التقلبات السياسية بين حضرية العمران وفوضويته

بقلم : شيرين رشدي …

كان للتقلبات السياسية والتاريخية في مصر دور مهم في تشكيل النسيج العمراني, شكلا ومضمونا, هوية ً ونسقاً, حيث تعتبر السياسة في مصر أحد المحركات المهمة التي صاغت الواجهة العمرانية عبر الأزمنةٍ وحقب السياسية، وذلك لأن أغلب الحكام الذين حكموا مصر قاموا بفرض سياستهم علي جميع أركان الدولة سواء كان في المجال السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو العمراني, فمنذ تولي الوالي محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة وما أحدثه من تتطور إقتصادي وسياسي وعمراني للبلاد, ومن ثم تولي الخديوي إسماعيل والذي إرتبط اسمه بمشروع التنمية المتكامل, محدثا بذلك طفرة في الخريطة العمرانية في القاهرة, وشهد العالم في عهده مولد مدينة جديدة تشبه لحد كبير مدينة باريس ذات الشوارع الواسعة والمباني الحديثة بطرزها الأوروبية, فقد كان لتأثره بالفكر الأوروبي دور فعال في صياغة العمران الجديد, وفي المقابل تركت المدينة القديمة كما هي دون تنمية أو صيانة, فأشغلت بعض الفراغات وشقت بعض الشوارع فلم يُحدِث ذلك تغير جذري في شكل المباني ونسق العمراني للمنطقة, إلا أنه مع مرور الوقت تدهورت وتغيرت بعض ملامحها, وبذلك إنقسمت القاهرة إلي مدينتين مدينة حديثة “حي الإسماعيلية” قصر النيل ووسط البلد حاليا, ويسكنها الباشوات والبهوات والظباط الإنجليز والجالية الأجنبية, والمدينة الأخرى مدينة محلية “مدينة المصريين”, فأصبحت القاهرة تحتوي علي مجتمعين مختلفين في كل شئ سواءً كان عمرانيا أم ثقافيا أم إجتماعيا, ومع تعاقب الحكام وتولي الخديوي توفيق ودخول الإستعمار الإنجليزي بشكل رسمي سنة 1882 أصبحت القاهرة مدينة مستعمرة وظهرت ثلاث أحياء جديدة ( جاردن سيتي- المعادي- مصر الجديدة) مع بداية القرن العشرين وهذه الأحياء كانت تعكس هيمنة المستعمر ليس عمرانيا فقط بل في جميع النواحي الحياة.

  

شارع قصر النيل في القاهرة عام 1867 م  شارع قصر النيل في القاهرة عام 1867 م حيث يتضح لنا الشوارع الواسعة والمباني ذات الطرز المعمارية الأروبية . [1]

 oldcairo1870s

   صورة للقاهرة 1870 توضح نسيج المتعرج المدينة القديمة وشكل مبانيها[2]

وعلي صعيد آخر ظهرت عدة توجهات رافضة كل سبل الإستعمار, فمثلا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني تم إحياء العمارة الإسلامية بشكل واضح, وإستمر هذا الرفض في عهد ملكيّ مصر فؤاد الأول وفاروق, حيث تم في عهدهم إنشاء العديد من التماثيل التي تمثل النضال والحرية مثل تمثال نهضة مصر وتمثال سعد زغلول, بالإضافة إلي إزدهار حركة التعليم والتنوير الفكري والثقافي حيث إلتحقت مصر في العشرينيات والثلاثينيات بالمدارس العمرانية الفكرية الأوروبية الحديثة خاصةً في منطقة وسط البلد, وأيضا ظهرت التيارات المعمارية والعمرانية التي تدعوا إلي العودة إلي التراث (الطراز الإسلامي – الطراز الفرعوني) وكان رواده المهندس مصطفى فهمي ومحرم باشا. واستمر هذا الصراع بين حركات المقاومة والإستعمار إلي قيام ثورة 23 يوليو وتولي الرئيس محمد نجيب ثم الرئيس جمال عبد الناصر الذي أراد أن تكون مصر من الدول الرائدة في العالم إقتصادياً وصناعياً وزراعياً وعلمياً متأثراً بما سبقته الدول الشيوعية والإشتراكية في هذا الدرب, فكان يريد ان يحقق العدالة الإجتماعية لجميع المواطنين, وبذلك حصل تحول من الإيديولوجية الرأسمالية والإقطاعية إلي الإيديولوجية الإشتراكية والقومية عن طريق إلغاء النظام الطبقى من جهة, ومن جهة أخري جعل القاهرة عاصمة للأمة العربية , كما أن هذا التحول تضمن أيضا المستوى العمراني والمعماري, وأيضا تغيرت الخصائص الإجتماعية للمجتمع المصري وبالتالي تغيرت متطلباته وإحتياجاته من الإسكان فظهرت أنماط معمارية جديدة لم تكن موجودة في السابق, وتبنت الدولة عدة مشروعات عمرانية لمواجهة القصور في الإسكان من ناحية ومواكبة التطور الصناعي والتكنولوجي من ناحية اخري, فأنشئت شركة مستقلة للتعمير والبناء سميت باسم “شركة التعمير والمساكن الشعبية” فظهر الإسكان المحدود الدخل والشعبي والمتوسط والجماعي والصناعي وتميزت هذه المباني بالنمطية والتكرارية, ومن أهم أعمالها مشروع مدينة نصر, بالإضافة إلي تخطيط مناطق الإسكان الصناعي, ولابد أن نذكر ما طرأ علي الأحياء والمباني التي أُنشأت في عصر المستعمر مثل جاردن سيتي والزمالك ومصر الجديدة والمعادي, فهُدمت بعض القصور والفيلات وأزيل ما حولها من حدائق وأقيم علي كامل قطعة الأرض عمارة أو اكثر بإرتفاع ما يزيد عن عشرة أدوار بينما البيئة المحيطة ذات إرتفاعات منخفضة مثل حي المعادي, وأيضاً تعرضت العديد من القصور للتشويه والتدمير وفقدان كثير من عناصرها الفنية المتميزة وتغيرت إستخدامتها باستخدامات خدمية كإنعكاس واضح لمحو كل أثار الإستعمار والحكم الملكي مثل سرايا سعيد حليم في شارع شامبليون وجعلها مدرسة الناصرية الإعدادية سابقا والآن أصبحت مبنى متهالك ومهمل. وسرايا شويكار هانم زوجة الأمير إلهامي حسين في قصر العيني وجعلها مدرسة قصر الدوبارة, وبتالي تغيرت شكل وخصائص هذه القصور والمباني نتيجة لتغير إستخداماتها .[3]

 سعيد حليم

   سراى سعيد حليم باشا في شارع شامبليون – مدرسة الناصرية الإعدادية سابقا- والآن أصبح مبنى متهالك ومهمل

 بالإضافة إلي مجموعة القوانين التي أصدرت في هذا العهد, وبمقتضاها تمكنت الدولة من دخول كطرف أساسي في كل المشروعات العمرانية, وتأميم قطاع المقاولات, وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر, مما أدى إلي هبوط في عدد المساكن, بالإضافة إلي الحروب التي مرت بها البلاد التي إستنزفت جميع موارد الدولة وطاقتها المالية فاتبعت الدولة سياسة التقشف والإقتصاد في تكاليف مواد البناء والإنشاء, وإستمرت المشروعات العمرانية تسير بخطى ثابتة حيث كان التوجه السياسي للدولة هو خدمة المجتمع وليس الربح إلي أن جاءت حقبة الإنفتاح الإقتصادي عام 1974 وهي السياسة التي تبنتها الدولة إبان حكم الرئيس محمد أنور السادات بعد حرب أكتوبر, وتغير بذلك التوجه السياسي والمالي للدولة من الإشتراكية إلي الرأسمالية والإقتصاد الحر, ورفعت يدها عن أصحاب الدخول العليا, وعن الحراسات أيضا, وبتالي عمل ذلك علي فتح مجالات الإستثمار من جديد سواء كان أجنبيا أم مصريا بعدما أحجم العديد من المستثمرين على الإستثمار في مصر بسبب قرارات التأميم. وتدفقت العديد من الإستثمارت والمشروعات العمرانية وخاصةً الأجنبية, منها ما كان جيدا مثل مستشفى القصر العيني الجديد والمستشفى التعليمي لجامعة عين شمس, بالإضافة إلي العديد من الأبراج السكنية والمباني الإدارية ذات الواجهات الزجاجية.

ومع إرتفاع دخول طبقات جديدة من المجتمع بفعل الهجرة إلي الدول النفطية وبإرسال التحويلات المالية إلي ذويهم عمل ذلك على زيادة ضخ الأموال إليهم, مما أدى إلي ظهور إستثمارات جديدة ومشروعات صغيرة مثل الورش الحرفية ومحلات البقالة والسوبر ماركت, وإنتشرت شركات المقولات بصورة كبيرة في هذه الفترة والتي كان هدفها الربح فقط بغض النظر عن شكل ووظيفة المبنى, فظهر معها مباني الطوب الأحمر والمباني الخرسانية التي لا تحتوي واجهاتها إلا علي الشبابيك والبلكونات فقط مع إختلاف ألوان الدهانات من مبنى إلي آخر, وإتجه المهندس إلي تصميم وتنفيذ المناطق الحضرية, بينما إتجه المقاول إلي تصميم وتنفيذ المباني في مناطق الإسكان الغير رسمي “المناطق العشوائية” ومع مرور الوقت إنتشرت هذة المباني بشكل سرطاني في القاهرة.

وبالتالي تعتبر هذه الفترة هي نقطة التحول الثانية في تاريخ العمارة المصرية من وجهة نظري بعد الخديوي إسماعيل, حيث حدث تغير واضح في شكل وملامح وهوية العمارة في القاهرة, وذلك بسبب ما طرأ علي الخصائص الإجتماعية والإقتصادية للمجتمع القاهري نتيجةً لتزايد أعداد المهاجرين من عمال البناء والحرفيين والفلاحيين سواء كان إلي الدول النفطية أم إلي القاهرة وتحولهم إلي بوابين أو أصحاب مشاريع, وبالتالي تأثرت وتغيرت التركيبة السكانية للقاهرة, فقد إنضموا هؤلاء المهاجرين إلي الطبقة الأعلي منهم وإستبدلوا أساليب حياتهم بحياة اخرى, وقاموا بفرض خصائصهم الإجتماعية علي متطلباتهم في السكن والمعيشة والإستثمار وبالتالي تغيرت التركيبة السكانية والعمرانية للقاهرة كما رأي الكاتب جلال عامر[4], وعلي جانب آخر إتسعت الرقعة الغير مخططة التي حلت محل الأراضي الزراعية التي كانت تحيط بالقاهرة,  بفعل إرتفاع معدلات الهجرة إليها ومع عدم تمكن الدولة من إستعاب هذه الزيادة في مشروعات الإسكان الحكومي فإنتشرت العشوائيات بشكل كبير, وإلتحمت المدينتان اللتان إنفصلا منذ عهد الخديوي إسماعيل والإستعمار وأصبحت القاهرة مدينة واحدة متلاحمة ومتضادة ومتداخلة الخصائص الإجتماعية والعمرانية, ومع غياب الدور الرقابي والتغيُر المستمر في القوانين وتشريعات البناء ساعد ذلك أيضا علي التلاعب بالقوانين وبالإرتفاعات وبالتالي زيادة كثافة بعض المناطق السكنية وتغير خصائصها العمرانية, وهذه المتغيرات أدت في النهاية إلي إختلاف في الذوق العام وتضارب في سمات ومعاني الجماليات وبالتالي إختلال الصورة البصرية للأحياء ومناطق القاهرة.

arab maadi

نشأت عرب المعادي علي السكة الحديد  ثم إندمجت مع البساتين وفايدة كامل وإتسعت مساحتهم وإلتصقوا بحي المعادي في فترة ما بعد السبعينيات

  أما المدينة القديمة التي تركت منذ عهد الخديوي إسماعيل تغيرت ملامحها وتدهورت مبانيها, وبرغم إنها مازلت تحتوي علي رصيد هائل من المباني التاريخية إلا أن إختراقها العديد من المباني الخرسانية التي لاتتناسب مع المنطقة شكلا أو مضمونا ًحيث لم تكن هناك قوانين أو تشريعات تحدد أشكال وإستخدامات المباني في هذه المناطق, وأصبحت هذه المباني مع الوقت تناطح بإرتفاعاتها مآذن مساجد القاهرة وإستحدثت عليها العديد من أنشطة جديدة, فتحولت المدينة القديمة إلي نسيج عشوائي يضم رصيد هائل من المباني التاريخية.   [5]

 893075_10151452792493647_185438945_o

   صورة للقاهرة القديمة تظهر فيها المباني الخرسانية وسط  القباب والمأذن – تدهور المباني القديمة وظهور مباني جديدة

  ومع دخول سياسة رجال الأعمال في بداية القرن الواحد والعشرين ظهرت العديد من أنماط العمارة التفاخرية والإستعراضية خصوصا في مناطق الإسكان الجديد.

فلو تجولنا في شوارع القاهرة نجد أن هناك تضاد واضح بين أحياء المدينة القديمة وبين أحياء المدينة المستعمرة وبين الأحياء الناصرية وبين أحياء ما بعد الإنفتاح وبين مناطق الإسكان الغير رسمي ” المناطق العشوائية” ومناطق الإسكان الرسمي, وفي نفس الوقت نجد هناك أيضا تضاد بين مناطق الإسكان المتقاربة وبين مساكن المنطقة الواحدة من حيث النسيج العمراني وشكل المباني والفراغات, وأيضا علي كورنيش النيل – فنجد التنوع والتناقض بشكل واضح علي طول الكورنيش, فمن الفنادق الفاخرة والمباني الإدارية المهمة إلي الأبراج والعمارات السكنية العالية إلي المباني القديمة والمباني المتدهورة وربما يعود هذا إلي أن التضاد كان موجود في المجتمع المصري للعدة أسباب منها :

–         التغيرات السياسية المتلاحقة والمتقاربة في الأزمنة.

–         إختلاف العوامل المؤثرة علي العمارة والمجتمع طبقا لإختلاف سياسات الحاكم.

–         التداخل الواضح بين فئات وطبقات المجتمع في نفس المنطقة وذلك بسبب ظاهرة الهجرة.

–         سياسة الإنفتاح الإقتصادي وفتح الباب امام الإستثمارات الأجنبية والعربية وسحب يد الدولة من مختلف صور التدخل في القرارات الفردية بعدما ما كانت الدولة هي المسؤولة  والمتحكمة الوحيدة في كل الجوانب سواءً كانت سياسية أم إقتصادية أم ثقافية أم عمرانية.

 new maadi-basateen

تداخل المناطق المخططة مع مناطق العشوائيات في منطقة المعادي الجديدة والبساتين

 وهذا التعاقب والتنوع في أشكال السياسات التي تغيرت وفقا لتغير النظام السياسي أثرت علي طبيعة المجتمع المصري وعمارته، لأن العمارة ما هي إلا إنعكاس صادق لحياة الشعوب.

وهكذا ساهم التاريخ في تقلباته السياسية علي عكس تبايناته وتناقضاته علي شكل عمارة القاهرة سواء كان قديما أم حديثا.


المراجع ومصادر الصور

[1]  أهل مصر زمان – الصفحة الرسمية علي الفيس بوك.

[2] http://www.robapikia.com

[3] https://www.flickr.com/photos/mskhedr

[4] ماذا حدث للمصريين, تطور المجتمع المصري في نصف القرن 1945-1995 .

[5] عدسة أيمن سعد الدين


  شيرين رشدي

MSc degree in Urban Planning, Faculty of Engineering, Cairo University5

Graduation Project: The Political Transformation and its effect on Urban Cairo during the 20th Century

BSc degree in Urban Design and Regional Planning, Faculty of Urban and Regional Planning, Cairo University

Graduation Project: The Re-planning of Ber Abd In Sinai

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s