رواد العمارة بين الاستعمار والحفاظ علي الهوية

بقلم : شيرين رشدي …

نشأ جيل من المصريين في ظل ثلاث صراعات قوية في النصف الأول من القرن العشرين, فلم تكن الحياة السياسية في مصر مستقرة لأي طرف من أطراف الصراع الثلاثة (الإستعمار الإنجليزي- المقاومة الشعبية المصرية – الملك, واشتد هذا الصراع منذ خلع الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1914م والذي أعلن رفضه التام للإنجليز واستمر الشعب يهتف لعودته حتى عام 1931م , وخلال هذه الفترة ظهر العديد من شعراء وملحنين المقاومة مثل سيد درويش, بالإضافة إلي المقاومة الشعبية التي قاومت الاستعمار بكل قوة وبسالة, وكان أبرز تحركاتها كان في ثورة التاسعة عشر وكان زعيمها المناضل سعد زغلول, والثورة الطلابية في سنة 1930 م والتي كان لها الفضل في اسقاط حكومة صدقي باشا ودستوره والعودة بالعمل بدستور 1923, ومن جانب أخر ظهرت العديد من تيارات التي كانت تنادي بالحفاظ علي الهوية المصرية من جهة ومن جهة آخرى الهوية الإسلامية, حيث إهتم العديد من شيوخ الأزهر بتعليم الأطفال القرآن الكريم في المساجد لترسيخ قواعد الدين الإسلامي فيهم, ولم تكن العمارة منفصلة عن هذه الاحداث فظهرت العديد من التيارات المعمارية والعمرانية رافضة لسيطرة الطرز الأوروبية علي العمارة المصرية,  فأنشأت العديد من المباني التي تحتوي علي العديد من التشكيلات الإسلامية خصوصا في فترة مابعد العشرينيات بواسطة عدد من المهندسين سواء كانوا من المصريين أو الأجانب ومن هذه الأعمال دار الحكمة ” نقابة الأطباء” ونقابة المهندسين و المعهد الملكي للموسيقي العربية والذي افتتح في عهد الملك فؤاد الاول سنة 1922 م.

11425248_931116356940248_7306959220785379712_n

صورة المعهد الملكي للموسيقي العربية

وعلي صعيد اخر تطورت مصر في فترة الثلاثينات والاربعينات والخمسينيات من هذا القرن في شتى الميادين سواءا كان (سياسيا , عسكريا , ثقافيا ,علميا ,معماريا) وإلتحقت مصر بالمدارس المعمارية الأوروبية الحديثة خصوصا في منطقة وسط البلد فظهرت العمارات ذات قيمة جمالية وتراثية مثل بنك مصر سنة 1920 وعمارة الإيموبيليا سنة 1939 للمعماري النمساوي لاشياك وغيرها من الأعمال لكبار المهندسين الأجانب, وأهتمت الدولة بتأسبس المدارس المعمارية لتعليم العمارة كما أرسلت العديد من الطلاب الي بعثات علمية إلي الخارج لإستكمال دراساتهم العليا وذلك لسد احتياجات هيئات التدرس لجامعات القاهرة وعين شمس والاسكندرية, كما إهتمت بإنشاء العديد من الهيئات الحكومية لتصميم وتنفيذ معظم مباني الدولة, وهذه الأسباب ساعدت في زيادة الوعي المعماري للمصريين بعد ما كان الأستعمار يتحكم بمشروعات التشييد ويعطي جميع الامتيازات لشركات الأجنبية في بداية القرن مثل شركة العقارية الفرنسية لتعمير في جاردن سيتي, وشركة واحات هليوبوليس لرجل الأعمال البلجيكي البارون امبان, وشركة أراضي الدلتا الأنجليزية في المعادي.

ولو تأملنا الأحداث السياسية والثقافية والأجتماعية التي مرت بها البلاد في هذه الحقبة من الزمان لأدركنا أبعاد شخصية المواطن المصري بصورة عامة والمعماري المصري بصورة خاصة, حيث نشأ في هذا لوقت جيل من المعماريين الرواد الذين كان لهم الدور الفعال في رسم خريطة مصر المعمارية مثل المعماري علي لبيب جبر, ومصطفى فهمي وسيد كريم والمعماري الموسيقار أبو بكر خيرت, ولا ننسى الفنان محمود مختار والذي عبر عن وطنيته بتماثيله التي زينت ميادين مصر مثل تمثال نهضة مصر وتمثال سعد زغلول وتمثال مصطفى كامل.

فكانت أعمالهم وإبداعاتهم التي كانت تعكس الصراع السياسي الذي نشأوا به, فمثلا المعماري مصطفى فهمي والذي كان وكيلا لمصلحة المباني سنة 1923 م عبر عن وطنيته وتراثه عن طريق تجسيد العمارة الإسلاميه في أعماله وكان أبرزها مبنى جمعية المهندسين وهو أحد مؤسسي هذه الجمعية الذي يعتبر رمز مهم للمعمارين كدعوة لهم للحفاظ علي الهوية الوطنية والتراثية المصرية في ظل دعوات التغريب والهيمنة الأجنبية, وأيضا صمم واجهة مبنى نقابة المهندسين بطراز إسلامي, كما جسد العمارة الفرعونية في عدة أعمال ومنها ضريح المناضل سعد زغلول والذي كان رمز للوطنية المصرية كدليل لتخليد للفكر الوطني في قلوب المصريين علي مر العصور لان الحضارة الفرعونية كانت ترمزللخلود.

مبنى جمعية المهندسين

مبنى جمعية المهندسين– من تصميم مصطفى فهمي

نقابة المهندسين

مبنى نقابة المهندسين – من تصميم مصطفى فهمي

photo4

ضريح سعد تم إستخدام الأعمدة والزخارف الفرعونية – تصميم مصطفى فهمي

أما المعماري الفنان أبو بكر خيرت فإنعكس حبه للفن وللموسيقى في أعماله فشارك كمهندس في تنفيذ دار الأوبرا وصمم معهد البالية والكونسوفتوار والمعهد العالي للفنون المسرحية وخلد أيضا ذكرى الموسيقار المناضل سيد دوريش وصمم قاعة باسمه بالهرم.

وهناك العديد من المعماريين الذين تأثروا برواد العمارة الغربية وبفكر لوكوربوزيه مثل المعماري سيد كريم الذي صمم الفيلا الخاصة به في المعادي وفيلات حدائق المعادي المعلقة [1] بهذا الفكر.

ويجب أن ندرك أن هذا الجيل من المعماريين المصريين عاصروا جيل كامل من المعماريين المبدعين الأجانب الذين سجلوا بصماتهم الإبداعية في مصر وليس في العمارة الكلاسكية والأوروبية فقط بل في العمارة الإسلامية أيضا مثل المعماري المبدع أنتنيو لاشياك الذي صمم مبنى بنك مصر, ومارسيل دورجنون, وماريو روسي الذي صمم العديد من الجوامع المصرية وكان أبرزها جامع عمر مكرم في ميدان التحرير,والمعماري الإيطالي الكسندر مارسيل الذي صمم قصر المصرية الأرمينية ومستشفى هليوبوليس علي الطراز الإسلامي في مصر الجديدة.

لذلك إتسم هذا الجيل من المعماريين المصريين الرواد بالوعي السياسي والفكري والثقافي والمهني والمعماري وأثبتوا جدارتهم وإبداعاتهم المعمارية رغم الظروف التي كانت تمر بها البلاد من صراعات داخلية وخارجية وهيمنة المستعمر ثقافيا وسياسيا ومعماريا وأثبتوا أن المعماري المصري لا يقل في إبداعه عن المعماري الأجنبي.

فالمعماري كالفنان ماهو الا وليد الظروف المحيطة له فيعبر عن احلامه وطموحاته وابداعاته من خلال أعماله فيضع بصمته ليخلد ذكراه.

[1]  شيماء عاشور – المعماريين الرواد خلال الفترة الليبرالية بين ثورتي 1919- 1952.

فكرتان اثنتان على ”رواد العمارة بين الاستعمار والحفاظ علي الهوية

اترك رداً على walycenter إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s