الأخلاق الخاصة والعدالة العامة : النظام والفوضى في مصر القديمة

بقلم : ميار قطب …

يتعرض الفلم الوثائقي “اكتشاف مصر: الملحمة القديمة الكاملة” للصراع الأبدي بين النظام (ماعت) والفوضى (نون) ذالك الصراع الذى ادي في نهاية المطاف الى توجيه الحضارة المصرية القديمة. (Morgan) حيث شكل واحد من اعقد وربما أكثر الأفكار المترسخة والمنتشرة في المجتمع المصري القديم. وتحاول هذه المقالة دراسة كيفية ممارسة هذه المفاهيم من قبل القدماء المصريين. بدون التركيز على فترة زمنية محددة ولكن من خلال إجراء تحليل عام لفهم الوجود الفعلي لهذا الصراع  داخل كلا من الوعي المصري القديم من ناحية والممارسات العملية من ناحية اخرى.

الإلهة ماعت 

صُورت ماعت إلهة النظام المصرية القديمة على هيئة امرأة شابة جالسة او واقفة تحمل بيدها صولجان (رمز السلطة) في يد واحدة وعنخ (رمز الحياة الأبدية) في اليد الأخرى. وصُورت أيضا ذات أجنحة أو في كثير من الأحيان كامرأة مع ريشة نعامة على رأسها. ومثل حالة معظم آلهة مصر القديمة ، فإن أفضل طريقة لفهم ماعت هو تصورها  كفكرة ، او ما يتعدى ذلك الى مثل أعلى. وعموما فإن اسم ماعت يترجم عادة بأنه “تلك المستقيمة” أو “الحقيقة” ، ويستخدم للدلالة على النظام ، والتوازن ، والصدق والعدالة. (Ancient Egypt Online Ma’at) لذا كانت ماعت تجسد النظام والانسجام. واستنادا إلى بعض اقدم السجلات النصية  التي وجدت في هرم أوناس (حوالي 2375 قبل الميلاد و2345 قبل الميلاد) ، فإن اعتقاد المصري القديم كان يعتبر ماعت القاعدة الثابتة في الطبيعة والمجتمع. (Morenz 273) وعليه  فإن الجزء الأول من هذه المقالة سوف يركز على كيفية  قام المصريون القدماء باستخلاص تصوراتهم  لماعت من البيئة الطبيعية والكونية ، في حين أن الجزء الثاني سوف يدرس الكيفية التي سعى المصريين لتطبيق تصوراتهم عن ماعت فيما يتعلق بالفرد والمجتمع.

maat (moh)

(جدارية للفنان علاء عوض مستوحاه من الفن المصري القديم تصور مشهد لماعت. الاقصر، مارس 2015 تصوير: محمد علاء)

المفهوم : ماعت والكون

كانت ماعت الفكرة .. محورية واساسية لفهم الكون والتوازن والنظام الإلهي في مصر القديمة. كان المصريون القدماء يعتقدون أن الكون منظما وعقلانيا. شروق وغروب الشمس والفيضان السنوي لنهر النيل وبالطبع مسارات النجوم القابلة للرصد ، كل تلك المظاهر وغيرها عملت على ترسيخ مفهوم أن هناك ديمومة لوجود أساسي في طبيعة كل شيء. (Ancient Egypt Online Ma’at) فهموا المصريون أيضا أنه لم يكن من الممكن لهذا الكون ان يكون مثاليا بل متوازن. وآمنوا بأن ما كان يحدث على الأرض فيما يتعلق بالبيئة الطبيعية ، كان انعكاسا لما كان يحدث في الكون.

وكانت “ماعت” هي الإلهة التي تنظم النجوم ، المواسم ، تصرفات كل من البشر والكائنات الإلهية ، ووضع القانون المنظم في الكون عند لحظة إنشائه. وعلى الرغم من أن المصريين القدماء قد وضعوا العديد من النظريات المختلفة التي تفسر خلق العالم الا انه كان هناك عاملا مشتركا فيما بينها ، وهو نشأة العالم المنظم من مياه الفوضى البدائية. فقد رأوا أن الفوضى التي سبقت نشاة العالم المنظم ، قد وجدت فيما وراء العالم مثل مساحة لانهائية من المياه الخربة. وقد ارتبطت لدى المصريين القدماء هذه الهاوية المحيطية مع الفوضى ، الظلام والعدم ، وتمثل ذلك في الإله نون (يترجم بانه المياه البدائية). فقد رأوا نون حاضرا في كل قطرة مياه في تشكل النيل عند منبعه وفي فيضانه السنوي. (Ancient Egypt Online Ma’at) ورغم عدم وجود كهنة ولا معابد مكرسة خصيصا للإله نون ، الا انه كان ممثلا في البحيرات المقدسة في كل معبد وفي معظم الوقت كان يشار إليه في النقوش الدينية. وفي اعتقاد المصري القديم فإن الإلهة ماعت قد جاءت إلى حيز الوجود عندما ارتفع رع (إله الشمس) من مياه الإله نون (وذلك ما يوصف ماعت عادة كابنة لرع). ويمثل هذا الحدث إقامة النظام وأصل الحياة.

ومثلما آمن المصريين القدماء ان العالم المنظم قد نشأ من مياه فوضويه ، اعتقدوا المصريون ايضا أنه في يوم ما سوف ينزلق العالم إليها مرة اخرى. وأعربوا عن اعتقادهم بأن قوى الفوضى تترصد دائما وتهدد النظام القائم. ولذلك كان من الأهمية بالنسبة لهم الحفاظ على ماعت من أجل منع الفوضى من الاختراق. والأهم من ذلك لأن قوى الفوضى يمكن أن تحدث في أي لحظة ، تشبث المصريين القدماء بالإيمان العميق بأن النظام وليس الفوضى هو في الحقيقة إرادة الآلهة. (Morgan)

chaos

(جدارية للفنان علاء عوض مستوحاه من الفن المصري القديم تصور مشهد للفوضى. الاقصر، مارس 2015 تصوير: محمد علاء)

ممارسة ماعت : الفرد والمجتمع

رأى المصريون القدماء أن فكرة النظام (ماعت) التي تصوروها من رؤيتهم للكون كان حتميا أن تنفذ في المجتمع البشري من خلال العدالة. فان العدالة (ماعت) قد حكمت بالفعل حياة المصريين القدماء. فطبقا لـمانشيني Mancini كانوا لا يجدوا أي فرق بين العدل الإلهي والعدالة الإنسانية. (3) ويضيف مانشيني Mancini  الى رؤيته حيث أنهم كانوا أكثر اهتماما بالعدالة من القانون. (1) كان من واجب كل شخص الحفاظ والدفاع عن ماعت ، وكان يُنظر الى الفرعون على انه الحارس البشري الاهم للعدالة والذي يخدمها بوصفه ممثلا للصلة بين البشري والإلهي. فعند المصريين القدماء الفرعون كان ابن مجموعة متنوعة من الآلهة. ومثلما كانت تحافظ الآلهة على النظام في الطبيعة ، كان الفرعون الممثل المعين والملزم للحفاظ على النظام في المجتمع البشري. (Pinch 156) وكان دور الملك هو ضمان العدالة من خلال ممارسة التقوى نحو الآلهة والتعاطف مع البشر. فكانوا يعتقدون إلى حد كبير أن غياب الملك من شأنه ان يؤدي الى استحواذ الفوضى.

ولعل الترجمة الأكثر ملائمة وقدرة على تجسيد المعنى المعقد لـماعت هي التي استخدمها عالم المصريات الألماني خان أسمان Jan Assmann ، الذي ترجمها الى “العدالة الرابطة”. (2) حيث يقول ان العدالة بالنسبة للمصريين القدماء “تشير الى التنا­­­­­غم بين الاجزاء المكونة للكل” وهي التي تجعل من الاجتماع امرا ممكنا سواء مع الاقران او حتى مع الآلهة. (Assmann 133) لقد ربطت ماعت فعل الإنسان بمصيره ووصلت الفرد بمجتمعه. (Assmann 133)  ويشبه المؤرخ جو مانينغ  Joe Manning ماعت بـ “العقد الاجتماعي” الذي لا يحكم فقط العلاقات اللائقة بين البشر والآلهة وبين الملوك والمجتمع  وبين الأفراد وبعضهم البعض ، ولكن يحكم أيضا السلوك الأخلاقي الشخصي. (114) وتربت ماعت بين الجميع بداية من الآلهة الى الملوك ووصولا الى أدنى الطبقات من المزارعين والعمال. وذلك بوصفه انعكاسا للنظام الإلهي في العالم وأيضا أساس للسلوك الأخلاقي الخاص.

إن الطريقة التي اسُتخدمت بها ماعت  لقياس افعال الشخص في الحياة يمكن أن تبرهن على وجود شكل من أشكال العدالة التي كانت تمارس بشكل خاص بين الافراد والآلهة. حيث يمثل قلب الميت وعيهكان يوزن هذا القلب أمام كل الآلهة في مقابل ريشة النعام (ريشة ماعت) التي كانت رمزللعدالة. إذا وجد ان القلب أثقل من الريشة كان يلتهم روح الشخص ويوضع له أو لها  نهاية لوجوده. ولكن إذا وجد ان القلب أخف وزنا أو تساوي في الوزن مع ريشة ماعت فان هذا يعني أن الشخص قد عاش حياة فاضلة ومتوازنة من الناحية الأخلاقية وفي مقابل ذلك يستحق النعيم الأبدي في الحياة الأخرى. طبقا لـمانينغ Manning ان ذلك لم يكن تمثيلا للعدالة العامة للدولة وانما اقرب الى “تصوير حميم” للمسؤولية الأخلاقية الفردية الواعية. (115) اي كان تمثيلا لممارسة العدالة على المستوى الفردي، مما يدل على مدى تفرد السلوك الأخلاقي ، الامر الذي يوضح كيف كانت ممارسة الفضيلة على المستوى الفردي بصورة  تعكس فضائل ماعت امرا متوقعا داخل المجتمع المصري القديم. وكما تقول الدكتورة مرفت عبد الناصر، ماعت هي “الثقة التي وضعتها السماء في الإنسان والتي بها ومن خلالها مازال في إمكان الإنسان أن يتواصل مع الرب”. (78)

لقد كانت ممارسة العدالة العامة أيضا من قبل المصريين القدماء ضمانا للحفاظ على وجود ماعت  في المجتمع البشري. وكان دور الملك (الفرعون) بالغ الأهمية لهذا لأنه كان تجسيدا للسلطة العامة. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا نشأة العدالة والسلطة السياسية من نفس الأصول القديمة. (Manning 118) وقد كان من اهم طقوس الملك في عصر الدولة الحديثة هو الأعلان عن تقديم “ماعت” وتقدم الجداريات في صورا تعبرعن تبادل بين الآلهة والملك، يتعهد  فيه الملك بالحفاظ على النظام، العدالة ، والاستقرار السياسي.  (Teeter)

لقد استخدم الملك القانون والنظام الشرعي لممارسة العدالة العامة وفي الوقت نفسه رمزا لوجود ماعت في المجتمع. ولأن الملك كان في الحقيقة أعلى سلطة قانونية والمصدر المركزي للقانون ، فقد جرى النظر اليه على انه  الصلة بين القانون وبين ماعت. (Manning 116) والقانون كان يمارس عمليا من خلال المسؤولين المحليين والكتبة ، الذين كانوا مسؤولين عن النزاعات وكتابة العقود التي كانت كلها تتم وفقا لمبادئ ماعت. وقد كانت الأحكام القانونية النهائية للنزاعات ترفع أمام المحاكم وتقدم في فعاليات عامة وضخمة لتمثيل العدالة. ووفقا لمانينغ Manning كانت المعابد في مصر القديمة “تجسيدا حيا للنظام” وبالتالي تجسيدا لـماعت. (117) لم تكن المعابد أماكن خاصة للعبادة بالمعنى الحديث بل مؤسسات للدولة تمارس فيها الطقوس والمهرجانات العامة التي يمكن لعامة الناس حضورها. (Manning 117) وكان اهم تمثيل عام للعدالة يتمثل في المحاكمات المدنية عند بوابة المعبد التي كانت نفسها موقع رمزي للعدالة. حيث طبقاً لكلام مانينغ Manning تمثل بوابات المعابد “العلاقة بين العالم الخارجي من الفوضى والعالم الداخلي للنظام الكوني أو الإلهي والحقيقة”. (117)

في الختام .. على الرغم من التعقيد البالغ لماعت كمفهوم فانه من الهام جدا لنا محاولة استيعاب هذا المفهوم من أجل الحصول على فهم المعتقدات الأساسية للحضارة المصرية القديمة ورؤيتها للعالم المنظم. من خلال إظهار كيف كانت تمارس ماعت على المستوى الفردي والعام ، المقال حاول القاء الضوء على جوانب هامة في أساليب تعامل المصريين القدماء مع الآخرة وكذلك حياتهم اليومية. وإذا العدل هو الرب والعدالة هي محاولة البشر تطبيق هذا العدل على الأرض ، فماعت هي العدل والعدالة وبالتالي المفهوم والممارسة فى ذات الوفت.

* قامت بترجمة المقال من الإنجليزية: شيماء شاهين

المراجع Bibliography 

Blerk, Nicolaas Johannes Van. The Concept of Law and Justice in Ancient Egypt, with Specific Reference to the Tale of the Eloquent Peasant. Diss. University of South Africa, 2006

Mancini, Anna Ma’at Revealed: Philosophy of Justice in Ancient Egypt. Buenos Books America LLc, 2004

Manning, J.G. “The Representation of Justice in Ancient Egypt.” Yale Journal of Law and the Humanities. 241.1,  2013

Morenz, Siegfried. Egyptian Religion. Cornell University Press, 1973

Morgan, Jeff. Egypt Uncovered: The Complete Ancient Epic. Jeff Morgan. Kultur Video. DVD, 2010

Pinch, Gerlaldine. Egyptian Mythology: A Guide to the Gods, Goddesses, and Traditions of Ancient Egypt. Oxford University Press, 2004

Teeter, Emily. The Presentation of Ma’at: Ritual and Legitimacy in Ancient Egypt. The University of Chicago Press,1997

بدوي ، عبد الرحمن. تاريخ مصر وحضارتها: الحياة الدينية والعبادات عبر التاريخ المصري القديم. مركز الشرق الاوسط الثقافي ، 2010

الناصر، مرفت عبد الناصر. لماذا فقد حورس عينه؟ قراءة جديدة في الفكر المصري القديم. دار شرقيات للنشر والتوزيع ، 2005

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s