لماذا نتمدين ؟؟

بقلم : دينا عمر …Pages from الهجرة والتوطينsmall-4

ان ملامح الريف المصرى فى ذاكرتي تختلف عن ما نراه اليوم. بداية من الشوارع الترابية و درجات الاخضر على جانبيها بدون ان يتخلل هذا المنظر الجميل او يخترق خط السماء اى منازل. قلب القرية (مركزها ) حيث يقع على منبع الحياة لهذه القرية و هى الترعة, و الكوبري الخشبى يربط بين ضفتين الترعة. حيث كل الخدمات الاساسية من دكتور , صيدلية و قسم … و برغم ان مركز القرية هو اكثر منطقة حيوية فى القرية الا انه لا يوجد به اى منازل تقريبا. وحين تتوغل داخل القرية فتصل الى المنازل الطينية الصغيرة,حيث ملامح الحياة الريفية تصبح اكثر وضوحا و جمالا.تظهر فى فراغات البيت المختلفة من حظيرة (الزريبة) وهى اكبر فراغ فى بيت الفلاح فهى بها الدواجن و الماشية و التى لا يخلو المنزل الريفي منها. و الفرن البلدى الطيني التى لا تستغنى عنه اى فلاحة.

هذه الملامح المبهجة البسيطة كانت محفوظة فى ذاكرتى منذ الطفولة عن قريتى. و كل هذه الملامح التى تمثل القرية المصرية تتغير تدرجيا حتى كادت ان تتلاشى فترى الان كيف تتحول القرية الى مدينة بشوارعها الاسفلتية و بيوتها الخرسانية العالية القبيحة و ضجيج المحلات التى تبيع و تشترى كل شئ. وكيف يبيع الفلاح ارضه ليشترى منزلا خرسانيا ويفتح دكان و يشترى الخضروات و الفاكهة التى كان قديما يزرعها.

ان الارقام توضح كيف يتخلى الفلاح عن مهنته ذاهبا الى التجارة او اى مهنة تضمن الكسب السريع.و خلال النصف قرن الاخير تناقص عدد العاملين فى الزراعة من 14%من سكان مصر سنة 1952 , الى10% سنة 1980 و يستمر التناقص حتى وصل الى حوالى 4% تقريبا من سكان مصر فى عام 2008 – و يمكن ان نتخيل ما وصلت اليه هذه النسبة اليوم- .ان هذه الارقام تبين حجم المشكلة و محورها الرئيسى: الهروب مهنة الزراعة.

انها مشكلة تواجه جميع قرى مصر. فى حالة من زحف العمران على الاراضى الزراعية إذ فى غضون الفترة 1952 الى 1976 وقع 640.000 فدان من اخصب الاراضى الزراعية فى مصر فريسة للعمران. فضلا عن ذلك, يقدر ان العمران يلتهم سنويا 60.000 من الاراضى الزراعية الواقعة فى شمال و غرب العاصمة.و توجد درسات تشير الى ان بحلول2030 سوف تندثر الاراضى الزراعية فى الوادى و الدلتا فى حالة استمرار معدلات النمو العمرانى الريفي بهذه السرعة.

مما يجعلنا نتساءل : ماذا يحدث؟ لماذا يترك الفلاح مهنته ؟

ان ما يحدث هو ان المدينة تزحف على الريف و تسلب منها حياتها و مميزاتها فتتمديين القرية. و التمدين هو السعى وراء المدينة, و ما تتميز به حياة المدينة من سهولة. ان اهل الريف يحاولون ان يعيشوا عيشة اهل المدن ويكتسبوا عادات وتقاليد اجتماعية جديدة تظهر في السلوك والممارسات اليومية كاختيارهم للسكن ، والملابس ، وحتى المهن التي يمارسونها. و التمدين هو ظاهرة عمرانية قد تكون لها جوانب ايجابية . اذا كان الهدف منها تطوير الحياة داخل القرية بدون تغيير وظيفتها. القرية ككيان قائم على الزراعة, لا يمكن الاستغناء عنها فى دولة زراعية مثل مصر.و من الغريب إن نستبدل الزراعة بانشطه استهلاكية غريبة عن ثقافتنا كالتجارة.و ان ينظر الفلاح البسيط الى هذه التغيرات على انها ظاهرة طبيعي و انه يتطورالى الوسيلة التى تريحه و تساعده على الحياة.

قد لا يمكننا الاجابة على كل هذه التساؤلات الا اذا حاولنا فهم المشاكل التى تواجه الفلاح و تجبره على هجره حياة القرية والتخلى عن مهنة الزراعة .والتعرف على الفلاح المصرى الذى عاش دائما على هامش الحياة.

فقد كان دائما الفلاح مستضعف و مهان وكأنه عبد عند مالك الارض، يعمل فى حقول واسعة لا يستفيد منها شئ، . فهذا هو الواقع المصرى الاليم ان الفلاح المصرى لم يمتلك ارضه فى حياته.

كيف تتخيل فلاح بلا ارض !

فالواقع فى مصر قبل ثورة 52 ان 1.3% من الملاك امتلكوا 44% من الاراضى الصالحة للزراعة و الفلاحين لا يملكون سوى 21.7% من الاراضى فى وقت كانت مساحة الاراضى الزراعية 2520000 هكتارا. و بعد ثورة 1952 حاول عبد الناصر ان يغير من هذا الواقع فعمل اول قانون الاصلاح الزراعى سنة 1952 و الذى ينص على تحديد الحد الاقصى لملكية الاراضى الزراعية بـ 200 فدان. ثم عدل الى 100 فدان .حتى وصل بعد ذلك الى 50 فدان. و كان نتيجة هذه القوانين ان تم توزيع 818000 فدان على 342000 اسرة. فتملك 1.7 مليون شخص يمثلون 9% من سكان الريف من 3-5 فدادين . و بالنسبة للاراضى التى لم توزع على الفلاحين فقد اصبحت من املاك الدولة, و كأن التاريخ يعيد نفسه. فبذلك اصبحت الدولة اكبر مالك للاراضى الزراعية. لم تكن مشكلة الفلاح الوحيدة هى عمله كاجير او امتلاكه ارض و لكن هذا الفلاح البسيط لا يمكنه تمويل هذه الارض و رعايتها مثل كبار الملاك و من هنا كانت ضرورة تاسيس الجمعيات التعاونية الزراعية لتقدم المعونة المادية و الفنية للفلاح و يساعده على رعاية ارضه و بيع محصوله، غير انها تقوم بتنظيم عملية الزراعة على مستوى الدولة من خلال تعبئة الفائض الزراعى و تطبيق سياسات الدولة الزراعية (الدورة الزراعية). و كانت تلزم الملاك بتسليم الحصة المقررة من المحاصيل التقليدية “القطن و الفول و الذرة و القمح” حتى يمكنها تكوين التراكم الضرورى للبدء فى الصناعة و تنميتها.


و لكن بعد الانفتاح الاقتصادى تحولت الجمعيات الزراعية من عامل مساعد للفلاح الى سيف على رقبتة .و تمثل ذلك فى استغلال الجمعية التعاونية للفلاح و فى عمليات السلب المقنن التى تتم فى شكل ضرائب تحصلها الجمعية التعاونية تمثل 3% من قيمة المحصول و 10% مقابل استغلال الجرار الزراعى و 2% ضريبة عجز و 2% ضريبة رطوبة و غيرها. و لم تكتفى بفرض الضرائب و لكن ايضا بالتدخل سلبا فى الدورة الزراعية حيث اصبحت تخطط الدورة الزراعية بناء على احتياجات رأس المال و ليس احتياجات الاستهلاك المحلى .

و اصبح كبار الملاك هم القادرون وحدهم على التحكم فى انتاجهم الزراعى. و هم الذى يمكنهم التهرب من اعطاء الحصة من انتاجهم الى الدوله. فعلى الفلاح الصغير الالتزام بالدورة الزراعية و عليه ان يحقق فائض انتاج يتجاوز الحصة الاجبارية المطلوب توريدها للدولة, فان لم يبقى له فائض فيمكن ان تبتلع الحصة الموردة للدوله المحصول كله, و ان رفض الفلاح توريد الحصة يدفع غرامة باهظة. فى ظروف كهذه,لا يمكن للفلاحين ان يلبوا احتياجاتهم, فلا يبقى امامهم الا الاستدانة من الجمعية التعاونية و من بنك القرية ومن الدوله. و هكذا فأن هذه الجمعيات بدلا ان تساعد الفلاح افقرته.

و ساعد تفتيت الاراضى الزراعية على زحف الحضر على الريف و تنازل الفلاح عن ارضه. بمرور الوقت تحولت الملكيات الصغيرة من الاراضى الى ملكيات اصغر و اعباء اكبر.

و استعاد الاقطاع القديم ارضه عن طريق تصفية ملكيات الدولة من خلال بيع الاراضى المستصلحة التابعة لوزرة الزراعة للافراد على هيئة قطع مساحة كل منها 25 فدان على الاقل. وفقا لتقدير هيئة الاسعار فيما يخص توزيع الاراضى لسنة 1973 كانت نسبة صغار الملاك لاقل من 5 فدادين 94.5% سنة 1965, اصبحت 85.6 % سنة 1973, و فى نفس الوقت انخفضت حصتهم من الملكية من 51.1 %سنة 1965 الى 26.1 % سنة 1973 .

و نفس الظاهرة تمس متوسطى الملكيات .اما الرأسماليين الزراعيين و كبار الملاك العقارين فإن نسبتهم زادت 1.27 % لسنة 1952 , كما زادت حصتهم فى الملكية بنسبة 12% فى بلد يتميز بمساحة زراعية محدودة. و هذا يعنى اضاف الى فقر صغار الفلاحين لصالح كبار الملاك. تركت الدولة الفلاح البسيط المتمسك بارضه يواجه وحش الرأسمالىة لوحده. فاختار البعض المقاومة و البعض الاخر قرر ان يبيع ارضه و يبحث عن عمل اخر.

و هنا طرحت الهجرة الى الدول العربية نفسها كبديل امام الفلاحين، و اصبحت من اهم الاسباب وراء بيع الفلاح ارضه طامعا فى المكاسب السريعة لهذه الهجرة. فنسبة العمالة المهاجرة فى سنة 1982 م بين 3:2 ملايين مصرى اى اكتر من 20% من القوة العاملة وقتها.

و مثلت الهجرة امام الفلاح وسيلة لتعويض ارضه بشراء تاكسى او سيارة نصف نقل او حتى قطعة ارض اخرى بالادخار الذى حققه من بلاد البترول. و الفلاحين الذين حرموا من هذه الفرصة لم يترك لهم الا الصمت و الفقر.

و كان للهجرة نتائج عكسية عليهم فى الاسراع بفقدهم لارضيهم ، حيث ادى زيادة القوى الشرائية للمهاجرين الى زيادة فائفة فى سعر الاراضى. و كان الفرق بين الدخل الناتج من استغلال الاراضى الزراعية و الناتج من استغلال الاراضى البناء فى صالح الاخيرة.

مما لا شك فيه ان كل التغيرات و التوجهات الراسمالية التى حولت الريف المصرى من منتج الى مستهلك ساعدت و نشطت عملية تحضر و تقسيم الاراضى. بالنسبة للفلاح فان الريع الناتج من تقسيم الارض الزراعية و بيعها كاراضى بناء, خاصة لصغار الفلاحين الملتزمين بالدورة الزراعية,افضل بكثير و يعطيه فرصة للحياة افضل.و هذا قد دفع الفلاحين الى التخلى عن ارضهم و تحول الفلاحين الى مقسمين صغار, يقومون بتقسيم القراريط القليلة التى يمتلكونها و يبيعونها. فاصبحت الارض الزراعية تتعرض الى التآكل و الاندثار. و يؤكد ذلك ان صغار الملاك هم اول من يبيعون املاكهم الصغيرة . فى دراسة 1980 ان 75.8% من الذين تملكوا اراضى اقل من 3 افدنة هم تجار او موظفون . فى مقابل 72.6% من الفلاحين الذين باعوا اراضيهم ليس لهم عمل اخر غير الزراعة. كل هذا يوضح بعض الاسباب التى جعلت الفلاح يستغنى عن ارضه و عمله , اصبح الفلاح الصغير اما ان يبور ارضه و يبيع الطمى الى مصانع الطوب او يبيع ارضة كلها و يبنى بيتا من 3 طوابق و كما كان هو مستغلا فيما مضى فقد اصبح هو نفسه مستغل جديد. يحول شقق عماراته الى غرف صغيرة حتى يستخرج اقصى فائدة. و الفلاحين الذين فقدوا ملكياتهم و اصبحوا اكثر فقرا فقد وجدوا انفسهم غير قادرين على الاستثمار فى اى مجال فهاجروا الى البلاد العربية او للمدن للعمل بالسخرة فى اى مجال اخر.

لقد حاولت الدولة مقاومة الظاهرة بوضع توصيات مثل مخطط لعام 1970الذي اوصى ان تحل الزراعات المربحة محل الزراعة لمحاصيل فى المناطق المتاخمة للحضر للحفاظ على الاراضى الزراعية فى مواجهة التحضر مما يشجع الفلاحين الاستقرار فى اراضيهم و تشجيعهم على الاستمرار فى نشاطهم الزراعى و لكنها كانت محاولات دون جدوى.فمن حيث التطبيق على ارض الواقع لم تقم الدولة بإجراءات حاسمة فى معاقبة جريمة تعدى الناس على الاراضى الزراعية. فلم نسمع ابدا ان الدولة قامت بهدم منزل مقام على ارض زراعية او معاقبة مهندس من الجمعية تواطئ مع المالك !! و على الجانب الاخر فلم تهتم الدولة بمساعدة الفلاحين لوقف هذه الظاهرة.هذا غير ان الدولة نفسها هى التى تبدأ بالتعدى على القانون و على الاراضى الزراعية بالمنشآت الحكومية او مصانع.

كانت هذه محاولة لمعرفة ماذا يحدث للريف المصرى و و الفلاح. فلم تكن الجمعيات او الهجرة او حتى وحوش الرأسمالية هى الاسباب الوحيدة لهجرة الفلاح مهنة الزراعة، لكن يوجد مسببات اخرى لا علم لى بها و لم اتطرق اليها ساعدت و عجلت من عملية تمدين الفلاح. فجعلته بدلا من ان يهاجر الى المدينة كما كان يفعل قديما الا انه هجر المدينة اليه .


مراجع :
كتاب التحضر العشوائى د. دليلة القاضى.
الفلاح يدفع الفتورة وحده، زياد بهاء الدين 2012، الشروق.
فليم الوثائقى “دولة تثير الشفقة” د/ حبيب عايب، المصرى اليوم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s