقوم بالأمل. “

كان الامل الذي تسعى اليه تجربة ثورة يوليو منذ خطت خطواتها الاولى هو التقدم ..  والتقدم لا يتم الا عن طريق : الاستقلال والتنمية.. فالاستقلال الاقتصادي هو الضامن الوحيد للاستقلال السياسي ولا يتم الا بالتنمية الشاملة .  وهدفها تحقيق الحد الأدنى لمستوى المعيشة الذي يكفل لأفراد الشعب حياة كريمة، كخطوة أساسية لنظام تسوده العدالة الاجتماعية، ويتاح فيه لكل فرد فرصة متكافئة مع غيره لتنمية شخصيته، ومواهبه، وتحسين مستواه المادى والمعنوى، وذلك يقتضى زيادة الطاقة الإنتاجية للبلاد، وإحسان استغلالها، والعمل على تنمية الإنتاج منها، مما يتيح فرص العمل والعيش الكريم لجميع الأفراد وبالتالي اقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع العمل وتكافؤ الفرصة، مجتمع الإنتاج ومجتمع الخدمات.

2.      التجربة مصدر الفكر

” إن الوضوح الفكرى أكبر ما يساعد على نجاح التجربة، كما أن التجربة بدورها تزيد فى وضوح الفكر وتمنحه قوة وخصوبة تؤثر فى الواقع وتتأثر به، ويكتسب العمل الوطنى من هذا التبادل الخلاق إمكانيات أكبر لتحقيق النجاح”

يرسي الميثاق في ابوابه الاولى قاعدة هامه هي ان التجربة هي المصدر الاول للفكر سواء كانت التجربة الوطنية المصرية عبر تاريخها الحديث او تجارب مجتمعات اخرى يمكن من خلال استقراءها التهام ما يناسب التجربة المصرية في خصوصيتها .. فالميثاق لا يعترف بالفكر المنفصل عن الواقع والتجربة ، ويفضل دائما ان يبدأ من التجربة مع مراعاة ان البدء بالتجربة لا يلغي دور الفكر فهو يساند التجربة ويوضحها والتجربة تسانده وتعمقه .. وفي الباب الثاني من الميثاق  – في ضرورة الثورة – يبدأ الزعيم  للاسباب التي فرضت حتمية الثورة وجعلت منها الطريق الوحيد الذى يستطيع النضال العربى أن يعبر عليه من الماضى إلى المستقبل، فالثورة هى الوسيلة الوحيدة التى تستطيع بها الأمة العربية أن تخلص نفسها من الأغلال التى كبلتها، ومن الرواسب التى أثقلت كاهلها .. ثم يبرهن في الباب الثالث – جذور النضال المصري –والباب الرابع – درس النكسة – كيف يمكن اعادة استقراء الماضي ودراسة تجاربه والاستفادة منها في بناء المستقبل  من خلال عرض للتجربة التاريخية لمحاولات  المصريين في الثورة منذ الحملة الفرنسية وصولا الى ثورة يوليو .. وذلك بوعي تام لتراكمية خبرات التجربة الوطنية ودور التفاعل الايجابي مع التاريخ في دفع التجربة نحو المستقبل .. الا ان اهمية استقراء التجارب السابقة والاستفادة منها لا ينبغي باي حال ان تصبح قالبا مجمدا للفكرا  عن الانفتاح على كل ما هو جديد  ” إن الثورة العربية، وهى تواجه هذا العالم، لا بد لها من أن تواجهه بفكر جديد ، لا يحبس نفسه فى نظريات مغلقة يقيد بها طاقته ، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعزل عن التجارب الغنية التى حصلت عليها الشعوب المناضلة فى كفاحها … ” لان كلاهما لايتعارضان في منهجية التخطيط التنموي الناصرية بل يلتقيان ويتفاعلان لينتجا فكر جديد يخدم الهدف الاكبر ..

3.      التنمية المجتمعية في مقدمة اولويات التنمية

” إننا لا نبغى فقط نهضة عمرانية أو صناعية أو عسكرية، ولكننا نبغى نهضة بشرية “.

لقد فرض استقراء ايجابيات التجارب الوطنية التاريخية وثغراتها وضع ترتيب منطقي لاولويات العمل التنموي والتي وضع الزعيم في مقدمتها إحداث تغيير جوهرى فى تنظيم المجتمع وفى قواعده الثقافية،  وذلك لسببين جوهريين ..

  • الاول إن الثورة بالطبيعة عمل شعبى وتقدمى؛ إنها حركة شعب بأسره يستجمع قواه ليقوم باقتحام عنيد لكل العوائق والموانع التى تعترض طريق حياته كما يتصورها، وكما يريدها؛ كما أنها قفزة عبر مسافة التخلف الاقتصادى والاجتماعى؛ تعويضاً لما فات، ووصولاً إلى الآمال الكبرى؛ التى تبدو خلال المثل الأعلى لما يريده للأجيال القادمة منه. و وبدون شعبية العمل الثوري تفقد الثورة معناها وهدفها التي قامت من اجله .. مما يجعل من الشعب القاعدة التي سوف تقوم على اكتافها صناعة المستقبل
  • والثاني : ان التحدي الاكبر لنجاح الثورة السياسية ، هو الثورة الاجتماعية لان ما عانت منه مصر من الفساد فى التركيبة الاجتماعية، جعل المجتمع عاجزاً عن إقامة قاعدة إنتاجية صلبة تفى بالاحتياجات الأساسية للمواطنين، وغير قادر على إفراز نخبة سياسية تدرك حقيقة عملية التحرر. ومن هنا كان ما تفرزه هذه الثــورة من صــراع اقتضى فى تقديــر عبد الناصر العمل على تحقيق الوحدة الوطنية، حتى يتحقق النظام الذى يبدد الفوضى، والاتحاد الذى يقضى على الخلاف، والعمل الذى يزيل الخنوع والتكاسل، ومن هنا كان الشعار الذى اختارته الثورة لنفسها ” الاتحاد والنظام والعمل “. وبعبارة أخرى فإن الثورة أخذت بمفهوم شامل للتنمية، يربط بين عملية التحرر وإعادة بناء المجتمع والدولة والفرد، وبين عملية التنمية.

و صاغ  الزعيم في الباب الخامس تحت عنوان: عن الديمقراطية السليمة جزء من رؤيته للتغير الثوري في البنية المجتمعية وثقافتها المتوارثة ومواجهة تحدياتها بداية بتغيير شامل للمفاهيم التي توجه العامه وتقيد حركتهم داخل صناديق مغلقة .. طرح الزعيم في سطور هذا الباب ابعاد الديمقراطية و كونها اكبر من وسيلة للمشاركة السياسية التي تفقد معناها في حالة التبعية الاقتصادية .هي اكبر من حق التصويت والانتخاب والمشاركة السياسية لأن حرية التصويت من غير حرية لقمة العيش وضمانها فقدت كل قيمة فيها، وأصبحت خديعة مضللة للشعب. فالديمقراطية هى توكيد السيادة للشعب، ووضع السلطة كلها فى يده، وتكريسها لتحقيق أهدافه؛ ولا تنفصل في ذلك السيادة السياسية  للشعب عن السيادة الاقتصادية وسيطرته على عجلة الانتاج التي تضمن الاستقلال الفعلي فرديا وجمعيا .

4.      المواجهة الثقافية للفكر الرجعي هي قاعدة التحولات الاجتماعية

والثورة العربية وهى تواجه هذا العالم لابد لها أن تواجهه بفكر جديد لا يحبس نفسه فى نظريات مغلقة؛ يقيد بها طاقته، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعزل عن التجارب الغنية التى حصلت عليها الشعوب المناضلة بكفاحها. إن هذه القيادات الشعبية مطالبة الآن أن تتأمل تاريخها، وأن تنظر إلى واقع عالمها، ثم تقدم على صنع مستقبلها واقفة فى ثبات على أرضها.

حيث تعد مواجهة الثقافة السائدة في المجتمع – التي تكرس التمسك بالحلول التقليدية المتوارثة او اللجوء الى النظريات الجاهزة – واحدة من اقوى اسلحة التجربة الناصرية .. وتعبر لغة الخطاب عموما عند الزعيم – وعلى قمتها الميثاق – عن ايمانه باهمية التغيير الثقافي الجذري لدى جموع المصريين وان هذا التغيير هو المعبر نحو مجتمع واع بظروف واقعه متطلع لمواجهة تحدياته .. ويهدف الميثاق في حد ذاته الى زرع قيم ثقافية جديدة  في الفكر الجمعي تكون هي التربة الخصبة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المنشودة .. ويميز الميثاق عن ما سبقه من خطاب سياسي انه  يأتي في اوج النضج الفكري للتجربة حيث اتضحت فيه ملامح المنهج وتبلورت ايديولوجيا الاشتراكية العربية كفلسفة اجتماعية اقتصادية سياسية اصبحت هي القائد والضامن لتحقيق اهداف الثورة .. ويوضح الزعيم في الباب السادس من الميثاق – في حتمية الاشتراكية –: إن الحرية الاجتماعية طريقها الاشتراكية. إن الحرية الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا بفرصة مكافئة أمام كل مواطن فى نصيب عادل من الثروة الوطنية. فهو يعبر باستمرار عن مفهومه للتطبيق العربي للاشتراكية وعن كونها توجه فكري نابع من ظروف الواقع يهدف الى : تذويب الفوارق بين الطبقات، وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية بتأكيد سيادة تحالف قوى الشعب العاملة، والعدالة التوزيعية، والتخطيط القومى الشامل. وفي هذا الموطن وغيره يتجلى حرصه الشديد على زرع الفكره في صدور المواطنين ، وذلك سعيا وراء المشاركة الواعية الفعالة والتأسيس لجيل من المؤمنين بالفكره والذي من المفترض ان يحرص على  استدامتها واستمراريتها..

5.      توزيع الادوار والمسؤليات

“إن الجزء الأكبر من الخطة نتيجة لذلك كله يجب أن يقع على القطاع العام الذى يملكه الشعب بمجموعه. إن ذلك ليس ضماناً لحسن سير عملية الإنتاج فى طريقها المحدد من أجل الكفاية؛ وإنما هو فى ذات الوقت تحقيق للعدل باعتبار أن هذا القطاع العام ملك للشعب بمجموعه.و الأهمية الكبرى المعلقة على دور القطاع العام لا يمكن أن تلغى وجود القطاع الخاص. إن القطاع الخاص له دوره الفعال فى خطة التنمية من أجل التقدم، ولابد له من الحماية التى تكفل له أداء دوره، والقطاع الخاص الآن مطالب بأن يجدد نفسه، وبأن يشق لعمله طريقاً من الجهد الخلاق، لا يعتمد – كما كان فى الماضى- على الاستغلال الطفيلى. “

من ابرز ملامح المنهجية الفكرية لخطة التنمية المصرية في الستينات رسم الحدود الواضحة للادوار والمسؤليات .. والتحديد الواضح لـ دور المؤسسات الرسمية في مقابل المسؤلية الفردية ودور كل من القطاع العام والخاص في تنفيذ خطة التنمية   ..و انطلاقا من المبادئ  الاساسية للاشتراكية التي نادت بسيطرة الشعب على وسائل الانتاج والتى تعنى أن المجتمع فى مجموعه يملك وسائل الإنتاج،  وأن المجتمع قد ملك الفرصة لكى يخطط لعمليات الإنتاج ولكى يضعها تحت رقابته. وإذا كانت الملكية العامة لوسائل الإنتاج هى الصورة الأساسية للملكية فى المجتمع الاشتراكى الناصرى من خلال إقامة قطاع عام يشمل أكثر من 80% من أدوات الإنتاج فى الصناعة، وكل الهياكل الرئيسية للإنتاج. وفى نفس الوقت يترك الفرصة متاحة أمام القطاع الخاص ليمارس دوره فى التنمية وسط ظروف لا تسمح بالاستغلال،  مع التأكيد المستمر على أن يبقى نشاطه تحت سيطرة القطاع العام المملوك للشعب، وأن يعمل فى ظله وبتوجيه منه، ومع الحذر من احتمالات نموه الاحتكارى واحتمالات تلاعبه واحتمالات انحرافه ومع اشتراط عدم الاستغلال. ومع فتح الباب بقوة لكلا من القطاع العام والخاص للممارسة ادوارهما في دفع عجلة التنمية كانت ضرورة وجود قيادة اقتصادية “تنظم وتنسق النشاط فى الميادين المختلفة العامة والخاصة. القيادة الاقتصادية هذه يلزم أن تكون موجودة للدولة التى هى لها الولاية، والتى تحمى كل طبقة من الأخرى، وكل صاحب مصلحة من صاحب المصلحة الأخرى، والحكومة هى التى تجعل التوافق كاملاً بين جميع المصالح، وبين جميع الطبقات فى نفس الوقت[3]

6.      الاعتماد على المناهج العلمية في التخطيط

إن العلم هو السلاح الحقيقى للإرادة الثورية، ومن هنا الدور العظيم الذى لابد للجامعات ولمراكز العلم على مستوياتها المختلفة أن تقوم به. إن الشعب هو قائد الثورة، والعلم هو السلاح الذى يحقق النصر الثورى، والعلم وحده هو الذى يجعل التجربة والخطأ فى العمل الوطنى تقدماً مأمون العواقب، وبدون العلم فإن التجربة والخطأ تصبح نزعات اعتباطية قد تصيب مرة، لكنها تخطئ عشرات المرات. إن مسئولية الجامعات ومعاهد البحث العلمى فى صنع المستقبل لا تقل عن مسئولية السلطات الشعبية المختلفة، إن السلطات الشعبية بدون العلم قد تستطيع أن تثير حماسة الجماهير، لكنها بالعلم وحده تقدر على العمل تحقيقاً لمطالب الجماهير، ومن هذا التصور فإن الجامعات ليست أبراجاً عاجية ولكنها طلائع متقدمة تستكشف للشعب طريق الحياة، إن قدرتنا على التمكن من فروع العلم المختلفة هى الطريق الوحيد أمامنا لتعويض التخلف، بل إن النضال الوطنى إذا ما اعتمد على العلم المتقدم يستطيع أن يمنح نفسه فرصة أعظم للانطلاق تجعل التخلف السابق ميزة أمام ما سوف يحققه التقدم الجديد.

كان استخدام مصطلح التخطيط العلمي يعبر عن عمق الايمان بأهمية الاستعانه بكل بوسائل العلم الحديث في وضع خطط التنمية الشاملة في مصر، و الوعي بذلك البعد في مفهوم التخطيط كان واضحا منذ اليوم الاول للثورة ،حيث  يتجلى في كثير من الاجراءات التي اتخذت حتى قبل اعلان الميثاق مثل  تخصيص نسبة مئوية من نفقات المشروعات القومية للأبحاث والدراسات، و إنشاء عدد من المؤسسات المنوطة بالبحث العلمي وتوفير المعلومات والدراسات المعاونة للمؤسسات التخطيطية كان اهمها  :

  • المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى ( أكتوبر 1952)  : يقوم بتقديم مساعدات فنية للشركات والأفراد، وتزويدهم بالمعلومات المستخلصة من البحوث التى يجريها،.. وقد تمكن المجلس من إجراء عدد من الدراسات الهامة، شملت: مشروع حصر وتقويم الاحتياجات والموارد الصناعية، أبحاث الهيئة الدائمة لاستصلاح الأراضى ،وابحاث تطبيقية عن  صناعة السيارات ،  صوامع الغلال ، المقننات المائية ، الصرف والمياه الجوفية ، والترسانة البحرية، وصناعة الورق. بالاضافة الى وضع مشروع لكهربة القطر المصرى خلال عشرين عاماً،
  • لجنة التخطيط القومى (مارس 1955):: التي نظمت سلسلة من المحاضرات ، ضمت سبعين رسالة فى التخطيط القومى موجهة إلى المهتمين بمختلف جوانب التنمية. ودعت اللجنة عدداً من الخبراء العالميين فى مختلف المجالات، وكان من بين من قدموا بعض أصحاب المدارس الفكرية المتقدمة فى مجال التخطيط؛ نخص بالذكر منهم النرويجى ” راجنر فريش ” الذى ابتدع أساليب فى البرمجة الخطية لدراسة المشروعات، واختبار اتساق الخطط التفصيلية، والهولندى “جان تنبرجن” الذى قاد المدرسة الهولندية فى التخطيط، وكلاهما اقتسم مع الآخر جائزة نوبل فى التخطيط عن أعمال كان من بينها ما أعداه فى لجنة التخطيط المصرية، بل إن أحد النماذج التى صاغها ” فريش ” والتى كانت تتطلب استخدام الحاسبات الإليكترونية، وكانت ما زالت فى بداياتها الأولى، عرف باسم ” نموذج القاهرة لقنوات الاستثمار ” Cairo Channel Model. وقد كان للقائه بالرئيس عبد الناصر أكبر الأثر فى تحمسه للعمل مع الجهاز المصرى، الذى تشكل فيه أول فريق لأساليب البرمجة وبحوث العمليات، وقد عبر عن تقديره لشخصية الرئيس بنشر دراسة بعنوان ” كيف نخطط ” How to Plan، أسسها على أفكار استلهمها من هذا اللقاء.كذلك عملت اللجنة على إيفاد العاملين فيها للتدريب والإطلاع على أنظمة العمل فى أجهزة التخطيط فى مختلف بقاع العالم.
  • تحويل مصلحة الإحصاء والتعداد إلى وكالة وزارة لشئون الإحصاء (1957 ) كهيئة فنية تقرر الإحصاءات ، ولبيان التطورات الاجتماعية والاقتصادية وقياسها، وتحديد مواعيدها، وطرق إجرائها، ونشر نتائجها، وتعيين الجهات والأجهزة التى تقوم بعمل هذه الإحصاءات والتعدادات بما يحقق التنسيق الكامل بين العمليات والأجهزة الإحصائية ويرفع من دقتها، وحصر العمل فيها منعاً لتشتت الجهود.
  • انشاء اللجنة الفنية الداعمة للتخطيط (1958): تكونت من 64 لجنة مشتركة من جهاز التخطيط، والوزارات والهيئات، والمؤسسات العامة؛ لتقوم بتقديم جميع البيانات التى تطلبها لجنة التخطيط القومى عن الأعمال والمشروعات التى تمت، أو جارى تنفيذها، أو مقترحة للمستقبل. وفى 7/2/1959 صدر قرار جمهورى آخر رقم 262 لسنة 1959 بإنشاء مكاتب للتخطيط فى الوزارات والمؤسسات العامة، تعاون جهاز التخطيط القومى فى الحصول على المعلومات والتقارير اللازمة، وإجراء الدراسات والتحليلات المطلوبة،.
  • انشاء معهد التخطيط القومى(1960 ) : حرصاً على رفع كفاءة العمل والعاملين فى مختلف مستويات التخطيط والذى يعتبر أول مؤسسة من نوعها فى القارة الأفريقية والوطن العربى، ليتولى التدريب لكل المستويات وإجراء البحوث والدراسات.[2]

آليات  التخطيط العمراني الشامل في تجربة تنمية مصر في الستينات

إن العمل الوطنى المنظم القائم على التخطيط العلمى هو طريق الغد، إن العمل الوطنى على أساس الخطة لابد أن يكون محدداً أمام أجهزة الإنتاج على جميع مستوياتها، بل إن مسؤولية كل فرد فى هذا العمل يجب أن تكون واضحة أمامه حتى يستطيع أن يعرف فى أى وقت من الأوقات مكانه فى العمل الوطنى، إن ذلك يقتضى أن تتحول الخطة الشاملة فى أهدافها الاقتصادية والاجتماعية إلى برامج تفصيلية تكون فى متناول يد أجهزة الإنتاج، إن ذلك يقتضى ربط الإنتاج كماً ونوعاً بحدود زمنية تلتزم بها القوى المنتجة على أن تتم العملية كلها فى إطار الاستثمارات المخصصة.

صحيح ان تلك التجربة الرائدة لتنمية مصر  لم تبدأ بخطة شاملة ولكنها بدأت برؤية واضحة واهداف ثابتة لم تتغير على مدار سنواتها.. مرت خلالها بمراحل من التطور والنضج اتسمت  بالثبات في الاسس والمقومات مع التغير في الممارسات طبقا لتحديات الواقع ومتغيراته ..  واذا كان مفهوم التخطيط واهدافه من ثوابت تجربة التنمية الا ان وسائلة وآلياته تغيرت عبر تاريخها .. ولا يمكن تجاهل العقد السابق للميثاق وما تم اتخاذه خلاله من اجراءات عبرت في الحقيقة عن مراحل تطور ونضج الفكر التخطيطي ومهدت لوضع الخطة القومية التنموية . وفي دراسة بعنوان مقومات التنمية فى المشروع الناصرى يرصد  د محمد محمود الامام مراحل تطور التخطيط في تجربة مصر قائلا :  تشير متابعة التطور الذى تعرضت له التجربة إلى أن الثورة خاضت فى واقع الأمر معركتين: إحداهما معركة التنمية ذاتها، والأخرى معركة صياغة النموذج التنموى الذى تواجه به الفكر السائد عالمياً ومحلياً، ولم يكن من السهل عليها أن تنجح فى المعركتين دون وضوح فى المنطلقات التى اعتمدتها للتنمية، والتى كان لها الفضل فى تطوير النموذج التنموى الذى تعرض للتغير فى الفكر الذى بدأ ينضج فى العالم الثالث، ويؤثر فى النظام العالمى.

وإذا كانت الثورة وجهت جهودها منذ اليوم الأول نحو تنمية تقوم وفق النموذج السائد فى تلك الفترة، فإن عام 1955 يشكل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة متميزة، بينما شهد النصف الأول للستينات تحولاً انتقل بالتجربة إلى الإطار الاشتراكى، لتعقب ذلك فترة مراجعة تدخلت فيها آثار حرب 1967، لتختبر مدى صلابة البنيان الذى استغرق تشييده خمسة عشر عاماً. و هذه المراحل هي:

 اولا : مرحلة التخطيط الجزئى 1952 – 1954:

تحددت مهام المرحلة الأولى بمهمتين رئيسيتين: الأولى هى إعادة تنظيم المجتمع وفق الشعارات التى تبنتها الثورة: الاتحاد والنظام والعمل، أما المهمة الثانية فهى خلق المناخ الصالح للنهوض باقتصاد البلاد مع كفالة العدالة الاجتماعية، ، وتحدد دور الدولة فى هذا الإطار فى توسيع قاعدة كل من الخدمات والإنتاج، وتدبير ما كان القطاع الخاص عاجزاً عن تدبيره من أساسيات للحياة ودعامات للاقتصاد، مع تهيئة المناخ اللازم لتوليه النشاط الاقتصادى فى غير احتكار، أو سيطرة تتنافى مع متطلبات الحياة الاجتماعية.

  • انشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى  ( أكتوبر 1952) : كهيئة مستقلة أوكلت لها مهمة القيام بالدراسات اللازمة خلال عاماً واحداً لوضع ” برنامج اقتصادى للتنمية ” يُتوخى فيه تقديم المشروعات الأكثر إنتاجاً، والأيسر تنفيذاً، والأقل كلفة، مع مراعاة أهميتها للاقتصاد القومى، ومع ملاحظة إمكان تنفيذها على مراحل سنوية أقصاها ثلاث سنوات، ويشرف المجلس على تنفيذ المشروعات والبرامج التى يقدمها ، وحُررت إجراءاته من القواعد الروتينية، وسُمح له بالتصرف والتنفيذ وفقاً لقواعد خاصة تقرها الدولة..وقد قام المجلس بدور هام فى مختلف مشروعات التنمية الاقتصادية التى تمت خلال السنوات الخمس الأولى للثورة فى مجالات الرى، والتوسع الزراعى، وتكرير البترول، وأنابيب البترول، وتنمية الثروة المعدنية، والمواصلات. وكان من أهم المشروعات التى درسها المجلس مشروع السد العالى، ويرجع إليه الفضل فى وضع مشروعات الحديد والصلب، والشركة المصرية المساهمة لمهمات السكك الحديدية، ومصنع السماد (شركة الصناعات الكيمائية المصرية)، وكهربة خزان أسوان، وتشجيع إنشاء شركات لصناعة الأسمنت من جلخ الحديد (الشركة القومية لإنتاج الأسمنت)، والكابلات (شركة الكابلات الكهربائية المصرية)، والورق، وثلاث شركات للبطاريات، والإطارات، والجوت، ومنتجات الخزف والصينى (الشركة العامة لمنتجات الخزف والصينى) وغيرها.
  • تشكيل الأداة اللازمة للتخطيط والتنسيق( ديسمبر 1952 ): : بالإضافة إلى إقامة مجلس الإنتاج ليعنى بأمور كانت تعتبر خارج نطاق الاهتمام التقليدى للدولة، أنشئت مجالس ولجان مشتركة لمعالجة التداخل القائم بين المشروعات المتعددة الجوانب، غير أنه سرعان ما كثر عددها وتضاربت اختصاصاتها دون أن تعالج المسألة علاجاً حاسماً، كما أن امتداد فترات تنفيذ المشروعات لفترات طويلة عرَّضها إلى تعديلات مرتجلة خلال محاولات تحقيق التوازن السنوى للميزانية العامة، الأمر الذى دعا إلى تكليف الأجهزة المختلفة بوضع برامج خمسية للأنشطة التى تشرف عليها، وحتى لا تأتى المشروعات مرتجلة ولا متعارضة تقرر تشكيل أداة للتخطيط والتنسيق؛ لتفادى الإسراف فى الإنفاق، وتوفير الجهد والمال ولتعظيم العائد. ، وحددت مهام هذه الأداة بدراسة المشروعات التى تقدم إليها وتدقيق بياناتها، واقتراح مشروعات جديدة، ووضع خطط لتنفيذها، والتنسيق فيما بينها، ومتابعة تنفيذ المشروعات، واقتراح ما يلزم لها من تعديلات.
  • إنشاء المجلس الدائم للخدمات العامة (اكتوبر1953): كهيئة مستقلة ليرعى ويشرف على النهوض الاجتماعى فى اتجاهاته المختلفة ويـربــط بينها – باعتبارها وسيلة وغاية – وبين برامج التنمية الاقتصادية، وتقرر أن يتولى بحث السياسة العامة، ووضع الخطط الرئيسية للتعليم، والصحة، والعمران والشئون الاجتماعية، مع مراعاة التنسيق بينها وربطها معاً بما يحقق النهوض الاجتماعى. ويقوم بإجراء دراسات وبحوث معينة، ثم يقوم بتقدير القيمة الحقيقية للخدمات التى تقدمها الدولة إلى المواطنين فى المجالات المشار إليها، ويبين الوسائل التى تؤدى إلى الوصول بتلك الخدمات إلى الحد الأعلى من الكفاءة والنجاح عن طريق رفع مستوى الإعداد الفنى للمشتغلين بها، أو تنظيم الإدارات المختصة والهيئات الأهلية فى الجهود التى تبذل لرفع المستوى الاجتماعى عامة.

ثانيا :  التوجه نحو التخطيط الشامل 1955-1960:

تحملت الدولة في تلك المرحلة مسئولية التنمية الشاملة بداية من إعادة تنظيم للمجتمع، وإنشاء الآليات اللازمة للتخطيط الشامل وتفعيلها ؛ سواء فى مجالات الإنتاج أو الخدمات، واتباع السياسات اللازمة لحفز الاستثمار المحلى والأجنبى على التوجه نحو دعم قدرات الاقتصاد القومى، فضلاً عن انشاء جهاز قادر على صياغة سياسة عامة، اجتماعية واقتصادية، للدولة حرصاً على تحقيق أكبر قدر من التناسق، وتفادى السلبيات التى تترتب على الإجراءات الاعتباطية والمتضاربة. وشهد عام 1955 وما تلاه قدراً كبيراً من الإجراءات والتحولات التى مهدت للانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النهضة الوطنية.

  • إنشاء لجنة التخطيط القومى (مارس 1955): لتتولى وضع خطة قومية شاملة للنهوض الاقتصادى والاجتماعى تنفذ فى أمد محدود، تتضمن أهدافاً رئيسية وتوجه نحو الوصول إليها جميع الجهود القومية، حكومية وغير حكومية، وذلك فى برامج ومشروعات منسقة مدروسة، وتحدد الأهداف الرئيسية للخطة القومية، والمدة اللازمة للوصول إليها على أساس الطاقة المالية، والخبرة الفنية، واليد العاملة، وإمكانية التنفيذ والنجاح، وذلك مع مراعاة مقتضيات أمن الدولة وسلامتها فى الداخل والخارج.
  • البرامج القطاعية : قيام بعض الوزارات بالتخطيط القطاعي وهو الامر الذي مهد لانشاء وزارة مستقلة للصناعة في يوليو 1956 إنشاء وزارة مستقلة للصناعة – بعد أن كانت جزءاً من وزارة التجارة – وعهد إليها بوضع برنامج خمسى للتنمية الصناعية، أطلق عليه اسم مشروع السنوات الخمس واهتم البرنامج برفع مستوى الكفاية الإنتاجية، وتنظيم الصناعة بشكل يضمن عدم تعارض المشروعات، ويحقق لها النمو بشكل لا يعرقل نمو مشروعات أخرى،. كما تناول البرنامج تعزيز الأبحاث الخاصة بتشجيع الصناعة وتقديم المعونات الممكنة وتوفير المواد الأولية لها، وأنشئ مجلس استشارى للصناعة من وكلاء الوزارات المختصة بالتنمية، واتحاد الصناعات، ورجال الاقتصاد والصناعة، كما أنشئت مجالس إقليمية تزود وزارة الصناعة بمقترحاتها عن النهوض بالصناعة فى الأقاليم.. خطة التصنيع تلك بدات بتكلفة 127.4 مليون جنيه، وينفذ على ثلاث مراحل سنوية، ثم تقرر بعد مراجعته رفع تكلفته إلى حوالى 250.4 مليون جنيه، ويكون من نتيجته زيادة نصيب الصناعة فى الدخل القومى من 11 % إلى 19 %، ويتم تنفيذه على خمس مراحل،. والتي قد تكلفتها فيما بعد إلى 330 مليون جنيه لإنجاز 502 مشروعاً ، وتم خلال سنتين إنشاء 105 مشروعاً بتكلفة 88.5 مليون جنيه،

ثالثا :  التخطيط الاشتراكي الشامل .. الخطة الخمسية الاولى – الثانية 1960-1970 :

وهي المرحلة التي بدأت بوضع اول خطة قومية متكاملة للتنمية الشاملة  ، أعدت ضمن منظور بعيد المدى لمضاعفة الدخل القومي  وتحقيق الاستقلال الاقتصادي التام خلال عشر سنوات. شكلت الخطة الخمسية الاولى 1960-1965 مرحلتها الاولى  ، حيث حددت حق كل قطاع من قطاعات التنمية ومقرراته ومقدرات الاستثمارات فيه ضمن خطة عمل منفصلة .. وعلى الرغم من ان عصب الخطة ارتكز على مضاعفة الانتاج الا انها لم تغفل مجالات الخدمات و على رأسها تحقيق مجانية التعليم الذي  مثل للخطة افضل مجالات الاستثمار بعيد المدى ورفع كفاءة الخدمات الصحية وغيرها ، بالاضافة الى الاستثمارات الموجهة لرفع الاجور وتحسين احوال العمالة والتي كانت بالمقياس الاقتصادي المجرد مرتفعة نسبيا اذا قيست بالاستثمارات الموجهة لعملية الانتاج . وقد تضمنت الخطة مشروعات صناعية متنوعة تهدف الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الاستهلاكية و احلال الانتاج المحلي محل الواردات انشئ خلالها حوالي 800 مصنع  ادت الى زيادة الانتاج في الصناعة بمعدل 53.3% . والامر نفسه في كافة مجالات الانتاج حيث زاد الانتاج من الزراعة التي تم فيها  استصلاح 536351 فدان وزاد الانتاج الزراعي  بمقدار  18% ،وفي قطاع الكهرباء زاد الانتاج بنسبة  129% ،و التشييد بنسبة 97% و المواصلات 70 بنسبة %، والتجارة 17.6بنسبة % ، والاسكان 10 بنسبة % حيث تم بناء 222033 وحدة سكنية، و  المرافق بنسبة 20% والخدمات ( صحة وتعليم وخدمات ثقافية واجتماعية بنسبة 46%

Untitled-1

ان الخطة الاولى قد نجحت في وضع الاسس التي تجعل نمو الاقتصاد القومي يكفل تزايد الدخل بنسبة تفوق كثيرا نسبة السكان . فبينما زاد عدد السكان بنسبة 15%  في سنوات الخطة  زاد الدخل في الاسعار الثابتة بنسبة 37% ، و متوسط نصيب الفرد من السلع والخدمات قد زاد في نهاية الخطة عن بدايتها بحوالي 19% ومتوسط نصيب الاسرة من السلع والخدمات قد زاد بنسبة 21%.. واجمالا فان نسبة الزيادة الكلية في السنوات الخمس وصلت الى 37.1% بمعدل 7.5% سنويا وهو من اعلى معدلات نمو الدخل في العالم كله .. حيث بلغ معدل النمو في نفس الفترة في فرنسا مثلا 4.9 %، في انجلترا 2.5% ، و في الولايات المتحدة 2.9 %. والخطة الخمسية الاولى بذلك  ارست القاعدة الاقتصادية الصلبة ودفعت الاقتصاد القومي دفعة قوية في طريق النمو ، هذه الدفعة هي مرحلة الانطلاق الحتمية في اي عملية تنمية ، اذ سوف يفتح النمو من خلالها امكانيات اقوى واعم ، مما ادى الى زيادة الطاقات الانتاجية وتطوير الاقتصاد القومي بالاضافة الى الاستثمار بعيد المدى في رفع كفاءة الطاقات البشرية من خلال دعم مجالات التعليم والصحة[4] .. ولا يمكن النظر الى تلك الاجراءات والزيادات المضطردة في معدلات الانتاج بصورة منفصلة عن جوهر عملية التنمية وهي تحقيق الكفاية والعدل .. وهو الذي جعل من اقتران هذا النمو مع عدالة التوزيع امرا حتميا ، سواء في عدالة توزيع المشروعات التنموية في كافة محافظات مصر ، او عدالة توزيع ناتج تلك المشروعات والاجراءات التي اتخذت لجعل جموع الشعب شريكا اساسيا في عملية التنمية في كافة مراحلها : البناء ، الانتاج والربح ايضا ..

 لقد تحقق خلال سنوات الخطة الخمسية الاولى اطلاق القوى الجبارة لجموع الشعب المصري وطاقاتها الهائلة التي فجرتها ثورة يوليو ، ورعتها بالعناية والحرص وبقوة الدفع خلال سنوات ماقبل الخطة ، ومضت بها الى حياة جديدة هي حياة التخطيط الشامل والتنمية الشاملة التي تقوم على اسس اشتراكية وقواعد علمية وانسانية تقدر على مد المجتمع بجميع الامكانيات التي توفر له ان يصنع حياته من جديد بجدارة وفق خطة مرسومة ومدروسة ، وكان ذلك هو الطريق الوحيد لضمان استخدام جميع القوى والموارد الوطنية والمادية والطبيعية والبشرية باسلوب عملي وعلمي وانساني لكي يتحقق الخير لجموع الشعب وتتوفر لهم الحياة الفضلى .. وهو ما يثبت ان المفهوم الاشمل للتخطيط العمراني الذي قدمه الميثاق الوطني لم يكن مجرد اطار نظري للتجربة او وسيلة دعائية لاستقطاب مشاعر جموع الشعب  واغراقه بالاماني الزائفة .. انما كان خطة عمل فعلية استطاعت تجربة التنمية في ضوئه تحقيق ما وعدت به .. وبقدر ما تمثل رؤيته الشاملة للتنمية واولوياتها احد اهم عوامل قوته ، فإن كونه نابعا من الواقع ومخاطبا له هو سر اسرار فعاليته .. وان التطبيق  العملي له  المتمثل في الخطة الخمسية الاولى لا يزال- بعد مرور عقود – أول خطة تنمية شاملة تنبع من احتياجات جموع الشعب وتوجه لصالح رفاهيته معتمدة كلية على امكانياته وسواعده .


المراجع

[1] الميثاق الوطني

[2] مقومات التنمية فى المشروع الناصرى.. د محمد محمود الامام

[3] الإيديولوجية الناصرية:  منظور اجتماعى سياسى .. محمد السعيد ادريس

[4] سنوات التحول الاشتراكي وتقييم الخطة الخمسية الاولى .. على صبري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s