العشوائيــــات …

بين عشوائية “البشر” المجتمع .. وعشوائية “الحجر” العمران

بقلم .. محمد رشاد …

الشىء يعرف بضده .. فبدون إدراكنا للنظام كيف يتسنى لنا أن نعرف العشوائية؛ وبدون وجود العشوائية كيف لنا أن نجتهد لتحقيق النظام، وفى اعتقادي أن كلاهما يحتوي على الآخر بنسبة ما .. بمعنى أنه لا وجود لنظام مطلق أو عشوائية مطلقة!

 فكل نظام يحتوى على عشوائيته وكل عشوائية قطعًا بها نقطة نظام.

وفى مصر تحديدًا عادة ما تجتمع الأضداد، فالعشوائية بمعناها البسيط على مستوى المصطلح هى اللا نظام وبالتالى متضادة معه، ولكن فى مصر ربما تكون العشوائية سمة أصيلة من سمات النظام!

ولكن على مستوى العمارة والعمران .. هل الأمر نفسه يتكرر ؟!

أى عمران نقصد ؟ وأي عشوائية ؟

هل عشواية البشر أم عشوائية الحجر؟

هل عشوائية السلوكيات والأفكار أم عشوائية البناء والعمران؟

ماذا لو لم يكن على هذه الأرض هذا الكم الضخم من ما نطلق عليه “عشوائيات” أو العمران التلقائى أو عمران الأهالى أو عمران المجهودات الذاتية أو العمران غير الرسمى الذى يأوى ملايين البشر؟

أم كيف كان يتثنى لهؤلاء البشر أن يتأقلموا من منظور تطورى فى حالة رفع يد “الدولة” أو “النظام” عنهم وعن تسيير أمورهم؟ التى ليست عمرانية فقط كما نعرف !

ما الأسباب التى من أجلها وجدت العشوائيات؟ وماهو دور الدولة “النظام” فى خلق هذه الأسباب أو فى الحد منها ؟

وهل بهذا نستطيع أن نتحدث عن عبقرية العشوائيات؟

أم العشوائيات لا تزال مشكلة ونحتاج التعامل معها من منظور الحد منها أو حل قضيتها؟

من وجهة نظر سوسيولوجية بماذا تعود مصطلحات مثل الحد من العشوائيات أو القضاء على العشوائيات التي تصاحبها إجراءات على أرض الواقع مثل التهجير القسرى والإقصاء الإجتماعى والمكانى على وجدان الضمير الجمعي لسكان “العشوائيات”؟

هذا ما سوف نتناوله فى هذا المقال.

مفهوم العشوائيات :

الكتب والأبحاث تعج بالكثير من التعريفات ولكنى أريد هنا أن أفصل بين مستويين من التعريف، الحجـــر “عشوائيــة العمران” و البشــر “عشوائية المجتمع”

أولا : عشوائية العمران أو “التحضر العشوائى”.. الحجـــر

بحسب د: جليلة القاضي فى كتاب التحضر العشوائي: هي مناطق نشأت على تخوم المدن، غالبا فى أراض زراعية غير مسموح البناء عليها بدون تصريح أو تخطيط. متدنية المواصفات العمرانية والإنشائية والمعمارية والبيئية. شوارعها ضيقة لا تسمح بسيولة الحركة، كثافتها البنائية عالية تمنع الإضاءة والتهوية الطبيعية والعزل الصوتى . وبشكل عام هى جيدة وخربة ، جيدة كمبانى وخربة كطريقة إنشاء.. فقيرة كتصميم وكمظهر معمارى وفقيرة كخدمات ومرافق، ولا توازن بين ما هو مكشوف وما هو مبنى، ولا مكان لحديقة أو مساحة خضراء أو أماكن ترفيهية.

ثانيا: عشوائية المجتمع “عشوائية السلوكيات والأفكار”.. البشــر

كما الحال فى تعدد أنساق العمران الغير رسمى من مدن صفيح ومناطق غير آمنة وصولا إلى العمران الجيد الغير مخطط يوازى ذلك تعدد فى أنساق المجتمع ويوجد بينهم أيضا تفاوتات كبيرة كالموجودة بين أنساق العمران.

ولكن بنسبة كبيرة وخصوصا فى المناطق المتدهورة والتى فى الغالب تضم القطاع الأكبر من ساكنى العشوائيات، توجد شريحة كبيرة من البشر يفقتدون للوعى العام والوعى الإجتماعى وتدنى كبير فى مستويات التعليم وعدم رقابة على المؤسسات التعليمية المتهالكة بالأساس، وإنتشار سلوكيات “الفردة والإتاوة” فى ظل غياب الأمن وغيرها الكثير من السلوكيات التى لا يتسع المجال لذكرها بالكامل ولكن نأخذ منها على سبيل المثال

إقتصاديا : ملايين البشر تعيش على الكفاف حيث لا وجود للأمن المادى أو الوظيفى

فنيا وصناعيا وإنتاجيا : مع تخلى الدولة عن دورها فى دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر أدى ذلك إلى إختفاء الكثير من الصناعات المحلية والتراثية والحرف اليدوية وتدنى إنتاجية الموجود منها وقلة جودته، وإنتقال الشريحة الحرفية للتجارة وأنشطة خدمية مثل السواقة، تم ذلك بالتزامن مع التدمير الكامل للتعليم الفنى المهدور حقه تماما  فى مصر وعدم الإلمام بأهميته لنهضة المجتمعات.

بيئيا : بالتأكيد مع كل ما سبق لا يوجد وعى بيئى .. بل ويوجد عداء للبيئة من قتل للحيوانات وقطع للأشجار أو إهمالها وإهدار المياه والطاقة إن وجدت، وأدى ذلك إلى إنتشار الكثير من الأمراض .

سلوكيا : ظهور السلوكيات العدوانية تجاه الأخر والإحساس بالإقصاء الإجتماعى من ثم الإحساس بعدم الإنتماء وعدم الإهتمام بالشأن العام .

البداية ..

من أين بدأت قضية العشوائيات ؟ وكيف بدأت؟ يوجد العديد من الكتب والدراسات التى تتبع الخط الزمنى لتطور أو لتدهور الإسكان الغير الرسمى منها كتاب التحضر العشوائى، ولكى نفهم كيف بدأت سوف نتعرف أولا على مفهوم التخطيط الذى يعرفه المهندس الأسبانى Idelfenso Cerda على أنه مجموعة من العمليات التى تؤدى إلى تجميع ونظم المبانى وتنظيم وظائفها طبقا لمجموعة من المفاهيم والمبادىء والقوانين تنحو عن قهر الملكات الذهنية والفكرية والأخلاقية لأفراد المجتمع وتطمح إلى المساهمة فى نموها وتعظيم نوعية الحياة وسعادة الإنسان.

أعتقد ولو بشكل نظرى باتت بداية المشكلة واضحة .. ببساطة هذا لا يحدث ..

نحن لا ينقصنا التخطيط ولا الموارد ولكن تنقصنا الإرادة السياسية الراشدة والوعى المجتمعى، هذا التعريف بالأساس لا نستطيع تطبيقه إلا بوجود العوامل التى تنحو عن قهر الملكات الذهنية والفكرية والأخلاقية التى أفهمها بإنها بقية جوانب الحياة التى تعتمد على العمران ولا تتم إلا بوجوده، بقية إحتياجات أى إنسان التى سنتناولها بعد قليل فى هرم ماسلو.

 وبقية إحتياجات الإنسان هذه لا توجد إلا بتضافر عوامل أخرى مثل لا مركزية التنمية الإقتصادية والخدمات ولا مركزية الإدارة فى الدولة بشكل عام مع التوزيع الجيد لمناطق العمران مع جعلها جاذبة للسكان لا طاردة لهم، فبزوغ المشكلة لم يكن فقط بسبب سحب يد الدولة من توفير الإسكان المخطط ولكن سحب يد الدولة أيضا من توفير سبل العمل والصناعة الذى أدى إلى إنتشار الفقر والبطالة ومن ثم تدهور التعليم وفساد الأجهزة الإدارية والمحليات والأجهزة الرقابية، هذه الأسباب مجتمعة تصنع عشوائية الحجــــر (العمران الذى نشكله) التى تؤدى إلى عشوائية البشــــر (العمران الذى يشكلنا)  ومن هنا نستنتج أن الأسباب تبادلية بين  عشوائية الحجر والبشر.. وتستمر المعاناة.

عبقرية العشوائيات !

هل نسطيع أن نرى جانب مضىء فى قضيتنا؟ هل تتذكر السؤال الذى طرحناه فى البداية ..دعنى أذكرك به، ماذا لو لم يكن على هذه الأرض هذا الكم الضخم من ما نطلق عليه “عشوائيات” أو العمران التلقائى أو عمران الأهالى أو عمران المجهودات الذاتية أو العمران الغير رسمى الذى يأوى ملايين البشر؟ هل تستطيع أن تتخيل حجم الكارثة ؟

وهنا تكمن عبقرية العشوائيات التى تتلخص فى المبادرة والإصرار والتكافل الذى ينبثق عنها مصطلحات المجهودات الذاتية وبُنــى الأهالى بحسب الباحثة أمنية خليل فى “العمران موقف” والباحث يحيى شوكت فى “العدالة الإجتماعية والعمران”.

المبادرة التى آثرت الحركة على السكون وبإصرار على البقاء وبأقل القليل وبتكافل وتعاضد يشيدون مجتمعاتهم  فاقدين الأمل فى أى يد رسمية للمساعدة وإسقاط هذا الكيان المسمى بالدولة من حساباتهم،اللهم إلا من بعض منظمات المجتمع المدنى التى تساعدهم فى مد مرافق البنية التحتية.

العشوائيات.. سوسيولوجيا

لا أريد هنا أن أتناول العشوائيات من الوجهة السوسيولوجية ولكن أريد فقط أن اتخيل و أنا نشأت فى إحدى المناطق العشوائية الكبرى فى القاهرة ، أريد أن أتخيل وتتخيل معى بعد كل ما تكبده هؤلاء البشر من معاناة وجهد ومبادرة ويكون رد الفعل الرسمى والغير الرسمى تجاههم هو التجاهل والنفور والتهميش والإقصاء الإجتماعى والمكانى ليتم عزلهم معنويا رغم أنهم متصلون جغرافيا، وتخيل معى ما وقع مصطلحات مثل القضاء على العشوائيات ومكافحة العشوائيات وكأنها حشرات بتعبير أحد ساكنى منطقة إمبابة، فى فيديو بعنوان الصرف غير الصحى Unsanitary sanitation على قناة مدونة وزارة إسكان الظل – على موقع يوتيوب.

المميزات والعيوب :

المميزات .. نعم يوجد مميزات للعشوائيات ..

1- تنوع الفئات العمرية  والمهنية  و التعليمية  والفنية وخصوصا ميهن الإنشاءات  وتنوع الكفاءات و تنوع سبل العيش .

2- الثروة البشرية الهائلة التى إن وجهت وطورت بالشكل الصحيح ستفعل المستحيل حيث إنها تمتلك قدرات هائلة وخصوصا الشباب.

3- التكافل والتعاضد، رغم كا ما تعانيه العشوائيات وساكنيها إلا إنها لا زالت تمتلك بعض قيم القرية المصرية بطيبة المجتمع وقيمه الإنسانية الآخذه فى الإندثار

العيوب :

1 – تدنى مستوى الوعى العام والوعى الإجتماعى والتعليم العام والفنى والصناعى.

2 – الكثافة البنائية والسكانية المرتفعة جدا.

3 – لا تستطيع التفاعل مع متطلبات الحياة العصرية .

4 – تعجز عن تقديم الإحتياجات الأساسية.

5 – التشوه البصرى والفقر المعمارى والعمرانى.

6 –  إنتشار الأمراض الصحية والإجتماعية .

التحــديــات :

بالأساس وجدت العشوائيات لسد الفراغ الذى خلفته الدولة ليس عمرانيا فقط كما أوضحنا، ولكن فى كل نواحى الحياة وأهمها حق المواطن فى المدينة  و السكن و الطاقة و المياه و العمل، إلخ..  المتطلبات الأساسية لبقاء الإنسان.

هرم ماسلو لإحتياجات الإنسان

هرم ماسلو لإحتياجات الإنسان

من الشكل السابق يتضح لنا أن حاجات الإنسان الأساسية ربما لا تتواجد عند قطاع كبير من قاطنى الإسكان الغير الرسمى وإن وجدت لا تكون بكفاءة جيدة، فالهواء غير نظيف والماء غير نظيف البنية التحتية للصرف الصحى متهالكة فى معظم المناطق وبالأخص القديمة، الأمن الصحى والوظيفى تقريبا غير متوافرين، إلخ…

رؤية للتنمية والتطوير :

البشر قبل الحجر :                                                          

بعد أن أوضحنا مفهوم وواقع العشوئيات بإيجاز شديد، ننتهى من حيث بدأنا.. البشـــر .. أم الحجــــر، من واقع هرم ماسلو لإحتياجات الإنسان من الأساسيات “الإحتياجات الفسيولوجية” وصولا لتحقيق الذات ونجاح المجتمع بطبيعة الحال نرى أن التطوير وإن كان عمرانيا ومعماريا يبدأ أولا من عند البشر، “الوعـــى” بالتوازى بطبيعة الحال مع الحاجات الفسيولوجية المذكورة والتى لا تنفك توجد بغير مسكن وبيئة طبيعية ومحيط عمرانى، أعتقد أنه من هنا يجب أن نبدأ “إنسان” واعى ، ومسكن وحاجات أساسية

تثبت الدراسات والواقع أيضا أن أى حلول فوقية كالتهجير القسرى لمدن الأشباح أو نقل مجموعة ما من البشر لمحيط عمرانى غير متكيفين معه ، كل هذه الحلول وأى حلول فوقية ثبت  فشلها ، إعتادت الدولة على أنها تعامل المواطن على إنه شىء، دائما مفعول به، يُترك ، يُنقل ، يُهجر قسريا ، يُسجن ، يُخطط له دونما مشاركة ولا معرفة إحتياجات، المهم أنه غير مؤهل ولا يعرف ولا يستطيع بإختصار تتبنى الدولة رؤية “المواطن العــالة” وهذا ثبت فشله حت وإن كان المواطن لأسباب كثيرة لا يمتلك الوعى الكافى فالأولى أن يتم توعيته أولا ثم أخذ رأيه ومشاركته فى عملية التخطيط والتنمية

2

تجربــــــة :

عن أهمية التخطيط بالمشاركة :

مرة من المرات القليلة التى ذهبت فيها لمدينة السدس من أكتوبر مررت بالحى السادس وعلى حسب معلوماتى أنه مخصص لنقل السكان اللذين تهدمت منازلهم أو يعيشون فى منازل غير أمنية فى المناطق الجبلية كالدويقة، وكان مما رأيت أن السكان الجدد للمكان المخطط ولكن ليس بمشاركتهم.. قاموا بعمل “عشش” فى المناطق الخضراء التى تتوسط العمارات لتربية الدواجن والماشية كنشاط يومى إقتصادى لسكان هذه المناطق وتم إزالة المناطق الخضراء بالكامل .

عن قتل الحرف والصناعات الصغيرة :

كنت أعمل وأنا فى الحادية عشر من عمرى فى ورشة لخراطة النحاس كان ذلك فى سنة 98 ، وفى سنة 2002 قفز سعر النحاس المصبوب من 15 جنيه للكيلو إلى 35 جنيه للكيلو مع عدم إستطاعة الورش رفع سعر منتاجتهم بنفس القيمة مما أدى بمعظم أصحاب الورش لغلقها وعمل أنشطة جديدة كالمقاهى الشعبية ومحلات البلايستيشن التى كانت منتشرة وقتها، وضاع حلمى بتأسيس ورشة فى يوم من الأيام.

عن أهمية التعليم الفنى :

قرأت فى جريدة الأهرام منذ زمن مقال عن التعليم الفنى كان يذكر فيه أن فى ألمانيا طلبة التعليم الفنى هم من صنعوا المرسيدس، وكان هناك مشروع ألمانى مصرى لتطوير التعليم الفنى المصرى وكان بدايته مدرسة مبارك كول ولأسباب فساد عدة توقف المشروع ونُهبت أمواله أنجازه الوحيد المدرسة المذكورة ولا أعرف مصيرها الآن . أنا كنت طالب تعليم فنى ، وفيما كان يتطور العالم من حولنا تكنولوجيا وصناعيا كانت ورش المدرسة مغلقة لإن ما بها من معدات “عهدة“.. مثلا وليس حصرا كنا ندرس فى مادة المساحة آلة للقياس إسمها الجنزير كانت تستخدم قديما فيما كان جهاز التوديوليت الحديث نسبيا قابع فى معمل المدرسة “بكرتونته” . وغيرها الكثير مما لا يتسع المقال لذكره

المراجــــــع

  • العدالة الإجتماعية والعمران  الباحث يحى شوكت ومجموعة باحثين
  • التحضر العشوائى              دكتور : جليلة القاضى
  • الأبعاد الاجتماعية السياسية في التطوير الحضري لأحياء الفقراء،  جهاد صالح عبد اللطيف
  • مقالات الباحثة أمنية خليل على موقع السفير العربى
  • إصدار الإسكان ، مكتبة الأهرام للبحث العلمى 2012
  • إصدار العشوائيات، مكتبة الأهرام للبحث العلم 2012

محمد رشاد محمد

معمارى تخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية

مهتم بالتنمية البيئية  والعمرانية وفلسفة العمارة والعمران

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s