في الطابع المعماري والعمراني : عودة تداعيات وتداعي الطابع ، تنويعات على مفهوم متجدد

بقلم :  أ.د. ســـيد التــوني  ،  أ. د. نسمات عبد القادر

–        مَدْخَـــــل

14-

القاهرة .. فوتوغرافيا تامر شاهين

حين طُرح موضوع “طابع العمران والمعمار المصري” في لقاء، أصبح بعيدا، ضم مجموعة من المتخصصين الأكاديميين والممارسين، برز على السطح خلاف مفهومي عندما طَرَحنا: “أنه لا يوجد ما يمكن تسميته “طابع العمران المصري” – بالرغم من أن رفضنا للمفهوم او الفكرة، هو في حد ذاته تعميماً فكرياً، نظريا، يمكن الوقوف عنده والاختلاف حوله، ومراجعته وتدقيقه، كما أثار ذلك (ولايزل) ردودا مستنكرة، تسَاءَلت “وماذا عن تلك الملامح أو القواسم المشتركة بين عناصر النتاج البنائي المصري؟، عبر الحقب والقرون، بل وحتى لو حصرنا الحيز الزمني لذلك النتاج والملامح المشتركة، في سنوات القرن العشرين، وما مضى من القرن الجديد”.

وفي محفل آخر، أبعد في الزمان، منذ نحو عشرون عاما، في مؤتمر المعماريين المصريين (1994) الذي عقد تحت عنوان “العمارة والثقافة”، اخترنا لورقتنا، لكلماتنا ومشاركتنا في الحدث، موضوعنا الأثير وقتها، “الطابع العمراني”، وطرحنا المفهوم (الجديد القديم)، كمدخل وأداة فاعلة للتوفيق بين “العمارة والثقافة”، واخترنا كعادتنا في معظم المداخلات – تحديات اللغة وإختلاط المفاهيم وتباينها، أساسا للطروح التي أثرناها، وفي ذلك الوقت، قال زميل، في كلمته التي تلت كلمتنا وملاحظاتنا: “… إن المشكلة، مشكلة الطابع وما يرتبط به من مجالات وثيقة الصلة، تتجاوز التعاريف والتعريفات، فهناك ما هو أهم، وما هو أكثر اهمية، في العرض والتناول …”، وربما كان إعتراضه في الجوهر، على ذلك الاستحسان الذي لاقته الطروح والتعاريف الجديدة (حينها) للفظة القديمة ومدلولاتها. ولم يقنعنا إعتراضه، ولم نتوقف عن التعرض للمدلولات والتداعيات، وتتبع التعريفات والمفاهيم، واعادة طرحها وتدقيقها، ومرت السنوات.

وفي ذات اللقاء القريب الذي ألمحنا إليه في صدر المدخل، أشار زميل آخر إلى تداخلات المعاني والكلمات، والمفاهيم، وثيقة الصلة بالموضوع، موضوع “طابع العمارة والعمران”، وطرحها كإستفسار بل وكمفاتيح بديلة لتناول الموضوع، تَسَاءَل: “تستوقفني في تناول “طابع المعمار والعمران المصري”، تداخلات ثلاثة مفاهيم محددة، هي : “الطابع”، Character  ، والنسق Pattern  ، والنمط Type، وربما آن الأوان، للعرض لها وفك إشتباكاتها…”.

وبعد سنوات من هذا الجدل، وبعكس ما قيل، عن الأهمية المحدودة لتناول المفاهيم والبحث عن الدلالات، لايزال هناك مجال، بل وضرورة، للعرض للتعاريف، والسعي خلف معاني الكلمات وتداخل المفاهيم و مدلولاتها، وهو ما أفردنا له نصف عنوان هذا المقال : “التداعيات”.

تداعيات كلمة ومفهوم الطابع: “الطابع العام”، “الطابع العمراني”، و”الطابع المعماري”، فلا زلنا عند قناعتنا، القديمة التي نعيد طرحها ونكررها، ونعني تحديداً: “..كيف نواجه المشكلة، ونحن لا نعرفها، دون أن نحيط بها، أو نتفق على ملامحها وحدودها، بل وحين نختلف على أبسط جوانبها، أو هُويتها، وتعريفها. بل ونضيف ونكرر أيضاً: إلى أن تصبح ثقافتنا “ثقافة إبداع” لا إتباع، ثقافة مبدعة وليست تابعة، ولحين أن نبدع الرؤى، ونشكل المفاهيم، ويتبعنا العالم، والآخرون – وإلى أن تنحسر المسافات وتضيق، بين ثقافات مُبدعينا ومجتمعنا أو مجتمعاتنا، نقول ونؤكد، دعونا نستمر في التعرض للكلمات والمفاهيم، واللغويات، وفي تدقيق التعبيرات والدلالات، وفي العودة إليها مرار وتكراراً، حتى نحيط بها، ونملكها ونأخذ بأسبابها.

أما القسم الثاني من التناول، والنصف الباقي من العنوان: “تداعي” الطابع، أو تدهوره، فيعرض لأزمة الطابع (أو الطوابع) في سياقنا المعاصر: الطابع العام والعمراني والمعماري، في مصر، في معمورها الحضري وغير الحضري، وعمرانها ونتاجها البنائي.

هناك قبول شائع بوجود أزمة، ومشكلة في طابع ومظهر العمران المصري، وهناك مستويات ومظاهر مختلفة لهذه المشكلة أو الأزمة.

فهناك من يستشهد بنوعية المعمار والعمران ورداءتها وترديها. وهناك من يستشهد بعشوائية وفوضى التعبير المعماري في العقود الاخيرة، هناك أيضا غياب “المرجعيات” أو “الركائز” الجمالية والبصرية المقبولة والمتفق عليها. وهناك من يستشهد بالمعمار القديم “الأحدث” نسبيا، الذي يعود إلى أربعينات وثلاثينات القرن الماضي، كعلامات مميزة ودلائل على جودة العمارة والعمران في زمن “رومانسي”، مضى وانتهى، ليحل مكانه ويحيطه ويحاصره معمار وعمران أدنى في الجودة، وفي القيمة والنوعية.

هناك أيضا من يستشهد بالقديم “التراثي”، في القاهرة التاريخية (على سبيل المثال) ونطاقاتها للدلالة، على ما تعنيه “القيمة”، و”النوعية”، قيمة ونوعية الطابع وتفرده وتميزه، بالمقارنة بالمعمار والعمران الأحدث، المعاصر والجاري، وهنا أيضا “رومانسية” كامنة  في هذا الاستشهاد والطرح. وتكفي في هذا الصدد الإشارة إلى: أنه بالرغم من إنتقائية الرسامين المستشرقين “كداڤيد روبرتس David Roberts” وغيره، فلوحاتهم المبدعة، التصويرية التسجيلية للقاهرة التاريخية، منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى منتصفه وبعده، تحفل بالسلبيات النوعية، كالقمامة، ومشاكل الصرف والتلوث السطحي، والنظافة، وفي خلفياتها يبرز تداعي المستوى الاجتماعي لعموم الشعب، وغير ذلك.

وحتى قاهرة الذاكرة الرومانسية، “الزمن الجميل”، كتلك التي تظهر في أفلام الموسيقار محمد عبدالوهاب، ورفيقه المخرج الكبير أحمد بدرخان – كانت قاهرة محدودة الأعداد، يتمتع بها قلة قليلة، بينما الأغلبية كالعادة مشغولة بالسعي وراء الأساسيات والضرورات الحياتية، التي لم تتضمن بالتأكيد “نوعية” البيئة المشيدة و”طابع” العمران.

هناك أزمة في “طوابع” العمران المصري ولا نقول “طابع”، فكما أنه لا توجد “ثقافة” مصرية واحدة، لا يوجد طابع واحد لذلك العمران المتنامي (الذي يضم: مستقرات الريف، والنوبة والواحات، الصحراء والشواطئ، مدن الدلتا ومدن الصعيد، وغيرها)، بل إن هذا التعبير (ونعني طابع المعمار او العمران)، لا يمكن إطلاقه وتعميمه على مدينة بكاملها، خاصة المدن الكبيرة الحجم، أو في حالة العملاقة العمرانية “القاهرة”. فالقاهرة (كمثال دال) مُحيط مُتلاطم، يضم عشرات الجزر الإجتماعية الثقافية، المنعزلة والمتصلة، يقوم بينها ما يصعب حصره من التفاعلات المحسوبة، الرسمية والعشوائية.

هناك إنفلات في التعبير المعماري، وفي مظهر العمران، نتيجة للتباين والهوى وغياب المرجعيات، فالكل يعتقد أنه يَدري وهو لا يدري، ويَعلم وهو لا يَعلم، بل ويرى بينما عيناه مغلقتان، ويسمع بينما لا يصل أذنيه إلا الصخب والضوضاء.

هناك أزمة لا شك في “طوابع” العمران المصري، وهناك تدهور وتداعي ، لأن هناك أزمة أشمل في الثقافة المجتمعية المعاصرة. أزمة ترتبط روافدها، مفاتيحها ومظاهرها، بالأمية الشائعة، بالسلبيات الإجتماعية والإقتصادية، كما ترتبط بمشاكل ونتائج الإتباع، والتبعية.

–        التبعية المكانية: حين نستلهم ونسترشد بثقافة الآخر، وتقنياته الأساسية والثقافية، من خارج المكان، وإن    كانت في نفس الزمان (حين نستلهم ونسترشد بمنتجات الحضارة الاوروبية والامريكية المعاصرة على سبيل   المثال)، وحتى حين نستلهم ونسترشد بل ونتَبع، هناك عشوائية أخرى ترتبط بالأمية والجهل والسلبيات       الثقافية، هي عشوائية الإختيار. فغالبا ما نختار الأسوأ والسطحي والغث، من ثقافات الآخر، وغالبا ما نترك ونتجاهل المتميز والعميق والراقي من منتجاته الثقافية الحضارية، ونستطيع هنا أن نستشهد بالاختيارات في    مجالي الموسيقى والعمارة، على سبيل المثال لا الحصر، ولا يسمح الحيز والمقام بتفصيل أو استطراد أكثر.

–        والتبعية “الزمانية/الزمنية”: حين نستلهم ونسترشد بمنتجات ثقافية حضارية من خارج الزمان، حين نأخذ    مرجعياتنا وأساليب حياتنا وقيمنا، من ذات المكان او من أماكن وأمكنة قريبة، لكن من أزمنة مضت وإنتهت، بسلبياتها وإيجابياتها، بظروفها وتحدياتها، أدواتها وآلياتها، ونكتفي بالتلميح ولا نزيد.

وفي الحالتين نتَبَع ونُحاكي، نُقَلد ولا نُبدِع، ولا تَنبُت وتزدهر حلولنا وتتنامى، من داخل وواقع زماننا ومكاننا.

وتحضرنا هنا مقولة المفكرة الكبير، الراحل د. فؤاد زكريا، حين إعترض على طرح “الأصالة والمعاصرة”، كما لو أن هناك مفاضلة وإختيار بين بديلين، يمكن المفاضلة بينهما، بينما يجزم المنطق والواقع، بأننا نقع في وهم، حين نظن أننا نستطيع، أن نحيا ونبدع خارج الزمان والمكان، وهو وهم مكانه قصص الخيال العلمي، و سحابات اللاوعي.

 1 –  عن “تداعيات” اللفظة: أو الطابع العمراني وتوابعه

          فإذا تحركنا إلى التداعيات، تداعيات المفهوم والتعبير فهناك الكثير: هناك الخلط والاختلاط بين المفاهيم والدلالات، وسنطرح هنا ونستعيد بعض تعريفاتنا، أو قراءاتنا للمفاهيم والكلمات التي كثيرا ما نستعملها ولاندققها، ولا نفهمها، (ورحم الله الكاتب الكبير فتحي غانم ومقاله أو عاموده الأسبوعي الشهير “كلمات نستعملها ولانفهمها، في “ستينات” القرن الماضي، في مجلة صباح الخير، دار روز اليوسف).

–        الطابع المادي Physical Character وكما قلنا كثيراً، هو التسجيل الحي النابض للثقافة، ثقافة الجماعة  والمجتمعات، وهو الانعكاس الصادق للثقافة وخصوصيتها، وتعصباتها وتفضيلاتها، والطابع مثله في ذلك مثل   الثقافة يرتبط بالجماعة والمكان، بالموضع والزمان، ويتغير بتغيرهم.

 وحين نقول “الطابع” ونصمت ولا نزيد، فما نعنيه يرتبط بالمحفل والسياق الذي يجمعنا (البناء والنتاج البنائي، العمارة والعمران)، والطابع، يعني “الطِبَاع” و”السَجيَة”، وطَبع الشئ صوره، وجمعه طَوَابع، وفي سياقنا هذا نقول، هناك مستويات ثلاثة للطوابع المادية ترتبط وتتداخل، هي :الطابع العام والطابع العمراني والطابع المعماري، ومفاتيح العرض لهذه المستويات بالتداعي المنطقي هي “مكونات” الطابع. ومكونات الطابع إما مادية: طبيعية أو مصنوعة أو غير مادية: ثقافية ومجتمعية وإنسانية.

وترتبط المكونات الطبيعية والمصنوعة للطابع بالمكان والموضع، بالنتاج البشري وبالبيئة الطبيعية وعناصرها (الأرض والتربة، والطبوغرافيا، والمياه والنباتات، وغيرها)، والتي تكون معا المحيط أو النطاق الذي تقوم عليه الدراما الإنسانية، والذي تعد المباني والمنشآت والعمائر والمعمار، وتعبيراتها العمرانية أو المستقرات البشرية أهم وأبرز عناصرها. كما تمتد المكونات غير المادية للطابع بدورها لتشمل الثقافة وعناصرها ومستوياتها ومراحلها، وتضم بعبارة اخرى: المعارف، والعادات والتقاليد والأعراف، والمعتقدات، النظم السلوكية والأنساق القيمية، والاجتماعيات والبشريات، ملامح الجماعة وملامح الظاهرة المجتمعية: كالاصول والأسر، التكوين والتوزيع، والجنس، والتعليم والمهن والعمل، ووضع المرأة والأعداد والكثافات والأنشطة، وغير ذلك.

ومكونات الطابع المادية أسهل في التعرف عليها وفي رصدها وتتبعها، وتضم ثلاثة مستويات أو مجموعات متميزة:

–   مستوى المحتوى المادي، العمراني والطبيعي: والذي يحوي ملامح الموقع والموضع والعناصر الطبيعية، التي أشرنا إليها، الأرض والهواء والنباتات والمناخ وغير ذلك.

          –        وهناك مستوى المباني والمنشآت ويضم، المعمار ولغة المعمار، والتعبير المعماري، مفردات العمارة ومكوناتها، وتشكل معا أهم ركائز طوابع الاماكن.

          –        وهناك المستوى الثالث في مكونات الطابع، وهو الأصعب ادراكا والأهم تأثيراً، ونعني التشكيلالعمراني Urban Form أو “مظهر” العمران Townscape، وهي كلمة أخرى صعبة الترجمة والتعريف، والتي تصف فن أو ظاهرة “التجاور” والتفاعل، والعلاقات التبادلية بين الأبنية Art of Relationship (كمقولة “جوردن كالن Gordon Cullen” في كتابه الذي يحمل ذات الاسم) – ويحوي في أبسط مكوناته: العلاقة بين كتل المباني والفراغات البينية، وكثافة البناء وارتفاعاته وأنماطه،               ومنظومات الفراغات العمرانية ومكوناتها، والمسارات، والواجهات المجمعة والمباني المميزة ،  والمداخل والبوابات أو المعابر، وغير ذلك.

          وفي عُجَالة نقول، إذا قبلنا بأن “العمران” هو بيئة الإنسان والجماعات الإنسانية، البيئة التي تغلب عليها إضافاته ومصنوعاته، فإن الطابع العمراني: هو تجسيد وإنعكاس لثقافة الجماعات والمجتمعات، وجماع/حصيلة ملامح مصنوعاتها وإضافاتها المادية. والطابع المعماري: هو أحد ركائز الطابع العمراني، ويمكن من حيث المفهوم العام أن يقوم مقامه، باعتبار أن أهم عناصر العمران هو، العمارة أو المعمار والمباني والبناء. بعبارة أخرى ، الطابع المعماري او البنائي هو طابع البيئة المشيدة، وعليه فمقولة الطابع “العــام” تعني (ببعض المرونة) ذلك المفهوم الذي يضم المحتوى او السياق والمعمار والتشكيل والجماعة/المجتمعات المحلية.

–        ومرادفات الطابع:

فإذا انتقلنا إلى مرادفات الطابع، استوقفتنا مفاهيم وتعبيرات “الطراز Style “، و”النسق والأنساق  Pattern(s) “، و”النمط Type “، وبالتأكيد هناك تداخلات وتشابهات بين مكوناتها، لكنها تتباين وتختلف من حيث المفهوم العام لكل منها. فالطراز Style أو النظام Order ، يعنيان بوجه عام، مجموعة الملامح البصرية والتشكيلية التي ارتبطت بعمارة وعمران مجتمعي/ حضاري محدد، ووصلت إلى ذروتها وأصبحت تاريخا (وربما تراثا) ضمن الذاكرة الانسانية، والتي يمكن بالتالي استعادتها واسترجاعها خارج حدود الجماعة/المجتمعات (التي أبدعتها)، والمكان (الذي ارتبطت به)، والزمان (الحقبة التي انتمت اليها)، وعلى سبيل المثال: الطراز “الرومانيسكي” أو القوطي، العمارة المغولية أو الأندلسية، أو النظم الكلاسيكية الأشهر (الدوري، والأيوني، والكورينثى، وغيرهم).

ويمكننا القول بأن الطراز Style (أو الطرز) يمثل أحد روافد الطابع ومكوناته، كأن نقول على سبيل المثال: ان شارع المعز، في القاهرة التاريخية، يضم بوجه عام ستة طرز معمارية بارزة، هي: الطراز الفاطمي، والأيوبي والمملوكي والتركي العثماني، والكلاسيكي (التلقيطي Eclectic) الجديد. وعليه فإن الطراز المعماري (وحتى العمراني) ليس طابعا، فالطابع وكما أوضحنا في هذه العجالة أكثر تركيبا وتعقيداً.

–        وعن النسق، والنمط: بالرغم أن هناك من قد يثور أو يعترض، إذا إعتبرناهما مرادفين لمفهوم واحد، بإعتبار أن النسق pattern غير ثابت ويتغير بتغير الجماعات والمجتمعات المحلية، مهما تقاربت ملامحها، وأنه يعكس ديناميكية ثقافية وإبداعية، بينما النمط type متحجر ثابت، ثباتاً ميكانيكياً، وأن تكراره يعكس آليه وتحجرا أو جمودا، يفتقد الخصوصية والمرونة، و كما تدلل الكلمتان القريبتان للمعنى archetype و prototype. نُذَكِر بأن الأنساق والأنماط تشكل بعض مكونات الطابع والطوابع العمرانية، فالطابع يمكن أن يوفر مظلة او بوتقه للأنساق، ففي القاهرة التاريخية على سبيل المثال، عشرات الأنساق المعمارية والعمرانية، وعشرات الأنماط البنائية، أو الطرق والأساليب والمذاهب، التي تعكس حوارات وتفاعلات الإنسان والمكان، أو الإنسان والسياق المحيط، وكليهما (النسق والنمط) يشير إلى طرقٍ ونظم، أو ماديات وتعبيرات معمارية وعمرانية، يمكن من خلالها إلى التعرف على الجماعات والمجتمعات، ملامحها وثقافتها، سلوكياتها وتفضيلاتها.

–        هناك ايضا الهُوية والشخصية identity & personality ، أو التميز والتمايز، وكلاهما يشير إلى ملامح منفردة، متفردة ومحددة، تضم: الأبنية، المكونات، التفاصيل، الألوان، المعالجات الخاصة، الوظائف والأنشطة، وغيرها – ملامح وصفات تطبع وتميز وترتبط بموضع بعينه، سواء أكان نطاقا عمرانيا، أو مكانا عاما،أو فراغا عمرانيا (ميدانا أو مسارا بذاته)، ولا توجد في سواه.

–        وهناك بالإضافة إلى كل ما سبق، الاتجاهات و”الموضات”، والتعصبات أو النزوات (و التفضيلات) التشكيلية البصرية (visual – formal; fashions, idiosyncrasies & trends) ، وكلها تشير إلى ملامح ومفردات بصرية وتشكيلية، وعلاقات وأنماط وأنساق معمارية ومادية، يطبعها سرعة الظهور وسرعة الانحسار والاختفاء. وبالرغم من إرتباطها أيضا بالمكان والزمان والجماعات/المجتمعات، إلا أنه يمكن إسترجاعها/استعادتها ونقلها، خارج زمانها ومكانها ومجتمعاتها، ولا ترقي بالطبع، من حيث الشمول والتركيب وتعدد المستويات والمكونات، إلى الطابع أو الطوابع المعمارية والعمرانية. وعلى سبيل المثال: حين نذكر “التفكيك و التفكيكية” Deconstruction ، أو “الفن الجديد” Art Nouveau ، فنحن هنا نتناول (مهما تحمسنا لأيهما) عن تركيبة بصرية، وتفضيلات شكلية وتشكيلية، محدودة المقياس مهما تنامت، قد يحتويها الطابع أو الطوابع، لكنها أبدا لا تساويه ولا تقوم مقامه.

 مما سبق كله يتضح، أن “الطابع” حصيلة كل ما ذكرنا وما ألمحنا له من مفاهيم، بل ويتجاوزها من حيث التركيب وتعدد العناصر، فالطابع العمراني يكاد ان يتساوى مع الثقافة من حيث تعقيد وتداخل المكونات والمستويات والتحولات المستمرة، ويحمل بالتالي كل مشاكلها وتركيبها.

وتحضرنا هنا مقوله الكاتب الإنجليزي “روي ورسكت Roy Worskett “، قرب نهاية الستينات من القرن الماضي (في كتابه طابع المدن The Character of Towns) حينما تعرض لإشكالية الحفاظ العمراني في المناطق ذات القيمة المعمارية والعمرانية والتاريخية، وتساءل، على ماذا نحافظ؟ ، وانتهى إلى الطرح المحوري لمؤَلَفه “.. نُحافظ (أو نحاول المحافظة) على “طابع” تلك الاماكن..” .

 وعلـــيه ومرة أخرى يعني “الطابع”، تركيبة: المكان والتشكيل والمعمار والمباني والنسيج الرابط، ويعني أيضا عَبَق المكان، وملامح الأفراد والمجتمعات، وأنساق السلوك والقيم والمرجعيات والتفضيلات، وغير ذلك.

2-  و “تداعي” الطابع، أو أزمة الطابع العمراني المستحيلة

 من الإستطراد السابق يمكن القول ببعض الثقة، أن التعامل مع الطابع العمراني يعني التعامل مع كامل بيئة الانسان، مكوناتها وعناصرها، وأن التحكم في “الطابع”، دعمه وحمايته، وتنميته، منظومة مركبة، مفتاحها الأساسي هو فاعلية “التحكم في العمران”.

و”العمران” وكما ألمحنا هو نتاج “ثقافة” الإنسان ومصنوعاته، في صراعة وحواره مع سياقه ومحيطه وبيئته، ويمثل العمران من هذا المنطلق “مشكلة” بل و”مأساة” في الدول الأفقر، محدودة الموارد أو النامية، تلك التي تعاني من كل مشاكل بقايا ونتاج ثورة الصناعة والتصنيع، وتحديات التكنولوجيا، وضغوط “العولمة”، وتحديات اللحاق بالآخر، الأغنى والأكثر تقدما.

ويكفى هنا أن نشير لبعض ملامح واقع العمران في حضر معظم الدول النامية (ومصر إحداها)، والتي تضم: سلاسل النواقص والمفقودات، على مستويات: الإسكان والبنى التحتية، وصعوبات التعامل مع المخلفات الصلبة، والتلوث السطحي والبيئي، وخدمات المجتمع الأساسية، ويضاف إليها مشاكل الإقتصاد، وتداعي وتدهور الهياكل والبنى الاجتماعية الاقتصادية والسياسية. كما يبرز من سلبيات عمران الدول النامية: البطالة، والامية، وسيطرة الغيبيات، وتدني وضع المرأة والطفل، وتواضع مستويات وفاعلية البنى السياسية، وغير ذلك. ويضاف إلى ماسبق الفجوه الكبيرة التي تفصل الفقراء والاغنياء، حيث الفقر “فقر” الاحتياجات الأساسية، و”فقر” الفكر والمفاهيم، وحيث “الغنى” يفتقد المرجعيات والقيم والجذور.

 كما يطبع واقع العمران في مصر، تداعي الثقافة ونتاجها: ثقافة التبعية في المكان والزمان، حيث تعيش الثقافة على هوامش الآخر (في المكان والزمان). وحيث تضيع الثقة في القدرة على الإبداع، وصياغة الحلول المبدعة فكراً ومادة.

 وفي حالة العمارة: تسود عمارة الفقر والكفاف، والعشوائية والجهل، إلى جانب عمارة “الشَرَه” والأنانية وتعظيم الذات، وتجاهل المُحيط والبيئة. وتتجاور عمارات الفقر والكفاف، والعشوائية الرسمية وغير الرسمية، وتتطلع كلها إلى عمارة الشَرَه والأنانية وتعظيم الذات، كمقصد وهدف، وتتخذها مثالاً ومرجعية، وكلاهما خاسر، والتحكم فيهما مراوغ وصعب.

 ويشير ماسبق إلى بعض ملامح واقع العمران، وأزمة الطابع المستحيلة، في واقعنا المعاصر.

وبعد، نقول انه لا أمل في طابع متميز، دون ثقافة صحيحة وسليمة البَدن و”الرأس والعقل”، ثقافة لا تُحَرِم الفنون، وتحمي الإبداع ولا تُكَفره، ثقافة مرجعياتها من داخل المكان ومن داخل الزمان، وثقافة تتضاءل فيها المسافات بين صُفوتها وعامتها، مُبدعيها ومجتمعاتها.

ولحين أن تتعافى الثقافة وتجدد، سيبقى الطابع المعماري والعمراني في محنة، وسيظل غريبا مغترباً، يعاني من كل مشاكل الثقافة في البلدان الأفقر، مشاكل الإغتراب والإنفصام والدُونية، والإتباع والتشويه، والقائمة طويلة متنامية. ويكفي أن ننظر إلى “مُحتوياتنا” وبيئتنا العمرانية، القديمة والتراثية، بل وحتى الجديدة حديثة التنمية من بينها، لندرك أن ما قلناه وما ألمحنا إليه، يرصد الواقع القائم، ولا يبالغ في أبعاد وحجم الإشكالية.

 نقول: الطابع المعماري والعمراني هو حَصَاد الثقافة و”مرآتُها” أو صورتها الصادقة. وحين تتمايز الثقافة وتتميز وترتقي، سيرتقي الطابع، فالطابع نتاج للمجتمعات، المستعملين والمُلاك، والمتحكمين في العمران والنتاج المعماري والعمراني ومن بينهم المعماريين، وفي الأوقات الرائعة التي تميزت وتمايزت فيها العمارة، كان المجتمع متميزاً، حتى عندما كان أغلب المعمار بغير معماريين.

 ونكرر إن أزمة الطابع، تداعيه وتشويهه وضياعه، هي أزمة “الثقافة” المجتمعية، وأزمة التنمية وأزمة المجتمع، و”سيَصِح” الطابع العمراني ويزدهر، عندما “تنطلق” التنمية، وتتنامى الثقافة.


 ويشير كل ما سبق إلى إشكالية مركبة، متعددة الجوانب والمستويات، تفرض نفسها على المحافل الثقافية والفكرية، والتعليمية المعمارية والعمرانية، وتستوجب كلها، الإسترجاع والتدقيق، والطرح والتعامل المبدع – عَلَنا ننجح في المدى القريب أو المتوسط في الأخذ بأسبابها وفي التعامل المُبدع معها، وقد نتمكن عندها من إستعادة بعض إيجابيات طابع عمراننا في أوقات تألقه، وفي استحداث طوابع جديدة، تُعَبر عن ثقافة أو ثقافات مبدعة ترتبط بالزمان والمكان، وتعكس إمكانات وتميز المجتمعات، ولعل ذلك اليوم ليس بعيد .. أو هكذا نأمل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s