مشروع حلم باريس الشرق

بقلم : دينا علاء …

حى الإسماعيلية فى القاهرة بين حلم الخديو و واقع المجتمع

الصورة عن صفحة مصر زمان

الصورة عن صفحة اهل مصر زمان

كانت القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حاضرة الولاية المصرية العثمانية وعاصمتها ومركز الحياة السياسية والإجتماعية والأقتصادية ؛ فالقــاهرة مركز إقامة الطبقة الحاكمة من النخب السياسية المجتمعية من كبار الملتزمين وكبار التجار والمشايخ والعلماء ، مما يجعل منها المركز السياسي والإداري المركزي لمجمل الوحدات العمرانية والإجتماعية للولاية سواء الحضرية منها أوالريفية على السواء , فالقاهرة هي دوماً مركز مؤسسات الحكم العسكرية والمدينية ، كما إنها هي المركز الأقتصادي مقارنة بالتجمعات العمرانية الأخرى إذ تمثل سوقاًللمنتجات المحلية والخارجية بأعتبارها أكبر تمركزللقوة الشرائية ، ومن ثم أهم مركز حرفي لإشباع أحتياجات هذا السوق وتضم في بنائها الهيكلي الطوائف الحرفية بمختلف أنماطها . وأخيراً فالقاهرة هي أهم مركز للإشعاع الثقافي والديني السائد حينها من خلال مؤسسات التعليم التقليدية وفي مقدمتها الأزهر أو من خلال الطرق الصوفية ؛ تلك هى صورة القاهرة فى نهاية القرن الثامن عشر و مطلع القرن التاسع عشر مع بداية حكم على باشا و الاسرة العلوية من بعده التى شهدت معه القاهرة تغييرات عمرانية لا سيما مع اسماعيل باشا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.

1896 شارع الصاغة

1896 شارع الصاغة

1896 شارع سوق السلاح أ

1896 شارع سوق السلاح أ

لقد عرفت القاهرة تغييراتها العمرانية فى الوقت الذى كانت تجرى فيه التحولات فى باريس تحت ادارة هاوسمان و بدت القاهرة كانها تتبع تلك الحركة .كان اسماعيل باشا يسافر لاوروبا بصفة دورية منذ ايام دراسته واثناء ولايته و تحديدا فى يونيو 1867 غادر الاسكندرية للقيام بجولة جديدة , كانت المرحلة الاولى زيارة معرض باريس العالمى و كان ذلك اول معرض تشارك فيه مصر و لها فيه 4 اجنحة , اكبر من التى شغلتها الدولة العثمانية و قدمت فيه لوحة لوادى النيل منذ العصر الفرعونى ثم العربى حتى اخر الاكتشافات ؛ كانت باريس التى تحولت تحولا كبيرا بفضل عشرين عاما من الاعمال هى النموذج الذى وضعه الخديوى نصب عينيه ولم تكن القاهرة قد خرجت كثيرا عن الحدود التى عرفتها خلال الحملة الفرنسية و ليس فيها شارع عريض مطلل او مقهى كبير او مسرح او اوبرا او سيرك او ميدان سباق الخيل التى تتواجد بانتظام فى فيينا و باريس و كان يصعب تهيئة تلك المنشات داخل نسيج غير منتظم و متقطع فى المدينة القديمة لذلك لم يكن كافيا تشييد المبانى الناقصة و لكن من اللازم تحقيق اطار وجود مساحة مدينية مستحدثة تصلح لاقامة مبان من نوع لم يكن له وجود فى مصر ,مما دفع الخديوى للاتصال برئيس مقاطعة السين لكى يجمع روؤساء العمل ممن ينقصونه بمصر و اشار عليه هاوسمان بالعديد من الفنانين و البستانيين مثل باريللى ديشان Barillet-Deschampsو بيير جرانPierre Grand .

مشروع القــــاهرة

وتم بالفعل إعداد مشروع قانون بمعرفة على باشا مبارك بتوجيه من الخديو يضع إطاراً لمشروعات إسماعيل باشا العمرانية ساير فيه مخطط المهندس الفرنسي بيير جرانPierre Grand ،ولقد أشتمل هذا المشروع على مجموعة من الإجراءات أهمها:

– إزالة ما بقي من الخرائب وتلال الأتربة التي كانت تحيط بالقاهرة تمهيداً للبناء عليها وتزويدها بالحدائق والأشجار

– ردم البرك والمستنقعات .

– نقل المدافن الواقعة في وسط القاهرة وتحويل أماكنها إلى ميادين وأحياء وبساتين .

– إصلاح مداخل القاهرة وإزالة أي عقبات تعرقل الدخول إلى العاصمة أو الخروج منها .

– تجفيف الأراضي وعمل مشروع مجاري القاهرة .

– رصف الطرق وغرسها بالأشجار ووقايتها من القاذورات .

– إنشاء حدائق عامة .

– تعمير الأحياء القديمة وإصلاحها وتزويدها بمياه الشرب والغسيل .

– تعديل مجرى نهر النيل وتزويد القاهرة بالمياه الصالحة للشرب .

– تخطيط مناطق جديدة خارج حدود المدينة القديمة .

– شق الشوارع الواسعة في الأحياء الجديدة .

– شق الشوارع الواسعة في الأحياء القديمة وربطها بالميادين الرئيسية في العاصمة .

– إعداد طرق النقل والمواصلات داخل المدينة ورصق الشوارع وربطها بالمدن المجاورة .

– إنشاء الكباري لربط القاهرة بالجيزة .

– إنشاء مبان عامة للمؤسسات كدار الكتب ودار الأوبرا والمحاكم والجمعيات العلمية .

– تطوير وإنشاء محطات جديدة للسكك الحديدية .

إلا إنه عند التطبيق أقتصر التطويرعلى منطقة غرب القاهرة على الضفة الشرقية للنيل ، ولم تحظى الحارات والأحياء القائمة من القاهرة برؤى التنمية والتطوير و اقتصرت التنمية على المناطق الجديدة غرب القاهرة و سمي المشروع بـ ” مشروع باريس الشرق ” ويمكن تلخيص المشروع فيما يلي :

– مشروع تحويل مجرى النيل : وقد أحتاج تحويل مجرى النيل عن موضعه الأول ( كان بمحاذاة شارع الدقى) بواسطة إنشاء حاجز لتحويل أتجاه التيار وإقامة جسر يمتد من الجيزة إلى إمبابة وبذلك أنتقل فرع النيل الرئيسي إلى مجراه الحالي وردم الجزء الأكبر من مجراه الأصلي وتحولت تلك المنطقة الى منطقة العجوزة والدقي حالياً .

– مشروع تطوير المنطقة الشمالية : خططت المنطقة لتتحول إلى أحياء الفجالة والسكاكيني ، الذي كان يعد أحد أحياء الأسماعيلية وأنشئ بها محطة القاهرة و ميدان المحطة .

– مشروع تطوير منطقة عابدين : كانت تلك المنطقة عبارة عن بركة كبيرة وتحيط بها مجموعة من الخرائب والمستنقعات فردمت مستنقعاتها وردمت البركة للتتحول إلى ميدان وأنشئ قصر عابدين ثم خططت المنطقة بأكملها بما فيها من شوارع رئيسية معروفة أهمها شوارع عابدين وعبد العزيز وإبراهيم باشا والخديو إسماعيل

– مشروع تطوير منطقة الأزبكية : كانت توجيهات الخديوى لمهندسه مثل باريللى ديشان Barillet-Deschamps بأن تجمع الأزبكية بين جمال حدائق غابة بولونيا في باريس وبين منطقة أوبرا باريس والأحياء الفرنسية التي تلتف حولها . وبالفعل قام المهندس الفرنسي بتطوير الأزبكية وظهرت حديقة الأزبكية سنة 1872 على نمط حدائق باريس ، وأشتمل تخطيط المنطقة على كل من ميادين العتبة الخضراء والأوبرا والخازندار

– مشروع تطوير منطقة الشاطئ الشرقي : وتشمل توصيل القاهرة القديمة بشاطئ النيل بعد نقل مجراه وتشمل تخطيط الأسماعيلية وباب اللوق والدوايين والمنيرة ، وميدان الأسماعيلية وما يتفرع منها من شوارع رئيسية ، وقد تم رصف شوارع جميع المنطقة وعمل الأرصفة ومرت في جميعها مواسير مياه الرش للحدائق وأضاءت مصابيح الغاز الشوارع .

– مشروع تطوير الشاطئ الغربي : وهي المنطقة التي أنشأت من تحويل مجرى النيل وتشمل المنطقة التي تقع بين شاطئ النيل الحالي وشارع الجيزة الرئيسي ، ويشمل التخطيط إنشاء غابة كبيرة أو أورمان أسوة بغابة بولونيا في باريس ، وأنشئت بها حدائق الحيوانات وسراي الجيزة ، كما شمل المشروع مدخل القاهرة الغربي وهو طريق الأهرام .

– مشروع تطوير منطقة الجزيرة ( الزمالك ) : وهي التي تكون شكلها الحالي نتيجة لتحول مجرى النيل وتحولت الجزيرة إلى مجموعة من الحدائق وضع لها تخطيط يشمل شارع الجزيرة الحالي وكوبري قصر النيل وكوبري الجلاء ثم شارع الجبلاية وشارع النيل وأنشئ بها قصر إسماعيل (الماريوت الان) الذي يطل على النيل .

حي الإسماعيلية :

و تأتى فى أولويات مشروع ” باريس الشرق ” تنمية الحى الجديد المعروف بحى الإسماعيلية , لم تكد تمضى عدة اشهر على تولي الخديوى اسماعيل الحكم حتى اخذ على عاتقه انشاء هذا الحى على الناحية الغربية من الازبكية (المساحة المحصورة بين القاهرة و النهر و بولاق) و كلف ناظر الاشغال العمومية نوبار باشا فى ذلك الوقت بتنفيذ العملية لضمان ادارة المشروع و اشترك مع شركة خاصة (شركة مصر الصناعية و الزراعية) حيث كان من اهم المساهمين فيها المصرفيان ديرفيو و اوبنهايم و اصبحت الشركة صاحبة الامتياز على الجانب الاكبر من الاراضى (80%) و فى المقابل كان على الشركة ان تنفذ على نفقتها مد الطرق و بناء المرافق العامة و ان تتولى ادارة بيع القطع المقسمة الا ان المشروع فشل و لم يتم اعداد الارض و بعد 18 شهر من العمل باعت الشركة قطعتين فقط .و بعد حوالى عامين من بداية المشروع قرر اسماعيل استعادة زمام الامور بواسطة ادارة الدائرة الخاصة (ممتلكات الخديوى الخاصة) الا ان الاتفاقات مع ديرفيو و اوبنهايم استغرقت وقتا اطول مما قدر لها و اقسام الدائرة الخاصة لم تكن تمتلك الوسائل اللازمة لتنقيذ اعمال التوسعة فى الحى الجديد.

بعد عودة الخديو من باريس فى سبتمبر 1868 , ظل يعد لاحتفالات افتتاح قناة السويس و عهد الخديو بالتنفيذ الى شركة المياه و بالفعل سلم كوردييهCordier المسئول عن شركة المياه للخديوى اول مقايسة لاعداد الازبكية فى مارس 1968 و بعد عدة شهور تم تكليفه باعداد تخطيط لتوسيع حى الاسماعيلية اكثر طموحا من السابق لا يهتم فقط بشق الشوارع و تقسيم القطع لكن يحدد ايضا مواقع المبانى العامة الاساسية , لم يبدا افتتاح تقديم الطلبات للحصول على التزامات بحى الاسماعيلية الا فى شهر ابريل 1869 اى قبل افتتاح قناة السويس بعدة شهور , كان التنازل عن الارض يتم بلا مقابل و بمنحة شخصية من الخديو بناء على مجرد طلب و تعهد بالبناء عليها و القواعد الوحيدة التى يتعين عليها احترامها تتعلق بتخطيط التنظيم و ارتفاع عتبات المبانى و تمثل رد الفعل المباشر فى تسليم 42 تنازل خلال الشهر الاول و تباطأ خلال الاشهر الثلاث التالية . و لم تسند للشركة مسئولية الرقابة على مدى احترام شروط العقد و خاصة الالتزام بالبناء و تركت تلك المسئولية للمحافظة التى كانت تسلم سند الملكية , و مع ذلك لم يكن المنتفعين فى عجلة من امرهم و يكتفون بتسييج الارض المسلمة لهم دون تحمل نفقات اكثر, وصل المدعوون لافتتاح قناة السويس فى بداية نوفمبر 1869 و وفقا لبرنامج الخديو كان المفروض ان تكون المبانى المرتقبة فى مرحلة الانتهاء بينما لم تكن قد بدات اى اعمال فى معظمها و حى الاسماعيلية لم يكن له وجود الا فى اطار تخطيط طرقه و عمد الخديوى الى توقيف توزيع الاراضى بمجرد انتهاء احتفالات القناة و سحب العملية من شركة المياه .

و بعد محاولات فاشلة استمرت حوالى 7 سنوات , لم يعد الخديو فى استطاعته المضى قدما فى الاعمال اللازمة بالاعتماد على خدمات دائرته ولا على خدمات المشروعات الخاصة, اتجه الخديو الى محافظة القاهرة و انشأ الخديوى مصلحة الطرق فى 1870 ومع تعيين بيير جران Pierre Grand مديرا لها , ركز جران على بحث الاثار الفعلية لعملية التوزيع المجانى للاراضى و للمرة الاولى اصبح لدى الادارة مستند يسمح ببحث نتائج سنوات عديدة من التجارب و الاخطاء فيما يتعلق بتنمية حى الاسماعيلية و اخذ الخديوى على عاتقه بناء دار للاوبرا و ميدان سباق للخيل و بالرغم من التشديد الشروط على عاتق المنتفعين بالاراضى الموزعة فقد استمروا بابداء مقاومة و لم يتاخر رد فعل الخديو و الغى الامتيازات الممنوحة للمنتفعين الذين لم يوفوا بتعهداتهم و بدات مطاردة المنتفعين الغيرمبالين و سلسلة من القضايا لا نهاية لها , إلى ان بالفعل نشرت خطة جران فى 1874 و تضمنت اعمال تجديد فى نسيج الاحياء القديمة و ربطها بالحى الجديدة و شق الطرق بالمدينة القديمة و شمل 178 هكتار لتعميرها خلال 6 سنوات غرب و جنوب الازبكية و طرحت فكرة مد الصرف الصحى و شبكة مياه فى الاحياء الجديدة الا ان تم التخلى عن العديد من المشاريع التى تم ذكرها اوتاجيلها .

وفي الفترة ما بين سنة 1874 حتى سنة 1890 بدأ إعادة تقسيم الأملاك الكبرى في هذه المنطقة إلى قطع أصغر، وشق شوارع لتوزيع قطع الأراضي الجديدة ، وكانت من المفترض أن تتميز بطرز معمارية تتمثل في القصور والفيلات التي تحيط بها حدائق وفى سنة 1910 بدأت المنطقة تشهد من جديد تحولات ضخمة ومتباينة تبعاً لطلبات السوق العقارية حينئذ والنسق الحضري الأوروبي المسيطر ، وبدأ إنتشار العمارات بدلاً عن الفيلات وتغير نمط السكن والأنشطة العامة بالمنطقة وأرتفعت العمارات على الأراضي المطلة على الشوارع الرئيسية ، وتوارت الفيلات في الشوارع الجديدة ، وتدريجياً مع إزدياد الكثافة أختفت الفيلات لتحل محلها عمارات متراصة ( يعتبرها البعض اليوم هي النسق التراثي لعمران القرن التاسع عشرلتلك المنطقة وفي هذا مغالطة تاريخية وعمرانية ومعمارية) ومنها على سبيل المثال ـ الأرض التي تحدها شوارع قصر النيل وشريف وصبرى ابو علم ومساحتها نحو 9.5 فدانا كانت من أكبربلوكات حي الإسماعيلية ، تم تقسيمها إلى تسع قطع مختلفة المساحات أكبرها نحو 1200 متر مربع ، مما أدى إلى ظهور شوارع الشواربي والبورصة والفضل ، ولم تقسم الأرض التي كانت تشغلها مثل العديد من الحالات الأخرى ، وإنما حلت محلها تماماً عمارة ” الإيموبيليا ” الشهيرة.

رؤية نقدية لمشروع “باريس الشرق”

1874 - cairo by Pierre Grand Bey

1874 – cairo by Pierre Grand Bey

بالرغم من تلك المظاهر التى اكتسبها المشروع العمرانى فى القاهرة ,الا انها لم تتبع ابدا الاسلوب الهاوسمانى , فلم تعرف القاهرة عمليا اعمال البنية التحتية التى كانت اساس الذى قامت عليه اعادة تنظيم باريس , ابتعدت كل من شبكة المرور و اعمال التقسيم و التصميمات المعمارية عن النماذج الباريسية و فى الوقت الذى كانت فيه شوارع باريس محفوفة بعمارات حسب تصميمات هاوسمان و ذات حوائط مشتركة خاضعة لنموذج و مقياس محدد بدقة , فان المبانى التى شيدت فى القاهرة خضعت لادنى تنظيم بما لا يترك مجالا لاى تنسيق فى الواجهات يضمن لها الانسجام الكامل .

كما انه مع نشر خطة جران 1874 لم تكن شبكة الطرق قد تحققت كلها و يرجع ذلك ان تم التخلى عن بعض المشاريع منها عن مشاريع لشق طرق للربط بين المدينة القديمة و المدينة الجديدة و الذى كان بوسعه ان يغير جذريا العلاقات بين المدينتين, لكنها كانت تحتاج الى امكانات مالية لنزع الملكيات الواقعة على مسار الطرق و تستلزم عمليات رفع خرائطية مفصلة و تشكيل لجان تقدير و هدم مئات المبانى و رفع الانقاض المترتبة على ذلك و لم يكن نظام الادارة الخديوية المفرطة فى مركزيتها و السيئة التدرج يتلائم مع عمليات تتطلب متابعة دقيقة لمختلف مراحلها ,وهنا غير اسماعيل برنامجه و تخلى عن عمليات شق الطرق التى كانت ستوحد المدينتين لكى يجرى تطويرات جديدة على الضفة اليسرى للنيل (اصلاح قصر الجيزة الذى تكلف حوالى5 مليون فرنك)

و من جهة اخرى تتميز ادارة المياه عامة فى المناطق الحضرية بتوازنها , فمن جهة لا يمكن تصور توصيل كميات وفيرة من المياه بدون تواجد شبكة موازية للصرف ولكن كانت تجرى ادارة هذه المتغيرين فى قاهرة اسماعيل بشكل مستقل كل منهما عن الاخر , فشركة المياه(شركة خاصة) تمد من جانبها شبكة حسب الطلب دون ان تضع فى اعتبارها تصريف المياه المستعملة , بينما تتولى المحافظة ادارة شبكة المجارى و ليس من اهداف شركة المياه تعميم نقل المياه فى المدينة, فهى تخاطب اولا افراد الاسرة الملكية و السكان الميسورين و هى غير مكلفة بتنظيم ما يمكن ان يسمى خدمة عامة . و اذا رغب فرد ما ان توفرالشركة له المياه لملكيته فان تكاليف تركيب المياه تكون على حسابه.و لا تملك المحافظة اية وسيلة لفرض خطة لتوصيل المياه على الشركة و لذا يتعين على مصلحة الطرق ان تتقيد بما تنفذه شركة المياه من اعمال لكى تمد شبكة المجارى التى لا يمكن تصميمها حسب خطةعامة, فالاعمال التى أنجزت فى باريس لتوصيل المياه و الصرف سواء تطلب نقل المياه من مصادر تقع على مسافة عدة مئات من الكليومترات من العاصمة او بناء مجارى المياه و الخزانات و تهوية كل شبكة المياه ,و لتطبيق هذاكان تستلزم استثمارات لا تقع تحت بصر الخديو و هو لا يتصور مدى ما يتطلبه قلب باطن شوارع باريس وهى السمة التى تميزت بها .

قصر عابدين - - المستطيل المظلل يمثل مشروع الميدان 1873 (لم ينفذ) فى حين ان توجيه واجهة القصرلا يمت بصلة بتكوين الميدان الاصلى

قصر عابدين – – المستطيل المظلل يمثل مشروع
الميدان 1873 (لم ينفذ) فى حين ان توجيه واجهة القصرلا يمت بصلة بتكوين الميدان الاصلى

 ميدان الاوبرا - الاوبرا لا تنظم الا الجهة الشرقية من الميدان الذى يحمل اسمها

ميدان الاوبرا
– الاوبرا لا تنظم الا الجهة الشرقية من الميدان
الذى يحمل اسمها

ومن الناحية التصميمية و التخطيطية كان هاوسمان يؤكد عدة مرات فى مذكراته على مبدأين فى التكوين العمرانى , اولا فهو لا يتصور ابسط خروج عن محور شارع دون ان يفصل بواسطة مبنى و هو يسعى عموما الى غلق منظور شوارعه ببنايات عامة وثانيا تخضع البنايات العامة للحيز الحضرى و تلك القاعدة نتيجة طبيعية للقاعدة الاولى و قد تكون محطة سكة حديدية , كنيسة , دار اوبرا مرتبطة بالاطار الذى يشغله كل منها , فحدود تلك البنايات و محور تكوينها و حتى ارتفاع افريزاتها يخضع للتأثير الذى يتعين ان تحدثه حسب مواقعها من المنظور المطلوب ,اما فى حى الاسماعيلية فى القاهرة نجد مبانى تخل بانتظام بالقواعد المتبعة فى باريس , فهى تقام فى قطع اراضى دون ان يوضع فى الاعتبار الوسط المحيط بها كما لو كانت هندستها المعمارية مستقلة تماما عن اى اطار يمكن اتخاذه مرجعية لها ( حديقة الازبكية و قصر عابدين ), فنهايات الشوارع ليست لها حدود و محاور تكوينات المبانى الجديدة لا تمت باى صلة الى تلك التى تنسق المدينة و تتحول المبانى الى عناصر مستقلة ذاتيا ليست لمواقعها اهمية خاصة , فالمهندسون المعماريون يتصرفون كما لو كانوا يتعاملون مع اراض ليست لها معالم و قابلة لتبادلها مع اراض اخرى , ففقدت المدينة تناغمها و شخصيتها .

هكذا شهدت القاهرة مع إسماعيل باشا فترة صعود مع بداية ولايته ـ ولو مظهرياً ـ تنم عن بوادر تنمية عمرانية وأقتصادية.. ويمكن أن نقول حراك سياسي ، ولكنها في جوهرها وداخلها حملت القاهرة والمصريين بما يسمى بالأزمة المالية نتيجة أن ما قام به إسماعيل باشا لاحقاً في مشروعاته ونزواته العمرانية والمعمارية مما تطلب نفقات عجزت خزائن الولاية المصرية عن تحملها ,فكانت ازمة اجتماعية عمرانية .. كما ان عملية الالتحام بين المدينتين التى كانت مأمولة فى عهد اسماعيل لم تحدث بل العكس هو ما كان ..

فقد ازدادت الاختلافات عمقا حينما انتقل وسط المدينة بقسوة نحو الغرب حيث توجد السلطة و النشاط و الثروة و اتجهت المدينة القديمة نحو التدهور و تحولت الى ملاذ للاكثر عوزا ..


المراجع

  • Descripton of Egypt by Edward Lane
  • Jean-Luc Arnaud, Le Caire, mise en place d’une ville moderne. Des intérêts du prince aux sociétés privées
  • جان لوك ارنو -القاهرة , اقامة دولة مدنية حديثة , من تدابير الخديوى إلى الشركات الخاصة
  • الخطط التوفيقية , على مبارك

فكرة واحدة على ”مشروع حلم باريس الشرق

  1. علي باشامبارك راجل صاحب انجازات كبيرة ف مصر…ظلمه التاريخ ..وظلم ابنائه واحفاده ولم يقدموه لهم اي اهتمام او مساعدة…

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s