الوطنية والقومية ومعماري الجامعة العربية : سرد نقدي لمسيرة المعماري محمود رياض الابداعية

بقلم : علي عبد الرءوف …

بقيام الثورة المصرية (1919) بقيادة الزعيم سعد زغلول، تولدت فكرة القومية المصرية، ومشروع النهضة المستقلة والرغبة الوطنية في التحرر من الاستعمار الأجنبي والمحاولات الجادة في بناء قاعدة اقتصادية وطنية والتي تزعمها الاقتصادي طلعت حرب. ثم تلي ذلك ظهور فكرة القومية في إطارها الإسلامي والعربي. ووسط ظروف السيطرة الأجنبية على كافة مجالات الحياة، وفي نفس الوقت نمو الإرادة الوطنية والرغبة في الاستقلال، بدأت مصر تهتم بإيفاد مبعوثين للخارج في مختلف أنواع العلوم والفنون، ومنهم مجموعة من المعماريين للدراسة في أكبر مدارس العمارة في ذلك الوقت كمدرسة ليفربول في إنجلترا ومدرسة البوزار في فرنسا. وبعد إتمام دراستهم عادوا للوطن، وبدأوا في ممارسة نشاطهم وفي التأثير على العمارة والعمران في مصر.

يتعامل هذا المقال، في اطار نقدي تحليلي، مع المساهمة الابداعية لواحد من اهم المعماريين الوطنيين، وهو محمود رياض. والواقع ان قيمة رياض لا تنبع فقط من انتمائه لجيل الرواد، ولكنه قدم مشروعا ابداعيا وطنيا تجاوز فيه الانغماس الكامل في الفكر الاوربي الذي نهل منه العلم. كما انه لم يرتد ارتدادا شاملا في حقبات التاريخ المصري الفرعوني او القبطي او الاسلامي. ولكن التميز الحقيقي لرياض هو قدرته على صياغة مشروعه الابداعي الخاص الذي نستعرض مقوماته ونتائجه في هذا المقال. يختبر المقال فرضية ان قيمة محمود رياض تبلورت في قدرته على صياغة لغة معمارية وعمرانية جديدة خاطبت السياق المصري، واستجابت لتطلعاته الوطنية والقومية والعربية والاسلامية. ويستخدم المقال مجموعة من مشروعات رياض اهمها مبنى الاتحاد الاشتراكي ومبنى جامعة الدول العربية وفندق هيلتون النيل لتحليل مرحليات انتاج لغة رياض المعمارية وشاعرية التعبير بها في مشروعات المباني العامة المؤثرة على صياغة عمران مدينة القاهرة.

سياق التحول وسنوات التغيير: الانطلاقة الثورية والتوجه الاشتراكي كإيديولوجية للمجتمع المصري( 1952 – 1970 )

من المهم فهم السياق الذي تلقى خلاله محمود رياض تعليمه ثم ملامح الحقبة التي مارس فيها بدايات عمله المهني بعد عودته من برنامج الدراسات العليا في انجلترا عام 1931. فالواقع انه على مستوى سنوات التعليم او على مستوى الممارسة المهنية، كان رياض شاهدا على سيطرة اجنبية كاملة على العمل المعماري والعمراني. من جهة اخرى فقد كانت حالة الاحباط والسخط من الخضوع للمستعمر البريطاني تتعاظم وخاصة في اجيال الشباب. هذا السياق وخلافا للكثير من زملائه، حمل رياض نفسه بمسئولية وطنية قومية تتبلور في اهمية نضاله من اجل وضع بصماته على عمارة وعمران مصر، وكذلك في ضرورة ايجاد المفردات والتراكيب اللغوية التي تنتج لغة معمارية توازن بين تاريخ قيم وتستوعب ايقاع عصر الحداثة.

a

انتهت هذه الحقبة بدراما حريق القاهرة في 26 يناير عام 1952.

 وبعد قرابة عقدين من الاستقرار في مصر وممارسة العمل المعماري المحدود تسارعت الاحداث في مصر بداية بحريق القاهرة في بدايات عام 1952 وانتهاء بثورة 23 يوليو 1952 التي انهت الحكم الملكي، واسندت مسئولية البلاد الى مجموعة الضباط الاحرار. شهدت هذه الفترة تحولاً جذرياً في حياة المجتمع المصري، وتغير في المفاهيم الشائعة والأوضاع الاجتماعية والطبقية التي سادت لفترات طويلة وجاء هذا التحول كنتيجة للحدث الرئيسي الذي شهدته تلك الفترة وهو ثورة 23 يوليو التي كان توجهها نحو الإيديولوجية الاشتراكية بديلاً عن الرأسمالية الإقطاعية السائدة التي سببت الكثير من المعاناة لأفراد الشعب المصري. وتميزت تلك الحقبة بالتوجه نحو القومية العربية والذي صاغته التغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية بعد الثورة. هذا التوجه الذي انعكس على محاولة تشكيل القاهرة العاصمة على أنها عاصمة الأمة العربية[1] مما كان له أكبر الأثر في ازدهار وتنوع المشروعات المعمارية والعمرانية التي أقيمت بها. ومن أبرز نتائج الاتجاه الاشتراكي للدولة هو دخولها كمشرع ومقنن ومنفذ ومشرف في مختلف مجالات التنمية وبالتالي التنمية المعمارية والعمرانية حيث نشطت المشروعات الحكومية التي تمولها الدولة وخاصة في مجال الإسكان وكذلك المشروعات الخدمية كالمدارس وقصور الثقافة والمبان الرياضية والتي انتشرت في أنحاء البلاد، كما صاحب هذا اهتمام بالمبان العامة التي تعبر عن سير الدولة في طريق التقدم ونجاحها واستقرارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فأنشئت الدولة العديد من المبان الهامة مثل مجمع الإصلاح الزراعي بالدقي للمعماري رمزي عمر ومطار القاهرة الدولي للمعماريين مصطفى شوقي وصلاح زيتون ومبنى الغرفة التجارية للمعماري سيد كريم ومبنى جريدة الأهرام وبرج القاهرة للمعماري نعوم شبيب (عبد الرءوف، 2014).

 المبنى العام: التعريف والاهمية

أن التعايش في أي مجتمع على قدر من الرقى والتحضر يتطلب توافر مجموعة من الخدمات الثقافية والتعليمية والدينية والصحية والاقتصادية والترفيهية والإدارية، وينتج عن التجسيد المعماري لتلك الخدمات أن يتواجد داخل النسيج العمراني لأي مدينة مجموعة مما يسمى بالمبان العامة. أهمية المبنى العام تتعدى حدود الوظيفة التي يؤديها ذلك المبنى حيث تتداخل عوامل أخرى تؤكد تلك الأهمية، وهى المدلول الرمزي والمضمون الفكري والعاطفي الذي يبثه ذلك المبنى في وعى وفكر وإدراك الجماهير التي تتعايش معه وتمارسه وتنفعل به. فهو دائماً يتأثر بما في المبنى من صياغة معمارية ومضمون فكرى ودلالات رمزية وقيم جمالية تزيد من رقيه وتطوره وتحضره وتغرس فيه روح الانتماء والارتباط بكيانات معمارية تعبر عن انتمائه لحضارته وتقاليده ، وهذه هي المبان التي تمثل علامات متميزة في التكوين العمراني والحضارة للمدينة.

قضية الهوية في المبنى العام

أن المبنى العام لاتساع دائرة تأثيره، يحوى إمكانية التعبير عمارة وعمراناً عن هوية مجتمعه ومدينته ويلبى احتياجاتها الحاضرة والمستقبلية، وبالتالي فإن قضية المبنى العام هي قضية التعبير لأنه وسيلة للتعبير عن هوية جماعة أو هوية رسمية، ومن ثم فإن المبنى العام دائماً ما يثير تساؤلاً نقدياً جوهرياً: ما هو التعبير المعماري المناسب عن كياننا وعن حضارتنا وهويتنا وثقافتنا؟ والواقع أن البحث عن هوية للعمارة المصرية كان دائماً مرتبطاً بكيفية المعالجة المعمارية للمبان العامة، والعمارة في مصر هي عملية حيوية يجب أن تدخل بصورة جوهرية في تشكيل هوية المجتمع وفى تنظيم طاقاته وإمكاناته.ومن ثم فإن المبنى العام هو أهم ركائز العمارة وأهم وسائلها في بناء المجتمع حيث يقوم بدور رئيسي في عملية بالغة التركيب والتعقيد تعتمد على النجاح من أن يعبر المبنى عن ثلاثة جوانب جوهرية وهي العقدية الدينية أو الإيديولوجية الفكرية، الإرادة والرغبة في التعبير والتغيير، واخيرا الطاقة الإبداعية للمجتمع.

ويصبح من المهم أيضاً إيجاد نوع من التوازن بين المحافظة على التراث والحرص على الانطلاق والتجديد فلا يجوز أن ننحاز للماضي وحده أو ننحاز للمستقبل وحده. فالتراث لا يمكن التعامل معه دون فهم مكوناته ووظائفه التاريخية وعناصر الخلق والإبداع التي استند عليها معماريوه وألهمت ابداعاتهم وصياغاتهم الفريدة للبيئة المعمارية والعمرانية. وكذلك لا يجب أن نستعير أو نستورد منتجات العلم والتكنولوجيا دون محاولة التعرف على قوانينها الداخلية ونمر بمراحل الاستيعاب المعرفي لإنتاجها. وبالتالي يصبح من الخطأ أن نمنح قيمة إيجابية مطلقة للتراث بدعوى أنها أصيلة أو تمنح قيمة إيجابية مطلقة لكل منتجات العصر بدعوي أنها حديثة. مما سبق يمكن بلورة قضية المبنى العام في أنها الكيفية التي من خلالها يتمكن المبنى من استعادة الماضي وإصلاح الحاضر والتنبؤ بمستقبل مبهر وهي قضية العمارة كلها في الوقت ذاته.

حالة المعماري الوطني محمود رياض: الرحلة الأكاديمية والمهنية

المعماري محمود رياض (1905-1979)، هو من جيل الرواد الذي كرمه الملك فاروق، والرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس أنور السادات على ابداعاته المعمارية. وينتمي رياض من حيث المرجعية الفكرية المعمارية الى حقبة الحداثة، وهو بالقطع يعد من أكثر المعماريين المصريين الرواد تطبيقا لأطروحات ناضجة لمدرسة الحداثة في السياق المصري. تخرج رياض عام 1927، ثم حصل على الماجستير من جامعة ليفربول عام 1931 في التصميم والتخطيط العمراني ليكون من أوائل المصريين المتخصصين في هذا المجال. وقد أسس رياض مكتبه المهني عام 1933، وفي الوقت ذاته عمل في وزارة الأشغال وبلدية القاهرة. وعين في بداية الخمسينيات مديرا عاما لبلدية القاهرة، واستمر شاغرا للمنصب إلى منتصف الستينيات، وخلال هذه الفترة اشرف على اتخاذ قرارات مصيرية في تاريخ القاهرة الحديث مثل إنشاء امتدادها الشمالي المعروف بمدينة نصر. وفي عام 1965 سافر محمود رياض ليشغل منصب المستشار الفني لوزارة الإسكان، واستمر يساهم في إثراء عمارة وعمران الكويت حتى وفاته عام 1979. حرصت عائلة المعماري الوطني محمود رياض، والتي استمر انتماؤها لمهنة العمارة لجيلين متتاليين، على عمل أرشيف مادي ورقمي من خلال إنشاء الموقع الالكتروني الذي يضم سيرة رياض المعمارية[2].

 ثلاثية الحداثة وسياق ميدان التحرير

ساعدت ظروف متباينة، على ان يكون المعماري محمود رياض مسئولا عن الثلاثية المعمارية للمباني العامة الاهم في محيط ميدان التحرير، وهي مبنى جامعة الدول العربية عام 1955، ومبنى المقر الرئيسي للاتحاد الاشتراكي عام 1959، وفندق هيلتون النيل.

 مبنى المقر الرئيسي لجامعة الدول العربية

في عام 1955، كلف الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الخالق حسونة[3]، محمود رياض بناء المقر الرسمي والدائم “الجامعة العربية” في القاهرة. وانتهت اعمال البناء لمقر “جامعة الدول العربية” مباشرة قبل عقد مؤتمر البترول الاول في عام 1959. وهو يقع قبل جسر قصر النيل بميدان التحرير. وهذا المبنى[4] والذي أعاد المعماري الوطني إلى أداء دوره في تشكيل البيئة المبنية في وطنه وأهمية تعامله مع المبنى العام وعودته ليساهم في صياغة الأبنية العامة التي تعبر عن كيان المجتمع كله. وقد تميز هذا المبنى بحرص المصمم على تأكيد الهوية الإسلامية للمجتمعات العربية من خلال تصميمه للمبنى سواء في تشكيل المساقط الأفقية والعلاقات الفراغية أو في معالجة الواجهات وتنسيق الموقع الخارجي.

الواجهة الرئيسية لمبنى جامعة الدول العربية

الواجهة الرئيسية لمبنى جامعة الدول العربية

طابع يخلد مبنى جامعة الدول العربية

طابع يخلد مبنى جامعة الدول العربية

المسقط الافقي لمبنى جامعة الدول العربية

المسقط الافقي لمبنى جامعة الدول العربية

فندق هيلتون النيل[5]

حدث اهتمام متنامي بالمنشآت السياحية والفندقية بعد انتهاء فكرة الأجنبي المستعمر وسيطرة الوطنيين على قطاعات الاقتصاد والتنمية المختلفة، فأنشأ فندق النيل هيلتون للمعماري محمود رياض بالاشتراك مع شركة ويلتون بيكيت للاستشارات الهندسية مشكلا بداية للعمارة الفندقية في عمران القاهرة. وبصورة ادق ومع افتتاح جامعة الدول العربية، قررت بلدية القاهرة إنشاء فندق متميز يخصص لخدمة الوفود والدبلوماسيين أثناء عقد الاجتماعات لدورات جامعة الدول العربية. وبدأ المشروع في عام 1957 كتعاون مشترك بين المعماري الوطني محمود رياض والمعماري الأمريكي ويلتون بيكيت. قدم بيكيت المشروع الابتدائي بينما قام المعماري محمود رياض بعمل التطوير التصميمي للمشروع ثم إعداد الرسومات التنفيذية، كما أشرف على تشييد الفندق. والجدير بالذكر أن اختيار محمود رياض للمشروع ليكون المعماري المحلي، كان برغبة شركة فنادق هيلتون بسبب منصبه المدير العام “بلدية القاهرة”، وكذلك لأنه المعماري المصمم لمبنى جامعة الدول العربية المجاور.

التصور التصميمي الاولي - ميلتون بيكيت - فندق النيل هيلتون

التصور التصميمي الاولي ميلتون بيكيت فندق النيل هيلتون

نموذج فندق النيل هيلتون

نموذج فندق النيل هيلتون

مبنى الاتحاد الاشتراكي/الحزب الوطني

عهد الى محمود رياض المدير العام “بلدية القاهرة”، بتصميم وتشييد مشروع انشاء المقر الجديد لمبنى “بلدية القاهرة” في عام 1959، وبما يسمح للعاملين بها بترك أماكن عملهم وإقامتهم المؤقتة في قصر عابدين[6]. لم يقبل رياض تقاضي أي اتعاب معمارية لهذه المهمة، لأنه يعتقد أن هذا سيكون وجود تضارب في المصالح كما يوثق موقع المكتب الالكتروني. وبعد انتهاء المبنى، وقبل الانتقال إلى مكاتبها الجديدة، كان رجال جمال عبد الناصر واعضاء حزبه السياسي المسمى “الاتحاد الاشتراكي” الجديد قد استولوا على المبنى، وحولوه إلى مقر قيادتهم، مما اضطر البلدية البقاء وضعت في موقعها المؤقت (الذي كان لا يزال يقيم في اليوم). وفي اثناء حكم السادات تحول المبنى إلى مقر الحزب الوطني الديموقراطي واستمر مقرا للحزب الحاكم في فترة حسني مبارك الذي خلع من حكمه بسبب ثورة 25 يناير 2011. و المقر يتكون من جزئين، الاول كان مستغل للأمانة العامة للحزب الوطني الديمقراطي ولجنة السياسات، والثاني كان مخصص كمقار لأجهزة عليا اهمها مجلس الشورى، والمجلس الاعلى للصحافة. وتم حرق المبنى يوم 28 يناير عام 2011م يصاب تضررت من حريق بإشعال النار في المبنى. المبنى لا يزال قائما اليوم، مع مناقشات وفيرة والأفكار[7] حول ما يجب القيام به مع ذلك.[8]

مبنى الاتحاد الاشتراكي

مبنى الاتحاد الاشتراكي

“هدم المبنى المجاور للمتحف المصري بالتحرير، و المعروف باسم الحزب الوطني، و ضم الارض الى محيط و حديقة المتحف، و يأتي ذلك اطار حرص الدولة على التراث الأثري لمصر، وان هذا القرار يعد قرارا تاريخيا لما لهذه الارض من قيمة مالية ضخمة، و لكنها مهما كانت القيمة، فإنها لا تقارن بقيمة الحفاظ على التراث المصري الذى يشكل جزا ثمينا من التراث البشرى”.

نص قرار الحكومة المصرية الذي يبرر هدم المبنى للحفاظ على التراث.

المثير للدهشة ان المبنى مسجل في عداد المباني ذات الطابع المميز بجهاز التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة طبقا للقانون رقم 144 لسنة 2006م[9]، وهذا القانون وضع اجراءات محددة فى حالة اخراج مبنى من قائمة المباني المميزة. وقد تطلب قرار هدم المبنى البدء بحذفه من قائمة المباني ذات القيمة تبعا لجهاز التنسيق الحضاري[10]. وعلى الرغم من التقارير الرسمية للسلامة الهيكلية للمبنى، وتقارير القيمة التاريخية والرمزية للمبنى ودلالته بالنسبة لثورة 2011.  كما اعلن في وسائل الإعلام الرسمية ان الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة وبالتنسيق مع محافظة القاهرة  ستكون مسئولة عن عملية الهدم. من غير الواضح ماذا سوف يحل محل المبنى، على الرغم من أنها قد عممت على نطاق واسع أنه سيرفق به قطعة أرض إلى المتحف المصري استجابت لجموع الاثريين في ضرورة عودة ارض المبنى الى الجهة المالكة و هي المتحف المصري بالتحرير. إعادة التكيف كان الحل البديهي لكتلة البرج ولكن هذا يعتبر ابدأ بالسلطات.

وبجواره ممبنى الاتحاد الاشتراكي فندق النيل هيلتون

فندق النيل هيلتون و بجواره مبنى الاتحاد الاشتراكي

عبقرية وانتقائية الهدم في المشهد المعماري المصري المعاصر

ان الخلاف حول مصير مبنى محمود رياض، اهم رواد الحداثة المصرية، لم يؤكد فقط حالة الانقسام المصرية المعاصرة والغير مسبوقة، ولكنه ايضا اشار الى ازمة حقيقية بين المعماريين والمثقفين والمهتمين بالتراث. لقد تلاحظ نسق ملفت بعد ثورة 25 يناير 2011 نحو هدم وازالة الكثير من الاعمال التراثية وخاصة في الفترات التي واكبت الانفلات الامني والرقابي. أطراف المعركة هم عدد من الجهات الرسمية و غير الرسمية يتصارع كل منها حول أحقيته في التصرف في هذا المبنى، وعلى هامش المعركة تدور مداولات جانبية تتعلق بصوابية فكرة هدم المبنى من الأساس . المدافعون عن بقاء المبنى يعتمدون على حقيقة أن المبنى يقع ضمن قوائم التراث المعماري الحداثي المتميز و لا يجوز قانوناً هدمه، كما انه يوثق لفصل هام في تاريخ العمارة المصرية المعاصرة وبالتحديد حقبة الحداثة[11]. مجموعة اخرى والمدهش ان بينها اساتذة في العمارة اعلنت رفضها لبقاء المبنى لأنه تبعا لتعبيراتهم المبنى “ليس تراثياً” و “ليس جميلاً بما يكفي” وهي وجهة نظر تُظهر فيما تُظهر مدى فقر مواد التثقيف البصري و  المعماري في التعليم و الإعلام (سليم، 2014).

من جهة اخرى فان هناك فريق يرى أن المبنى يمثل فصل من تاريخ مصر يجب نسيانه من الذاكرة لأنه فصل ثوري والثورة ضد مبادئ الاستقرار الزائف الذي سوقوا له بامتياز ولعقود طويلة. ولا يدرك هذا الفريق، بأطماعه السياسية المحدودة، ان الذاكرة الجمعية للشعوب تجسدها المباني العامة حتى لو شيدت في حقبات تغيرت او تبدلت او حتى ثار الناس عليها. وان السعادة بالهدم هي سعادة الهزيمة وتزييف التاريخ. ، فتصحيح الأخطاء السياسية لا علاقة له بالتخلص من المعمار أو محو التاريخ ، كما ان هذه المباني هي تحافظ على الرصيد الانساني والعاطفي الذي يرغب المصري في استعراضه مع مجتمعه واسرته، وهو ايضا نفس الرصيد الذي يحفز السائح المسافر على ادراج القاهرة ومصر في قائمة ترحاله[12].

ملاحظات ختامية

صمم محمود رياض واشرف على بناء اهم ثلاثية في عمران القاهرة بل ومصر المعاصرة، وشاءت الاقدار ان يكون احد اركان هذه الثلاثية رمزا لاستبداد وديكتاتورية عصر استمر لثلاثة عقود، وركنا اخر وهو فندق النيل هيلتون تجسيدا لانفتاحا وتقاربا امريكيا وتأريخا لموجة تغريب جديدة في السياق السياسي والاجتماعي والثقافي. اما الركن الثالث فهو مبنى جامعة الدول العربية التي وبعد اكثر من ستة عقود على انشاء المبنى وهي ابعد ما تكون عن فكرة الجامعة او مبادئ الجماعة. عندما نتأمل حال ثلاثية رياض الان في عام 2015، ندرك حساسية وصدق واخلاص المشروع الابداعي لهذا المعماري الوطني الذي كان يبث من خطوط مبانيه وفراغاتها رسالة متواصلة ومستدامة على القدرة المحلية الحداثية على الابداع والتجديد ورفض الحنين الكامل الى الماضي او السقوط الحر في ملامح المشروع الغربي. لقد نجح محمود رياض قطعا في ان يكون معماريا مصريا، ويكفيه هذا فهو كل النجاح.


 المراجع والقراءات المقترحة

  • عبد الرءوف، على. 2001. “العمارة المصرية المعاصرة : القضايا النقدية والتوجهات الإبداعية” ، مقال منشور بمجلة البناء عدد مايو 2001.
  • عبد الرءوف، على.2010. متى يعلنون وفاة الفراعنة.
  •  http://www.arab-eng.org/vb/t223992.html
  • عبد الرءوف، على. 2014. النقد المعماري ودوره في تطوير العمران المعاصر: الحالة المصرية والعربية. منشور برخصة المشاع الإبداعي.
  • http://creativecommons.org
  • عبد الجواد، توفيق. 1989. مصر العمارة في القرن العشرين. مكتبة الانجلو المصرية.
  • كريم، سيد. (بدون تاريخ) اشتراكية الفيلا. مكتبة النهضة المصرية.
  • سليم، ادهم. 2014. حروب المعمار. مقال منشور على الموقع التالي وشوهد بتاريخ 29 مايو 2015.
  • http://qoll.org/UI/Front/Inner.aspx?Aid=642#.Vso6HofqFvA
  • المواقع الالكترونية
  • http://www.ahramdigital.org.eg/Policy.aspx?Serial=1332651
  • [1] يشير د. سعد الدين إبراهيم في بحثه ” القاهرة : نظرة اجتماعية “، إلى أن القاهرة في فترة حكم جمال عبد الناصر تحولت بفعل الثورة إلى عاصمة عربية وأصبحت تمثل قبلة رجال الأدب والسياسة والفن والطلبة من جميع أنحاء العالم العربي. ص 56 ندوة تحديات التوسع العمراني – حالة القاهرة منشورات جائزة الأغاخان للعمارة – 1984 .
  • [2]  يوثق الموقع لأعمال المعماري محمود رياض كما يوثق لأعمال الجيلين التاليين من العائلة الممتهنين للعمارة والتخطيط العمراني.
  • http://www.riadarchitecture.com
  • [3]هو الامين الثاني لجامعة الدول العربية حيث شغل المنصب في الفترة من 1952 الى 1971 خلفا للأمين الأول عبد الرحمن عزام باشا الذي تولى الأمانة منذ إنشاء الجامعة عام 1945 الى عام 1952.
  • [4]  يشير الموقع الالكتروني لمكتب رياض المعماري ان رغبة في توسعة المبنى وكذلك اضافة دورين ودعوة المكتب لدراسة هذه المقترحات تمت عام 1976 عندما كام الامين العام هو السفير محمد رياض والمرة الثانية عام 2005 عندما كان السفير عمرو موسى يشغل منصب الامين.
  • [5]  تحول الفندق لاحقاً الى “فندق ريتز كارلتون النيل” بعد استحواذ شركة الريتز كارلتون على ملكيته في بدايات عام 2010. ويتم الان عمل تغييرات جوهرية وخاصة في التشكيل المعماري للواجهات الذي هدم التصميم الاصلي وهو ما عبر عن رفضه مكتب رياض تبعا لما هو منشور في الموقع الالكتروني الخاص بهم
  • [6] يحمل العقار رقم 1113 شارع كورنيش النيل بجوار المتحف المصري ومبنى جامعة الدول العربية
  • [7] تبعا لما نشر بجريدة الاهرام المصرية فقد تقدم مجموعه من رجال الاعمال بعرض للحكومة لبناء فندق عالمي على ارض المبنى.
  • [8] http://www.ahram.org.eg/NewsQ/381299.aspx
  • [9] سبق تسجيل المبنى لقيمته التاريخية والمعمارية تحت رقم 03180001204 بقائمة المباني ذات القيمة الخاصة بالقاهرة، والمعتمدة من الجهات المعنية والمختصة حسب قانون 144 لسنة 2006م،
  • [10] الجدير بالنقاش ان مديرة الجهاز، الاستاذة الدكتورة سهير حواس اعلنت فشلها في الاحتفاظ بالمبنى امام وجهة نظر المحافظة، ثم ما لبثت ان تعاونت مع نفس المحافظ في مشروع لتشويه القاهرة الخديوية بدهانها الذي طمس قيمتها وعبق اماكنها، ثم احتفلت بتكريمها حيث عملت كاستشارية عامة ومشرفة على المشروع المهين لفصل هام في تاريخ مدينة القاهرة.
  • [11] انبرى مجموعة من المثقفين والمعماريين الى ايقاف قرار الهدم بعمل عريضة للتوقيع لحشد قطاع من المجتمع ضد القرار وايصال صوتهم الى المسئولين، مرفق رابط العريضة الالكترونية https://docs.google.com/forms/d/1LUt7npU4Hk6tsDM8NFj7s3ak6PmKp3vXuQp1L2XkGIY/viewform
  • [12] نادي بعض النقاد المعماريين، ومنهم ادهم سليم (2014)، في مقاله “حروب المعمار”، بمقترح لعمل مسابقة معمارية لتحديد الاسلوب الامثل للتعامل مع المبنى. والواقع ان هذا التوجه اذا لم يواكبه ارادة وطرح فكري يتبنى اهمية الحفاظ على المبنى ثم تقديم المسابقة كأطروحات ابداعية لإعادة استخدامه بمعطيات تاريخه واللحظات الفاصلة التي عاصرها ثم النهاية الدرامية بحرقه يوم 28 يناير 2011 تعبيرا عن اسقاط اهم ادوات سيطرة النظام المباركي وهو الحزب الوطني.

    عن الكاتب : 11

    الأستاذ الدكتور علي عبد الرءوف معماري ومصمم عمراني وناقد وأستاذ جامعي، ولد بالقاهرة، وحصل على الدكتوراه في دراسة الإبداع المعماري والعمراني عام 1996، وعلى درجة الماجستير في النقد المعماري، وبكالوريوس العمارة من جامعة القاهرة عام 1986. قام د. عبد الرءوف بتدريس التصميم المعماري ون
    ظريات العمارة والعمران في عدة جامعات أهمها القاهرة، البحرين، قطر، العلوم الحديثة والفنون. وقد حصل د. عبد الرءوف على عدة جوائز محلية وإقليمية في العمارة والبحث العلمي، ونشر أكثر من 80 ورقة بحثية ومقالات منشورة في المؤتمرات الدولية والدوريات العالمية، وتم دعوته لإلقاء محاضرات في جامعات اكتر من 25 دولة اهمها كمبردج بإنجلترا وبيركلي واوريجون بأمريكا وليبزج بألمانيا وسيول بكوريا والجامعات الامريكية في الشارقة والكويت ولبنان. كما انه مؤلف مشارك في عدة كتب باللغة العربية والانجليزية اهمها كتاب النقد المعماري ودوره في تطوير العمارة المعاصرة 2014، وكتاب من مكة الى لاس فيجاس: اطروحات في العمارة والقداسة عام 2014، بالإضافة إلى مساهماته المنتظمة في العديد من المجلات المعمارية والثقافية.

فكرة واحدة على ”الوطنية والقومية ومعماري الجامعة العربية : سرد نقدي لمسيرة المعماري محمود رياض الابداعية

  1. تعقيب: يلا نلعب عشوائي .. | جريدة مركز طارق والي العمارة والتراث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s