العشوائية اسلوب حياه

بقلم .. شرين محمد رشدي …

اذا تجولنا بين احياء القاهرة,وتنقلنا بين حواريها وتأملنا مبانيها , فان اول انطباع ياتي في الاذهان هو اننا نعيش داخل كيان عشوائي يتخلله بعض المناطق الحضرية .

فكل منطقة تم تخطيطها عمرانيا تقابلها منطقة آخرى امتدت تلقائيا بدون تخطيط مسبق لها مثل ( مدينة نصر – منشأة ناصر والدويقة , مصر الجديدة – المطرية وعزبة النخل , المهندسين – بولاق , المعادي ….الخ )

صور توضيحية لبعض احياء القاهرة

صور توضيحية لبعض احياء القاهرة

بالرغم ان القاهرة كانت أحد العواصم التي تنافس العواصم الاوروبية في حضارتها ومعمارها وفي ثقافتها في بداية القرن العشرين. ومع مرور الوقت وفي نهاية القرن العشرين تغيرت ملامحها وأنماطها وأصبحت عاصمة متكدسة عمرانيا. فلماذا تحولت من عاصمة حضرية الي عاصمة متدهورة عمرانية؟؟

دعونا نقرأ هذا الوضع لعلنا ندرك ابعاده واسبابه …..ولماذا تحولت القاهرة من مدينة تنافس العواصم العالمية الي مدينة تفشت بها العشوائيات؟؟؟؟

فمنذ تولي محمد علي باشا انشأ بما يسمى بهيئة التنظيم لإشراف علي المباني ولتنفيذ لوائح البلدية وبحيث يقوم مفتشوا المباني بتطبيق لوائح المباني والعمارة علي مشروعات التنمية العمرانية,ثم توالت مشاريع التنمية علي خطى محمد علي باشا إلي أن جاء الخديوي اسماعيل حيث انشأ مدينة حديثة تشبه مدينة باريس, وانشأ وزارة النضارة وعين علي باشا مبارك وزيرا للاشغال العمومية والتي اصبحت فيما بعد اداة لتنسيق السياسة الحضرية .

ثم استمرت المشروعات العمرانية والمعمارية بالتقدم وظهرت العديد من الاحياء الجديدة التي تتميز بطابعها المعماري المتميز مثل ( جاردن سيتي – مصر الجديدة – المعادي – الزمالك), وحتى المدينة القديمة التي اهملت من قبل الدولة وقت ذاك كانت تمتاز بطابعها المتميز وبزخارفها التي تميزها عن غيرها وبالرغم انها امتدت تلقائيا بدون تخطيط مسبق الا انها كانت تمتاز بجمال طابعها وتنسيقها المعماري الذي يميزها عن غيرها.

وبالرغم من قيام ثورة يوليو الا ان القاهرة استمرت تنمو عمرانيا فقد اصدر جمال عده قوانين لتنسيق عمليات البناء, بعتيارها هي العاصمة القومية للوطن العربي, فتحملت الدولة علي عاتقها كثير من مشروعات التنمية بالاضافة الي الحروب التي عملت استنزاف ميزانية الدولة , ومع ارتفاع معدلات الهجرة الي القاهرة بسبب المشروعات التنمية الصناعية , فظهرت العديد من المساكن علي الظهير الزراعي للقاهرة التي نمت بدون تخطيط مسبق لها..

وبعد حرب اكتوبر تغير المجتمع وتغيرت متطلباته وتركيبته السكانية بصورة متسارعة , فقد فتحت ابواب الهجرة الي الدول النفطية وتسارعت معدلاتها , وايضا ارتفعت معدلات الهجرة الريفية الي القاهرة, فزدادت معدلات النمو السكاني في القاهرة ,وانتشرت الحولات من المهاجرين الي الدول النفطية الي ذويهم ويتالي رتفعت طبقات مجتمعية (طبقة العمال والفلاحين) وانضمت الي طبقات اعلي منها , وبتالي تغيرت التركيبة السكانية للمصريين.

ومع ارتفاع رؤوس اموال العديد من الافراد ومنهم طبقة العمال والفلاحين فعمل العديد منهم بمجال المقاولات وفتحوا العديد من المحلات التجارية الصغيرة , فالسوق مفتوح الآن للجميع بفعل سياسة الانفتاح , فزاد الوافدين الي القاهرة ,وبرغم من ارتفاع سعر الوحدات السكنية الا انهم وجدوا في الظهير الزراعي بيئة مناسبة للاستيطان,

وايضا انخفضت اسعار السلع الترفهية كتلفاز والطبق الستالايت واصبحت هذه المنتجات في متناول الجميع وبتالي ازدهرت الشركات التجارية خصوصا انها وجدت في مصر بيئة خصبة لاستهلاك منتجاتها..فاصبحنا مجتمع مستهلك اكثر ماهو منتج, وفي ظل هذه المغريات وجد المواطن المصري دخله اقل بكثير من طموحاته فانتشهر فساد في عده هيئات ومنها المحليات, خصوصا ان هناك العديد من الثغرات في قانون المصري التي تساعد ضعاف النفوس  في استغلالها.

فانعكست هذه الاوضاع علي شكل العمارة المصرية, فنجد العديد من ناطحات السحاب تخترق المناطق التراثية القديمة في القاهرة وهدمت العديد من القصور وخصوصا في حلوان ليظهر بدلا منها اربعة ابراج سكنية , وانتشرت العديد من مناطق الاسكان الغير حضري خصوصا ان الدولة في الوقت اصبحت غير قادرة علي سد حاجة السكان من السكن باسعار مناسبه لهم فاصبحت المساكن العشوائية هي الحل لاستعاب التضخم السكاني في القاهرة , وكان هناك العديد من المحاولات للعلاج مشكلة العشوائيات مثل ماحدث في منطقة زينهم تم اعادة تخطيط وبناء المنطقة واعادة تسكين السكان بها, ونجح المشروع بصورة مقبولة في العديد من المناطق ولكن لجأ العديد من سكان هذه المناطق الي زيادة مساحة الوحدة حيث تم انشاء غرفة تخرج بشكل شاذ عن المبنى وذلك لان المشروع لم يعالج توفير مساحات مناسبة للسكان.

اختراق المباني الخراسانية للمناطق التراثية القديمة بصورة عشوائية

اختراق المباني الخراسانية للمناطق التراثية القديمة بصورة عشوائية

غرف تم زيادها من قبل السكان – مساكن الاميرية

غرف تم زيادها من قبل السكان – مساكن الاميرية

مساكن زينهم – احد مشارع الدولة لحل مشكلة العشوائيات

مساكن زينهم – احد مشارع الدولة لحل مشكلة العشوائيات

ومن جانب اخر ظهرت العديد من المناطق الجديدة سواء داخل القاهرة (المعراج في المعادي – المقطم), او خارجها (التجمع –العبور..الخ) فأنشئت العديد من المباني التي تحتوي علي العديد من زخارف,ولكن كل مبنى وحده منفصلة من حيث تشكيل الواجهة عن باقي المباني المحيطة  حوله , فحصل نوع من انواع الفصل البصري, فالعشوائية ليس فقط في مناطق الاسكان الغير رسمي, بل هي اصبحت ثقافة شعب ومجتمع انعكست علي عمارته.

فالجهة المسئولة عن تنظيم العمران في مصر غاب دورها بشكل واضح في العديد من المناطق , فاصبح الذي يحكم العملية العمرانية في الوقت الراهن هو المنفعة الفردية والمادة والمصالح المشتركة.

فتحولت القاهرة من عاصمة تنافس العواصم العالمية الي مدينة متدهورة عمرانيا وبصريا عندما تغير الذوق العام للمواطن المصري واصبحت المادة هي التي تحكم وليس النظم والقوانين.

فكلما استخدمت الطريق الدائري وتأملت المباني ادركت حجم المشكلة التي نعيش بها. وادركت انه لا بديل من التغيير في الفكر والذوق العام  للمجتمع قبل بنيته العمرانية .

وهنا يتضح أنه عندما تغيرت التركيبة السكانية للمجتمع القاهري بشكل متسارع, حصل امتداد كبير لحجم المدينة واتسعت رقعة الكتلة العمرانية بدون تخطيط مسبق لها, بالاضافة الي زيادة الكثافة البنائية في المناطق القديمة, وفي المقابل لم تطرح الدولة استراتيجة من قبل الجهات المختصة لتتدارك المشكلة منذ البداية ومنع تفاقمها, في ظل المشروعات التي قامت بها لحل هذه المشكلة بغرض استعلاب الزيادة المتسارعة (مشروعات اسكان الشباب) في المناطق الجديدة ,ولكنها تحولت هذه المناطق الي مناطق اسكان فاخر فيما بعد.

وهنا نجيب علي سؤال  هل هي عشوائية ؟؟

نعم تعتبر مدينة القاهرة من المدن العشوائية, حتى في المناطق الحضرية حصل بها اختراقات بنائية, وانشئت العديد من المباني بدون تصاريح, وتم ايضا زيادة عدد الادوار بصورة مخالفة للاشتراطات الخاصة بهذه المناطق, ولا يخفى علي الجميع المحلات التجارية التي انشئت بدون تراخيص داخل المناطق السكنية .وذلك بسبب فساد المحليات وتجلت هذه المشكلة بشكل موسع بعد ثورة يناير عندما غابت الدولة بشكل كامل وفانتشرت التعديدات, فتم هدم بعضها والبعض الاخر تم تقنينه من قبل الدولة.

لذلك فلابد من طرح سيناريوهات لتنمية المجتمعية ومعرفة ماذا حدث للمجتمع المصري في اواخر القرن العشرين لتصبح عمارته عشوائية.

صورة لمساكن الاسكان الغير رسمي في جزيرة بدران ويظهر خلفها فندق فيرمونت نايل سيتي

صورة لمساكن الاسكان الغير رسمي في جزيرة بدران ويظهر خلفها فندق فيرمونت نايل سيتي

تلاحم المصانع مع المباني السكنية – السواح

تلاحم المصانع مع المباني السكنية – السواح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة تم التقاطها من احد الطرق المؤدية للمقطم- توضح حال العمارة القاهرية في العديد من المناطق – الدويقة

صورة تم التقاطها من احد الطرق المؤدية للمقطم- توضح حال العمارة القاهرية في العديد من المناطق – الدويقة

 

شرين محمد رشدي ..حاصلة علي ماجستير في تخطيط المدن من كلية هندسة جامعة القاهرة

فكرة واحدة على ”العشوائية اسلوب حياه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s