لمحة تاريخية عن مصر الجديدة : التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحضرية ، 1905 – 1967

بقلم : ميار قطب …

 يعتبر تنمية وعمران مدينة جديدة دائماً تحدي ، والنجاحات التي تحققت في هذا المجال هي نادرة حقاً .. بهذه الكلمات تعبرالمخططة العمرانية آن فان لو ـ Anne Van Loo (1) عن رؤيتها المعمارية والعمرانية ، ولكن من المثير أن كتابها ” هليوبوليس ” يتناول واحدة من تلك الحالات النادرة .

وقد شهدت القاهرة مع مطلع القرن العشرين تنمية العديد من الأحياء الجديدة نتيجة الأوضاع الجاذبة للأستثمارات الأجنبية في مصر حينها ، وعندها تأسست العديد من الشركات الأجنبية والبنوك التي توجهت للأستثمار في هذا المجال ، ويالتالي عرفت القاهرة عدداً من الضواحي التي يمكن توصيفها بأنها مدن جديدة مثل المعادي ومصر الجديدة … وغيرها في أنحاء مختلفة . وعلى سبيل التحديد في هذا السياق التاريخي للتوسع الحضري للقاهرة نستعرض تجربة “هليوبوليس ـ مصر الجديدة ” وهي تقع إلى الشمال الشرقي من القاهرة ، ومسمى هليوبوليس يعني مدينة الشمس تلك المدينة التي عرفتها مصر في العصر اليوناني ، وهي نفسها مدينة  أون حاضرة العلم  في الحضارة المصرية القديمة .

ولقد تأسست المدينة الجديدة في سنة 1905 ، والتي أتخذت ذات الأسم هليوبوليس أو مصر الجديدة ،  وكان من المقرر أن ترتبط المدينة الجديدة بالقاهرة وأحيائها القائمة عن طريق شبكة الترام ، وقامت شركة “واحة هليوبوليس” بتنمية تلك المدينة ، برئاسة ورجل الصناعة البلجيكي المهندس إدوارد لويس جوزيف والبارون إمبان وكذلك بوغوص نوبار نجل رئيس وزراء مصر نوبار باشا .

أهتمت غالبية الدراسات والأبحاث المهتمة بمصر الجديدة على تنوعها بالتصميمات المعمارية وأنماطها وبتقنيات البناء المستخدمة في بناء مصر الجديدة ، ولكننا في هذا المقال نهدف أساساً إلى توجيه الأهتمام إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة يتنمية المنطقة وتطورها ، ذلك بالرغم من أن التشكيلات المعمارية قد تكشف بعض الفلسفات والرؤى الفكرية ، ويؤكد ذلك كلمات روبرت ألبرت Robert Ilbert ـ باحث متخصص في تأريخ مصر الجديدة ـ : حكمت الاعتبارات العملية والعوامل الاقتصادية في الواقع نجاح مصر الجديدة ، أكثر من التشكيلات الجمالية والجوانب المعمارية (2) . ونحدد هنا تأثير التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على عمران مصر الجديدة بين سنة 1905 ـ 1967 (بما في ذلك الأزمات المالية والحروب وحتى المرحلة الثورية مع جمال عبد الناصر) ومدى تأثيرها على سكان مصر الجديدة وبالتالي هيكلها العمراني ، وحددنا الفترة على أساس أن سنة 1905 تاريخ تأسيس وإنشاء البارون إمبان لشركة “واحة هليوبوليس” ، أما سنة 1967 فهي تمثل بداية نهاية المرحلة الناصرية في تاريخ مصر الحديث والتي أنتهت بوفاة زعيمها عبد الناصر في سبتمبر 1970 ودخول مصر مرحلة مغايرة ومختلفة .

الخلفية التاريخية

 في البداية من الضروري التساؤل عن أسباب توجه رجل صناعة بلجيكي للأستثمار والعمل في مصر وهي تحت الحماية البريطانية ؟ .. ونكتشف ملامح الإجابة من فهم السياق التاريخي وتسليط الضوء على العلاقة بين بلجيكا ومصر في المراحل السابقة على تأسيس مصر الجديدة . فلقد نالت بلجيكا أستقلالها عن فرنسا في سنة 1830 ، وكثيراً ما زار مواطنون تلك المقاطعات التي أصبحت فيما بعد بلجيكا مصر في طريقهم للسفر للحج إلى الأراضي المقدسة في  فلسطين (3) ، والأهم من ذلك ، كانت تلك المقاطعات حينها جزءا من فرنسا ، وشارك العديد من مواطنيها  في الحملة الفرنسية في مصر (4) ، حتى أصبح فيما بعد  العديد منهم جنرالات (5). ولقد حمل الكثيرون من هؤلاء الأفراد البلجيكيين مع عودتهم من مصر القطع والمقتنيات المصرية الفرعونية الأثرية إلى المتاحف الملكية للفنون والتاريخ في بروكسل ، في حين أن آخرين من الفنانين المستشرقين البلجيك سجلوا برسوماتهم البيئة المصرية الطبيعية ، مثل الرسام هنري جوزيف ـ Henri-Joseph Redoute (6) ، بالإضافة إلى آخرين ممن رسموا الآثار القديمة والحيوانات التي كانت نشرت في وصف مصر (7).

كما لعبت العوامل السياسية والتجارية والاقتصادية دوراً رئيسياً في قرار الملك البلجيكي ليوبولد ـ Leopold لتكون بلجيكا المستقلة حديثاً مشاركة اقتصادية في مصر والتي تشهد حينها أزدهاراً (8). إن النهج الذي أتبعته السياسة البلجيكية في بناء علاقات دبلوماسية وتجارية لاقت تشجيعاً كبيراً من قبل القوى السياسية البلجيكية نفسها مما أدى في النهاية إلى نمو الوجود البلجيكي في مصر . على الرغم من أن هذا المجتمع كان نسبيا واحداً من أصغر الجاليات الأجنبية في مصر في ذلك الوقت ، ولكنها في المقابل ، كان لها تأثير كبير على السوق والاقتصاد المصري ، حيث إنه مع حلول سنة 1907، على سبيل المثال ، كان هناك 32 شركة بلجيكية أو شركة بلجيكية ـ مصرية (9).

ادوارد إمبان (1852-1929)

كان مشروع البارون إمبان الأول في مصر تطوير أول شبكة ترام عامة في القاهرة وكان ذلك سنة 1894 ، ” ونجح حينها في الحصول على دعم وتمويل من البنك الصناعي في بروكسل (10) ” (11) . وصل البارون إمبان إلى مصر حاملاً خبراته المكتسبة بالفعل في بناء خطوط السكك الحديدية الكهربائية في بلجيكا ، وفرنسا ( مترو باريس ) ، وهولندا، و روسيا والصين . في الواقع ، كانت تجاربه في بناء خطوط السكك الحديدية والنقل السبب الرئيسي التي وجهت مشروعاته في مصر في نهاية المطاف نحو الاستثمارات العقارية والتنمية العمرانية والتخطيط الحضري ، والتي سخرها لخدمة مشروعه الجديد في تنمية مدينة جديدة هي ” هليوبوليس أو مصر الجديدة ” (12) . ومن جهة أخرى كانت الحفريات الأثرية لعلماء حملة نابليون على مصر في بداية القرن التاسع عشر وما أسفرت عنه من أكتشافات للحضارة المصرية القديمة ، قد اجتذبت العديد من المستشرقين الأوروبيين ، وخاصة الفرنسيين والبلجيكيين إلى مصر . وهو ما كان له أثره بشكل كبير في انبهار البارون إمبان بمصر . ولكن مع ذلك كانت مصالحه التجارية هي الأكثر واقعية ، والحافز الرئيسي له للمجئ إلى مصر التي جاذبة لكثيرين من الأوربيين حينئذ . ورصد الكثيرون من الباحثين هذا التوافد ومنهم الباحثتين  لينا عطا الله ودينا حسين فكتبا .. ” ليس هناك شك في أن مصر قد فتحت بابها في وقت معين للأجانب ، الذين من خلال العديد من الامتيازات الممنوحة لهؤلاء الأجانب ، أصبحت مصر مكان جاذبا إلى المغامرة في الأعمال التجارية والأستثمارات ، وكان هذا المدخل للكثيرين  من رجال الأعمال البلجيكيين ، من بينهم البارون إمبان ، للمجئ إلى مصر ” (13) . وساهم وصول البارون إمبان في  تنشيط وتفعيل دور الجالية البلجيكية في مصر وزاد من أهميتها الاقتصادية ، وساعد على ذلك نجاحه للأعمال التي قام بها بالتعاون والمشاركة مع نظرائه المواطنين في مصر (14) .

الأهداف والوسائل

يصف سمير رأفت (15)  البارون إمبان بأنه “رأسمالي يحمل رؤية” ، ولكن يبقى السؤال عن ماهية رؤية البارون للمدينة الجديدة وكيفية ترجمتها إلى خطط وبرامج تنفيذية ؟ .. ويمكننا تحديد ملامح هذه الرؤية وخططها وبرامجها فيما يلي :

  • توفير إقامة مريحة ومنخفضة التكلفة ، وفي الوقت نفسه تحقيق ربح كبير (16) .
  • وفقاً لـ فان لو ـ Van Loo (17) : على الرغم من البارون إمبان في الطموحات الأولي وما صدر عنه من تصريحات قال .. هنا سأبني مدينة ، إلا أن الشركة لم تكن تنوي بناء مدينة متكاملة ، بل كانت نيتها تمويل البنية التحتية والمرافق التي من شأنها أن تؤدي إلى القيمة المضافة ، وبيع قطع الأراضي بخدماتها ومرافقها التي قامت بها المؤسسات التي كانت تسيطر عليها  (18) .
  • يقول روبرت ألبرت ـ Robert Ilbert إن الهدف الحقيقي للبارون إمبان كان إثبات أن تنمية في الصحراء مربحة مثلها كما السكن على ضفاف النيل . ويذهب ألبرت أن سبب رؤية إمبان تأثره بما يجري في أوروبا حينئذ ، وأختياره فكرة المدن الحدائقية والمرافق الجذابة ، بما في ذلك بناء العناصر والأنشطة الخدمية العامة المستحدثة مثل إنشاء المطار ، وبناء فندق جراند ونادي رياضي ولونا بارك وملعب للجولف ومضمار لسباق الخيل ، وذلك لجذب الناس إلى المنطقة الجديدة .
  • كان الهدف جذب كافة السكان القادرين سواء من الوطنيين المصريين أو من المستثمرين الأوروبيين ، وذلك من خلال الإعلانات التي تم وضعها ، والمهرجانات والعروض والأحتفاليات المتنوعة ، وغالباً ما تعقد في المدينة الجديدة نفسها بأعتبارها شكلا من أشكال الجذب (19) .
  • خلافاً لغالبية الرأسماليين العاملين في مصر في ذلك الوقت ، كانت رؤية البارون إمبان بأن مشروع تنمية مصر الجديدة من المشروعات طويلة الأجل ، وليست من تلك الأستثمارات التي تعتمد على برامج زمنية قصيرة من 2-5 سنوات (20) .

لمــــــاذا مصر الجديدة ؟

عند تناولنا بالدراسة والتحليل لتلك التجربة الرائدة للتنمية العمرانية في بدايات القرن العشرين بكل ما تحمله من ايجابيات أو سلبيات ، يتحتم أن نقيمها في زمانها وحدود عصرها بأعتبارها رائدة في تنمية مدينة جديدة خارج أطار القاهرة في أتجاه الصحراء ، وهنا يبدو منطقياً البحث في أسباب أختيار وتوجه البارون أمبان وشركائه للتنمية في هذه المنطقة بعينها دون غيرها وخارج النسق العام السائد ، ويمكننا بإيجاز تحديد ملامح تلك الأجابة فيما يلي :

  • دعت الزيادة السكانية في القاهرة حينئذ (التي ترجع جزئيا إلى الهجرة الريفية) إلى الحاجة للنمو العمراني بعيداً عن العاصمة إلى الصحراء (21) . ووفقا لـ Bruffaerts و Bruweir إن التزاحم المتزايد في القاهرة كان سبباً أن يتجه البارون للخروج من هذا التسارع للتنمية في الصحراء (22) .
  • إن الهدف تنمية تجمع متكامل ومنفصل ومعزول ، ويتحقق ذلك بالموضع المقترح في الصحراء مما يقلل بوصفها وحدة معزولة يحد من المخاطر على وجود صلة مع القاهرة (23) .
  • بالنسبة لكل من البارون إمبان وبوغوص نوبار كانت الصحراء الشكل الوحيد الممكن للتنمية والموقع المؤهل للأستثمار ، حيث يمكن الحصول على تنازلات وأمتيازات لتنمية الصحراء من الحكومة المصرية دون مقابل ، تعويضاً لارتفاع تكاليف التنمية هناك (24) .
  • كانت الأرضي الفضاء متوفرة في تلك المنطقة التي وقع عليها أختيار تنمية مصر الجديدة . كما أشار إلى ذلك سمير رأفت ذات إن اختيار الأراضي للمدينة الجديدة في سنة 1900 كان يقع بين اتجاهين ، حيث كانت الصحراء الممتدة جغرافيا تحيط بشمال وجنوب القاهرة ، أما في الغرب والشرق من المدينة كانت المحددات الطبيعية ، فإلى الغرب وقف نهر النيل واحد من الحواجز الطبيعية الأكثر شهرة ، وإلى الشرق كانت تلال المقطم . وبالتالي أنحصر حلم البارون إمبان في تنمية المدينة الجديدة إما في الشمال أو الجنوب من القاهرة .. (25) .
  • يقول رأفت كان من الممكن أن تقع مصر الجديدة إلى الجنوب في موقع المعادى الحالي ، لولا أن اليهودي البريطاني مالك شركة الدلتا للسكك الحديدية والمنافسة للبارون إمبان هي التي تمكنت من الفوز بحق أمتياز خط سكك حديد باب اللوق حلوان في سنة 1905 ، وحدد بيع هذا الخط من سيحصل على تنمية وتطوير حي المعادي (26) .
  • من جهة أخرى كان من أسباب أختيار موقع هليوبوليس ولع البارون إمبان نفسه بالتاريخ والمواقع القديمة والحفريات الأثرية ، والتي كانت تجري هناك ، ( شهدت منطقة هليوبوليس ـ أون ـ نفسها العديد من الحفريات الأثرية ، ومقابل إجراء هذه الحفريات ، فإنه يعتقد أن البارون إمبان أعطي علماء الآثار البلجيكيين العاملين هنا الكثير من الآثار المصرية القديمة المكتشفة ) (27) .

التحديـــــات

وقفت تحديات ومعوقات كثيرة تحول بين حلم البارون إمبان ورؤيته لمدينة مصر الجديدة وبين تحقيق الحلم ، كانت في مقدمتها الأزمة المالية سنة 1907 والظروف الاقتصادية غير المستقرة التي أدت الى  إبتعاد العملاء والمستثمرين المتوقعين من المشاركة أو المساهمة . كما أدت الحرب العالمية الأولى إلى مزيد من تلك الصعوبات المالية ، كما أثرت حروب البلقان على شحن المواد التي كان الباون إمبان يستوردها من الخارج لمشروع تنمية مصر الجديدة . وعلاوة على ذلك ، أدى عدم الأستقرار السياسي إلى نقص التمويل الداعم سواء من رجال الأعمال المصريين أو الأجانب . بالإضافة إلى كل هذا، كان البارون إمبان يخسر في شركاته الأخرى التي أقامها ، على سبيل المثال نظرا العواصف الشديدة والظروف المناخية ، تضررت بشدة شركة مترو باريس خلال الربع الأول من القرن العشرين مما لزم معه توفير مبالغ ضخمة من المال لإصلاحها (28) .

بالرغم من كل هذه الصعوبات إلا إنه كانت هناك إمكانيات لنجاح مشروع مصر الجديدة ، ومرجعية ذلك لعدد من الأسباب منها :

أولاً ـ تمكن البارون إمبان لدى وصوله إلى مصر من تشكيل اتصالات راسخة مع شخصيات إنجليزية وفرنسية ومصرية لها نفوذ سياسي ، مثل نوبار باشا .. وهذا سهل له الحصول على اتفاقات وتنازلات من الحكومة المصرية ، على سبيل المثال لكيفية استفادة البارون بعلاقته الوثيقة بالمسؤولين الحكوميين حينها : كان اتفاق سنة 1905 بين البارون إمبان والحكومة المصرية يسمح للبارون شراء الأراضي الواقعة في مجال المدينة التاريخية حيث كانت قديماً “أون ـ هليوبوليس” . ومن جهة أخرى فإن المسؤولين الحكوميين المصريين والنخب من رجال الأعمال داخل وخارج مصر على حد سواء كانت في البداية مترددة حول فكرة المدينة الصحراوية الجديدة “مصر الجديدة” ، وذلك بسبب التحديات والمخاطر التي كانت تحيط بالمشروع ، ومع ذلك البارون إمبان كان قادراً على إقناع الحكومة المصرية خلال بيان الفوائد التي ستعود عليها بما في ذلك السكن لموظفيها و 10٪ من مبيعات الشركة .

ثانياً ـ إن أختيار البارون إمبان لبرنامج وخطة الاستثمار طويل الأجل في مشروع “مصر الجديدة ” مكنته تحقيق في النهاية أرباح كبيرة ، كما أن الاحتكارات التي حصل عليها في تنفيذ المرافق والخدمات ومنها شبكات المياه ، والكهرباء ، والخدمات العامة قد سمحت له بتحقيق قدر كبير من الإيرادات والأرباح في المقابل .

ثالثاً ـ إن الظروف السياسية العالمية حينئذ ساعدت بشكل مباشر البارون إمبان على تحقيق حلمه وتنفيذ مشروعاته في مصر ولاسيما تنمية مدينته الجديدة  ، فبالرغم من تردد الممولين الأوربيين في أول الأمر للمساهمة مع البارون إلا إنه تمكن من الحصول على مساعدة من رجال الأعمال الفرنسيين ، نتيجة مخاوف الفرنسيين من إشراك المساهمين الألمانيين المحتملة ، وما قد يترتب عنه من زيادة نفوذ  ألمانيا من خلال مساهمتها في مشروع  مصر الجديدة ، وبالتالي في الاقتصاد المصري ، هكذا وبسبب التنافس السياسي والاقتصادي الفرنسي ـ الألماني في ذلك الوقت ، قرر رجال الأعمال الفرنسيين دعم البارون إمبان في مشروعه ، وهو ما ساعده على تخطي بعض التحديات المالية التي واجهته حينها (29) .

مصر الجديدة والقاهرة .. وشبكة الترام

أرتبط مشروع  تنمية مصر الجديدة بعلاقة تكاملية مع مشروع البارون إمبان لشبكة الترام التي قد بناها في وقت سابق في قلب القاهرة ، بل يذهب البعض إنه تم تنمية وعمران مصر الجديدة نفسها للأستفادة من شبكة الترام تلك ، فلولا هذه الشبكة ما كان لمدينة مصر الجديدة أن تبدأ . كما لاحظ روبرت ألبرت ـ Robert Ilbert (30) : أن سهولة وبساطة تكاليف المواصالات في القاهرة مع شبكة الترام كانت من الأسباب  القوية لدعم وتنمية شمال شرق القاهرة بدلا من الوادي غرب المدينة على ضفة النيل  ، بل أن شبكات الترام التي أمتدت في القاهرة وضواحيها المختلفة كان لها الأثر المباشر في النمو العمراني ـ كما حدث في مصر الجديدة ـ ، مما يعني أن بعض الشوارع في وسط القاهرة أصبحت أضيق . وأثرت شبكة المترو على هؤلاء السكان القادرين على الاستيطان  والترحال إلى مصر الجديدة ، فبدون شبكات المترو ، وباستثناء العمالين في مواقع البناء ، كانت البنية المجتمعية من نخب الطبقات العليا وهي القادرة على الترحال والأستيطان في مصر الجديدة بصفتهم وحدهم القادرون على تحمل تبعات ونفقات المواصالات الخاصة ، فإن بناء شبكة مترو في مطلع القرن العشرن متزامنة مع تنمية مصر الجديدة ، مكنت كذلك الطبقات المتوسطة من الترحال بسهولة إلى مصر الجديدة . ومع مرور الوقت ، وبسبب العوامل الأخرى ـ والتي سنعرج لها بايجاز لاحقاً ـ هي التي تضافرت ومكنت الطبقة المتوسطة حينها من أن تمثل الشريحة المجتمعية الأكبر في عمران مصر الجديدة (31) .

المجتمع الجديد .. والســـكان

وفقاً لروبرت ألبرت ـ Robert Ilbert ، أثبتت التجربة والممارسة مصداقية رؤية البارون إمبان ومعرفته وفهمه للسكان المحتملين أو المخطط لهم أستيطان وعمران مصر الجديدة (32) (33) ، فكان توجهه للطبقة الوسطى العليا الجديدة والناشئة في القرن التاسع عشر من هؤلاء الموظفين والمهنيين الذين لديهم الأمكانيات المادية ولكنها غير مرتبطة بمكان أو منتمية لمكان بعينه ، ولكنهم لديهم القدرة على الإنفاق ، وكان توجه هؤلاء للوصول إلى الملكية العقارية في المناطق الحضرية وأنماط حياة مماثلة للنموذج الأوروبي (34) ، ومن هنا كانت تلك الطبقات هدف البارون إمبان المرجو لعمران المدينة الجديدة .

مع تسارع النمو العمراني لمصر الجديدة تزايد الحرك المجتمعي وتفاوتت البنية الطبقية للمجتمع المحلي الجديد وتغيرت مع تغيير الظروف ، فبعد أن كان مخطط لمصر الجديدة أن تكون واحة من الفخامة ولكنها سرعان ما أصبحت مدينة متباينة التجانس تضم بنية طبقية تبدو أنها غير متجانسة حيث وجدت كل طبقة اجتماعية مكاناً خاصاً بها في البناء المورفولوجي للمدينة الجديدة (35) . هكذا عاصرت مصر الجديدة كغيرها من التجمعات العمرانية في القاهرة تتابع من الأحداث المتواترة خلال القرن العشرين بداية بالأزمة المالية سنة 1907، تلتها الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية سنة 1939 ـ 1945 ، وصولاً إلى المرحلة الناصرية في الخمسينات والستينات ، ومازالت رحلتها مستمرة مع المجتمع ومتغيراته ، ومع هذه الأحداث والمتغيرات والأزمات أضطر القائمون على المشروع وتنمية المدينة من معاصرة كل مرحلة ومتطلباتها وإعادة النظر في المخططات وتوجهاتها التنموية .. فتم تحديث المخططات والتصميمات الأصلية في وقت لاحق مع إدارة محمد توفيق نسيم باشا (1874 – 1938) لتشجيع تدفق الوافدين الجدد من خلفيات اجتماعية وبنيوية متنوعة  ، فتم تطوير وحدات سكنية تلائم امكانيات ومتطلبات الطبقات الدنيا والمتوسطة عبارة عن مساكن متصلة من طابق أو طابقين ، نفذت بالقرب من المساكن التي بنيت في سنة 1907 وكانت مخصصة لموظفي كهرباء القاهرة وشركة مصر الجديدة “الواحة” (36) (37) ، ووفقا لعطا الله وحسين (38) عندما بدأت مصر الجديدة قادرة على تقديم الحياة والأمكانية المعيشية المناسبة للمواطن العادي ، أصبحت عندئذ “مدينة حية قابلة للاستمرارية ” .

تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية .. في الخمسينات والستينات

كما أثرت الأزمات المالية والحروب والتحديات في تطور مصر الجديدة خلال النصف الأول من القرن العشرين ، كانت هناك تغييرات سياسية واجتماعية أخرى وقعت بعد الحرب العالمية الثانية أثرت بشكل مباشر على سكان مصر الجديدة وكذلك على الهيكل العمراني ، وتشمل هذه ما يلي :

  • مرحلة التأميمات في الخمسينات والستينات التي أخذت وتيرة وطنية متسارعة في عهد الزعيم جمال عبد الناصر ، ومنها تأميم شركة القاهرة للكهرباء وشركة واحة هليوبوليس .. وكان نتيجة لتأميم الشركة أضطر الموظفين البلجيكيين العاملين بالشركة لمغادرة البلاد ، آخذين معهم معظم سجلات الشركة الأرشيفية .. أدت سياسات التأميم خلال الستينات إلى تحجيم ثروات ودور الأجانب في مصر ، وعندها ومعها شهدت مصر الجديدة حراكاً اجتماعياً وبالتالي ديموجرافياً وتغيرت البنية العرقية وتنوعت البنية السكانية وأصبحت تتصف بالمحلية المصرية ، وانخفض عدد الأجانب بشكل كبير بين سنة 1950ـ 1960 . ووفقا للمؤرخ جويل غوردون ـ Joel Gordon (39) ، خسرت غالبية المناطق الحضرية في القاهرة في الفترة الناصرية معظم سكانها الأجانب من الأوربيين “ما يسمونه بالديموغرافيا العالمية المختلطة” .
  • طفرات هجرات اليهود المتتالية في 1948 و 1956 و 1967 .
  • تغيير في الرؤية .. عكس الرؤية الأولية للبارون حول البنية العمرانية والمجتمعية لمدينته الجديدة ، أعتمدت رؤية الشركة المؤممة لمصرالجديدة بنية مورفولوجية لتقسيم المدينة إلى مناطق ، تتمحور كل منطقة حول مركز للأعمال والأنشطة التجارية والخدمات (40). هذا أدى إلى تطوير عدد من المناطق الخضراء والحدائق في المناطق التجارية ، (وقد نفذت هذه الرؤية لاحقاً في السبعينات) .
  • تغيير في سياسة الحكومة .. أثرت البيئة السياسية المتغيرة بين سنة 1961- 1966 على سياسة شركة مصر الجديدة ، وأصبحت تهدف حينها إلى خفض أسعار الأراضي والفائدة البنكية ، الأمرالذي أؤدي لزيادة الاستثمار (41). وبالتالي جاءت أنشطة الشركة لتدور حول المباني والأنشطة الاقتصادية للدفع بالتحولات الديموغرافية المستهدفة للسكان (42).  ونتيجة لذلك ، شهدت مصر الجديدة تحول في البنية الطبقية الاجتماعية ، جنبا إلى جنب مع الزيادة في عدد السكان . وبحلول عام 1967 ، كان عدد سكان مصر الجديدة حوالي 200000 نسمة (43). وعلاوة على ذلك كان تحول العناصر الخدمية للطبقات المتوسطة والدنيا ، فعلى سبيل المثال تم تغيير مضمار لسباق الخيل المخصص للنخبة المجتمعية البرجوازية ، إلى حديقة عامة (الميريلاند ) لخدمة الجزء الأكبر من عامة السكان .

في الختام .. يمكن أن تخدم دراسة التجربة العمرانية وحالة مصر الجديدة لتسليط الضوء على العديد من التغييرات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وقعت في القاهرة بين 1905-1967 والتي قد تأتي بتشكيل تركيبة حضرية متغيرة صعوداً أو هبوطاً دائماً إلى يومنا هذا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. Heliopolis, p.148
  2. Robert Ilbert, p.7
  3. Originally from: J. Richard, L’Extreme-Orient legendaire: Roi David et Pretre Jean’, Annales d’Ethiopie, II (Paris, 1957), pp. 225-43 Found in Heliopolis 80
  4. The French campaign was Napoleon Bonaparte‘s campaign in Egypt and Syria. It took place between 1798-1801 and was carried out to protect French trade interests, undermine Britain‘s access to India, and to establish scientific enterprise in the region.
  5. Le Binchois Andre Boussart (1758-1813): Biographie nationale, II, Brussels, 1868; Revue de la Societe d’Archeologie et des Amis du Musee de Binche, les Cahiers Binchois (1979); H.-J. Couvreur, Les Wallons dans la Grande Armee, in Wallonie, art et histoire, 7(Gembloux, Duculot, 1971), p.16-17
  6. Henri-Joseph Redoute et l’Expedition de Bonaparte en Egypte, in Saint-Hubert en Ardenne – Art Histoire Folklore, 4 (Brussels, Credit communal, 1993)
  7. Bruweir in Heliopolis, p.81
  8. Bruweir and Van Loo, “From Brussels to Cairo: Diplomatic and Trade Relations,” in Heliopolis, p.89
  9. de Saint-Omer, Les enterprises belges en Egypte: rapport sur la situation econoomique des Societes belges et belges-egyptiennes fonctionnant en Egypte (Brussels, 1907) found in Heliopolis, p.89
  10. Because Empain felt that he depended too much on the banks for his industrial plans, in 1881 he founded his own bank, Banque Empain, which later became the Belgian Industrial Bank. In 1920 he set up The Belgian Bank of Egypt.
  11. Sameh ‘Abdallah el-‘alayly, p. 11
  12. Ibid, p. 10
  13. http://www.aucegypt.edu/research/ebhrc/news/Documents/HeliopolisbyDinaKh.Hussein_LinaAtallah.pdf, p. 8
  14. Ibid
  15. Samir Rafaat, “When Maadi Nearly Replaced Heliopolis”
  16. Ilbert, p.2
  17. Jaspar, Souvenirs sans retouche (Paris, Fayard, 1968), p. 492; Anonymous, ‘Heliopolis, la ville egyptienne cree par des Belges, L’Emulation, 6 (June 1926), p 81-4.
  18. Anne Van Loo, “The New Heliopolis – The invention of a garden city in the desert,” in Heliopolis, p.113
  19. el-‘alayly, p.21
  20. Ilbert, p.7
  21. Daheyat Masr el Gedida: Madeeha w Mosta’balha, (Intro)
  22. Bruffaerts, Bruweir in Heliopolis, p.35
  23. Ilbert, p. 2
  24. Ibid, p. 7
  25. Samir Rafaat, “When Maadi Nearly Replaced Heliopolis”
  26. Samir Rafaat, “When Maadi Nearly Replaced Heliopolis”
  27. Bruffaerts, Bruweir, “Belgian Archaeological Excavations at Heliopolis” in Heliopolis
  28. el-‘alayly, p. 20/21
  29. el-‘alayly, p. 21
  30. Ilbert, p. 7
  31. Daheyat Masr el Gedida: Madeeha w Mosta’balha, (Marhalet al ensha’: 1906-1930 –

Transportation)

  1. Ibid
  2. Agnieszka Dobrowolska, p. 91
  3. Ibid
  4. Sole, “Another Alexandria” in Heliopolis, p. 186
  5. Low-cost housing represented one-third of construction at Heliopolis, which reflects Empain’s philanthropic ideas, taken from the garden city movement. See R. Ibert, Heliopolis- Le Caire 1905-1922. Genese d’une ville (Marseille, Editions du CNRS, 1981) P. 77. (Analysis : housing for the poor considered by Empain to be an act of philanthropy as opposed to a responsibility of granting a social right.)
  6. in Heliopolis, p.149
  7. http://www.theegyptianchronicles.com/History/Heliopolis.html
  8. Gordon, Joel. Nasser: Hero of the Arab World. Oxford: One Word, 2006. (page number)
  9. Evaluation of Suburban Communities in Cairo, Their Impact on the City Core, Case Study: Heliopolis and Awqaf City.” The Academy for research and Technology, Faculty of Engineering, Ein Shams University..June 1995 p.82
  10. Ibid, 83
  11. Ibid
  12. Daheyat Masr el Gedida (Mostaqbal al-Daha section(

Bibliographyقائمـــــــــــة المراجع         

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s