شلاتـــــــين … من البداوة الى الحضر

تتوجه سياسات الدولة حاليا إلى حتمية الارتقاء بواقع الإنسان المصري بصفة عامة ولاسيما في المناطق النائية خارج الوادي و تجمعاته الحضرية ، و من هذا المنطلق تطفو إلى السطح أهمية للتنمية الإسكانية لفئات محدودي الدخل أو معدومي الدخل و منهم البدو الرحل في صحاري مصر شرقا و جنوبا ، و هو ما يمثل المعادلة الصعبة .. حيث تتطلب تلك التنمية توازن دقيق بين الارتقاء الحضري والعمراني والبيئي للمسكن والإنسان و المجتمع وبين إمكانات الإنسان و ظروفه الاجتماعية والاقتصادية و قدراته الإنسانية الذاتية على التحول الاجتماعي و العمراني وهو ما يتطلب رؤية إسكانية ذو طبيعة مغايرة .

و يأتي مشروع توطين البدو بمناطق جنوب البحر الأحمر استجابة و ترجمة لحل تلك المعادلة الصعبة و التي يجب أن تمثل مشروعا قوميا تتقاسم مسئوليته الدولة بمؤسساتها الإدارية و الفنية من جهة و بالتعاون مع المؤسسات الأهلية ، و بمشاركة المجتمع المحلي نفسه من جهة أخرى ، حيث تتكاتف جميع الأطراف باعتبار أن المسئولية جماعية والمشاركة فيها بالإضافة إلى كونها واجب قومي فهي احد الحلول للانطلاق نحو تنمية مجتمعية حقيقية تتشابك خيوطها في نسيج واحد لا ينفصم ، و ترتسم تلك المشاركة المتفاعلة بين طرفي الميزان : الدولة و المجتمع من خلال نسق أساسي نحدده بـ ” البناء بالمشاركة ” و تتفاوت المشاركة حسب إمكانات المكان و المجتمع و ظروفه الاقتصادية وما يمكن أن تقدمه الدولة نفسها في إطار القوانين و السنن المعمول بها في الزمان والإطار المقترح للتنمية نفسها .

و إذا كان نسق ” البناء بالمشاركة ” يعطي حلا للتوازن التنموي للعملية الإسكانية و توطين مجتمعات الرحل في بناء عمراني مستقر ، فهو يحقق بشكل مباشر أو غير مباشر تلبية معمارية و عمرانية ذاتية للمتطلبات الإنسانية و المجتمعية بالمرونة الكافية لموائمة متغيرات المجتمع و تحولاته الممكنة أو المطلوبة و المستهدفة .. و تبقى الإشكالية الاقتصادية و تجاوبها مع المتطلبات الفنية و المعمارية بما تمثله من جماليات و انتماء وثقافة و تفاعل بيئي و تراثي … و يندرج هذا تحت عمارة الفقر أو عمارة الفقراء .. سواء كان فقر مادي بالمجتمع أو فقر في إمكانات المكان ذاته و مصادره أو موروثاته العمرانية و ثقافته المعمارية ، فالفقر هنا فكر خاص و ثقافة و ليس هو شدة الاحتياج المادي أو ما يمثله من وضع اقتصادي فقط ، و إنما هو وضع من أوضاع المجتمع يتصف سلوك الفرد و الجماعة و حتى المكان بالفقر أي الاحتياج إلى الآخر …

إنها حالة تصيب الاقتصاد و المجتمع و العقل و الخيال .. و حتى الطبيعة و البيئة ..

الفقر بهذا المعنى يفرز مجتمع تابع غير منتج أو مبدع ..

مجتمع فقير و عمران و عمارة فقيرة ( حتى لو تكلفت ملايين ) إنها متتالية أو مظاهرة تؤدي إلى فكر متخلف و خيال متجمد وإنسان و مجتمع خامل مستهلك …

و هنا تكمن إشكالية أهمية الحراك الفكري من خلال عمارة المكان , إما أن نبدع ونشارك أو أن نموت استهلاكا وفقرا بالمعنى الفكري ..

ومن هنا أيضا تأتي حتمية نسق البناء بالمشاركة ، ليس تجاوبا مع ظروف اقتصادية بعينها ولكن خروجا إلى آفاق حياة أفضل للإنسان في إطار متوازن بين الدولة و المجتمع .

نعرض هنا نموذج لأحد الدراسات التي تناولت توطين البدو بمنطقة شلاتين جنوب البحر الاحمر والارتقاء والتنمية للواقع العمراني لمنطقة الدراسة ، وذلك من خلال تبني نسق البناء بالمشاركة خلال مراحل الدراسة المتتابعة ، حيث تلعب احتياجات بدو شلاتين والطبيعة الاجتماعية والاقتصادية المتفردة لحياة هؤلاء البدو وكذلك ظروف البيئة الطبيعية الخاصة بمنطقة شلاتين الدور الرئيسي في توجيه الرؤية العمرانية لتنمية المدينة وكذلك الرؤية المعمارية لمشروع توطين البدو ..

ملامح مدينة شلاتيــــــن

يمثل مثلث الجنوب اقليم جنوب محافظة البحر الاحمر ، ويكتسب اهمية قومية لموقعه الجغرافي واهميته الخاصة للأمن القومي والحدودي ، كما ان موقعه يؤهله لأن يلعب دورا حيويا في استراتيجيات التنمية الشاملة على المستوى القومي والاقليمي ، وتأتي التنمية العمرانية في مقدمة تلك الخطط التنمية ، بل هي عصب ومحور التنمية الشاملة ..ويكتسب هذا الاقليم ذاتية خاصة نظرا لبعده المكاني عن المراكز الحضرية داخل المحافظة أو مع مثيلاتها في قلب الوادي لإنعدام أو قصور المحاور العرضية والطرق الاقليمية التي تربط بين الساحل والوادي وبالتالي أعطت تلك العزلة العمرانية للمكان والانسان معا تمايزا يختلف دون تعارض مع التجمعات الحضرية الاخرى ..

ويعتمد الانسان والمجتمع هنا على الحركة والترحال النسبي داخل الحيز المكاني والمجال البيئي الممكن ، ويأخذ من الرعي والتجارة والصيد أساس معيشي لحياته ، تتشكل حولها سلوكياته وعاداته وتقاليده وثقافته وتراثه وفوق كل ذلك عمرانه لمستقراته سواء البدوية أو الحضرية ..

وهكذا لابد ان تتكامل سياسات التنمية الموجهة لتنمية شلاتين نحو خلق اقليم له اكتفاء ذاتي من جهة وله دوره الاقليمي والقومي من جهة أخرى ، وتأتي مدينة شلاتين كمركز اداري وخدمي و عمراني لهذا الاقليم . ولا تقتصر عملية التنمية على المحور الساحلي على حساب المحاور المتعامدة العرضية ( التي تربط بين الساحل والوادي ) مما قد يحدث خللا في عملية التنمية العمرانية والتي يمكن ان تكتسب حيويتها من العمق الاستراتيجي في الظهير الصحراوي أو الجبلي وامتداده الطبيعي في الوادي من جهة ونهايته الاقليمية عند الساحل من جهة اخرى ، وتعتبر هذه المحاور العرضية قراءة عمرانية متجددة لتاريخ وجغرافية المكان .

ومدينة شلاتين بوابة جنوب البحر الاحمر أحد تلك الاوتاد العمرانية على امتداد الساحل ويمكن ان نتعرف عليها من قراءة الملامح التالية :

أولا : الموقع والاقليم

تقع مدينة شلاتين في الجزء العلوي من المنطقة الجنوبية الشرقية من محافظة البحر الاحمر ، وتقع المدينة ضمن منطقة مثلث الجنوب الحدودي بوابة مصر الجنوبية الى افريقيا ، ترتبط مدينة شلاتين بمراكز العمران داخل حدود محافظة البحر الأحمر من خلال الطريق الاقليمي والمحور الطولي الموازي للبحر ..كما ترتبط مدينة شلاتين بالمراكز المناظرة لها في الوادي من خلال محاور عرضية ، وترتبط شلاتين بأسوان وإقليم بحيرة السد العالي من خلال مسارات طبيعية في بطون الاودية تخترقها طرق ممهدة غير مرصوفة عبارة عن مدقات صحراوية ..وهكذا تتحدد العلاقات المكانية لموقع مدينة شلاتين من خلال نفس النسق العمراني والطبيعي لتشكيل عمران الاقليم نسق الوادي والبحر أو السهل والساحل . و؟إن كانت المحاور العرضية التي تعتمد عليها تلك العلاقة العمرانية الطبيعية تحتاج الى تطوير حتى يتسنى لتلك البوابة الحدودية ان تكتسب اهميتها ضمن الرؤية القومية والخطط الاقليمية لتنمية وعمران مصر وتحقيق الاهداف الاستراتيجية لفتح آفاق عمرانية جديدة خارج الوادي .

ثانيا : الموضع والمكان

تتكون مدينة شلاتين من سهل ساحلي متسع يعد من اكثر اجزاء الساحل اتساعا وتشير الدراسات البيئية والطبيعية الى تقسيم موضع مدينة شلاتين الى اربعة اقسام تضاريسية رئيسية هي :

– منطقة الساحل : تأخذ اتجاها عاما من الشمال الى الجنوب متأثرة بمصاب الاودية الطبيعية حيث تظهر المنحنيات والخلجان على خط الساحل ، كما تمتد رواسب تلك الاودية تحت مياه البحر مما يسمح باستغلال الساحل وامكانية انشاء المراسي

– منطقة السهل الساحلي.

– سهل حضيض الجبال ويقع به اهم الاودية التي تخترق المنطقة و هي وادي رحبة ووادي الحوضين ويوجد ببطن هذا الوادي عدد كبير من الآبار التي تصلح للشرب مثل بئر جاهلية والسنطة وبعض العيون مثل عيون ابو سعفة وعيون ابرق . .

– الكتل الجبلية : وهي تمثل الحد الطبيعي الغربي الفاصل بين الساحل والوادي وتمتد موازية لخط الساحل واهمها في منطقة شلاتين جبال حوضين .

ثالثا : الانسان والمجتمع

يعتمد الانسان والمجتمع في شلاتين على الحركة والترحال النسبي داخل الحيز المكاني والمجال البيئي الممكن ، ويأخذ من الرعي والتجارة والصيد أساس معيشي لحياته ، تتشكل حولها سلوكياته وعاداته وتقاليده وثقافته وتراثه وفوق كل ذلك عمرانه لمستقراته سواء البدوية أو الحضرية ، وغالبية سكان تلك المنطقة من أبناء قبائل العبابدة والبشارية الذين ينتشرون في الصحراء الشرقية من الساحل الى الوادي ، ويقيمون غالبا في تجمعات بدوية في أودية الجبال والصحراء وتغلب عليهم الطبيعة البدوية المعتمدة على الترحال ، ومما لا شك فيه أن المحرك الاساسي لهذه القبائل هو توافر الامطار ( المياه ) وفي حالة توافر المياه لديهم من الممكن التحول من ظاهرة التنقل والتحال الى الاستقرار والاستيطان ، من البداوة الى الحضر .. وجدير بالذكر ان عدد سكان شلاتين قد تضاعف خلال العقود الثلاثة الماضية بمقدار 20.56 مرة ، وهو الامر الذي يلفت الانتباه نحوالحجم السكاني الذي تنبئ به معدلات الزيادة السكانية تلك ..

وتتحدد الاشكالية التنموية لمدينة شلاتين في ذلك التحول الاجتماعي الذي تشهده المدينة وتوطين السكان ، ونحدد عددا من المبادئ الاساسية حول هذه الاشكالية والخطط التنموية المرتبطة بها :

المشاركة الاجتماعية والاهلية للسكان في بلورة السياسات ورسم اولويات وبرامج التوطين من جهة ، بما يضمن نجاح تلك البرامج وملائمتها للمتطلبات الاجتماعية والسلوكيات المحلية للمجتمع في مراحل تحوله من البداوة الى الحضر .

العمل على تنمية وتطوير الانشطة الاقتصادية البديلة لانشطة الرعي والتي تدفع بعملية التحول الاجتماعي نحو العمران الحضري وتكرس الامكانية العمرانية للاستقرار وديمومة الاستيطان .

وضع برامج للتنمية البشرية واعداد الاهالي لمسايرة التحولات الاجتماعية والاقتصادية وكذلك العمرانية وتدريب ابناء المجتمع المحلي على انماط الانشطة الجديدة ضمن برامج وخطط التنمية الاقتصادية .

الاهتمام بخطط التنمية الادارية واعداد الكوادر البشرية المدربة من ابناء المجتمع المحلي لتحمل مسئولية ادارة التجمعات والخدمات الجديدة المتوالدة مع التحول العمراني المنظور .

تشجيع الهجرات السكانية ولا سيما الخبرات الفنية والادارية التي تحتاج اليها مشروعات التنمية و برامج التدريب والتأهيل في المراحل الاولى .

القيام بالدراسات المتخصصة للبيئة الطبيعية والجغرافية والجيولوجية ودراسة موارد المياه والتربة ودراسة الظروف المناخية للتعرف الدقيق على المناطق التي يمكن استغلالها في عمليات التوطين في مدينة شلاتين .

تحديد اولويات تنفيذ برامج الخدمات العمرانية المساعدة على جذب الهجرة وتشمل تلك الخدمات بصفة أساسية : خدمات الثروة الحيوانية والبيطرية ، هذا بالاضافة الى المرافق الرئيسية ولا سيما شبكات تغذية الماء والكهرباء .

اعداد برامج للارتقاء الحضري من خلال مشروعات للاسر المنتجة لرفع مستوى الأسرة المعيشي وترسيخ فكرة الانتماء الحضري للمكان واستغلال البيئة المحيطة في عملية انتاج تدفع بالحركة العمرانية نحو التمدين

عمل الدراسات المعمارية حول شكل وطبيعة الانماط التصميمية الملائمة وحجم وتصميم تلك الوحدات السكنية بما يتفق والبناء الاجتماعي والسلوك الانساني الحادث مع مراعاة أهمية التحول المتوقع نتيجة لمشروعات التوطين نفسها وما يصاحبها من تحول اجتماعي وسلوكي للانسان والاسرة والمجتمع .

رابعا : العمل والانتاج

تتميز مدينة شلاتين بأنها نقطة التقاء بين ثقافات وموروثات اجتماعية باعتبارها بوابة مصر الجنوبية الى افريقيا ، وفي اطار هذه الخصوصية تكتسب التنمية الاقتصادية للمنطقة أهمية لإقليمية ومحلية بالاضافة الى اعتبارها جزء من الاستراتيجية القومية الشاملة والمعتمدة على فتح محاور جديدة خارج الوادي حتى يتكامل ويتوازن الاقتصاد والعمران بما يضمن نجاح خطط وبرامج التوطين والتنمية البشرية المستهدفة في مدينة شلاتين ومثلث الجنوب عموما . وتتنوع امكانيات التنمية الاقتصادية في شلاتين بصورة تطرح اتجاهات مختلفة للتنمية مثل :

• التنمية الساحلية

• التنمية الصناعية

• الصيد

• التشييد والبناء

خامسا : العمران والاستيطان

تعتبر مدينة شلاتين نموذج خاص للتحول العمراني من البداوة الى الحضر . وهي بذلك تضم الامكانية العمرانية للنمطين البدوي والحضري معا ، وليس للمدينة كتلة عمرانية بالمفهوم المعروف ولكن يتشكل النسيج التقليدي من مستقرات بدوية متباعدة عن بعضها البعض يجمعها نسق استيطاني متشابه وبناء هيكلي يرتبط بالعادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية البدوية للمجتمع المحلي ، وإن كانت هذه المستقرات تحمل في طياتها تراكيب هندسية وأشكال تتلائم والظروف البيئية والمناخية للمكان من حيث التوجيه والتشكيل .

ويمكن تقسيم المناطق السكنية القائمة بالمدينة الى قسمين رئيسيين هما المناطق السكنية البدوية ومناطق السكن الاداري (وحدات توطين البدو ) :

– مناطق السكن الاداري ( وحدات التوطين ):

وهي تتمثل في الوحدات السكنية التي قامت الدولة بإنشائها في اطار تطوير وتنمية هذه المنطقة ، وأهم ما يميز هذه الوحدات انها وزعت في اشكال هندسية منتظمة الا انها تفتقر الى الفكر التخطيطي في توزيعاتها ، هذا بالاضافة الى أن المواد المستخدمة في بناء هذه الوحدات لا تتناسب وطبيعة المناخ في مثل هذه المناطق الصحراوية كما ان التصميم الداخلي للوحدة لم يراعي طبيعة الحياة البدوية لهؤلاء السكان من حيث العادات والتقاليد الاجتماعية وطبيعة النشاطات الذين يقومون بها واسلوب الحياة اليومية وما يترتب على هذه الاشياء من احتياجات مساحية وفراغية في الوحدة السكنية سواء كانت هذه المساحات مغطاة ومكشوفة ونسبة كل منهما الى الأخر.

– المناطق السكنية البدوية :

journal_Page_259

عرض مشروع توطين بدو شلاتين ..

مما سبق يمكن وضع التصورات الاستراتيجية لتنمية المدينة وتحويلها الى تجمع حضري رئيسي ومركزي يتمتع بنوع من الاستقرار وبالتالي الاستيطان الدائم والتنمية العمرانية الحضرية الشاملة ونحددها فيما يلي :

1. التحول الاجتماعي والعمراني لمجتمع مدينة شلاتين الشبه حضري الى مركز حضري اقليمي

2. تطوير وتنمية الدور الاداري والخدمي لمدينة شلاتين على المستوى الاقليمي لمنطقة مثلث الجنوب .

3. توفير المقومات الاقتصادية واستغلال الامكانات الطبيعية والمتاحة في الموضع .

4. تنويع مجالات الانشطة الاقتصادية وإستغلال الامكانات الطبيعية المتاحة في الموضع .

5. توفير فرص العمل للمجتمعات المحلية المستوطنة لدفع عملية الاستقرار من جهة ، والعمل على جذب الهجرة السكانية الى المنطقة من داخل الاقليم وخارجه من جهة اخرى .

6. دعم الاستراتيجية القومية لتوزيع السكان والتنمية العمرانية وزيادة نسبة المعمور خارج الوادي الضيق

7. تامين الحدود الجنوبية وبوابتها الى العمق الافريقي سواء على مستوى الامن القومي او التكامل والتفاعل التنموي .

ونتعرض فيما يلي ثلاثة دراسات تناولت تحقيق الاهداف العامة لتنمية شلاتين وذلك على مستويات ثلاثة هي :

– المخطط العام لتنمية المدينة .

– المخطط التفصيلي لمنطقة سكنية لتوطين البدو الرحل .

– تصميم وحدة نمطية لاسكان البدو .

أولا : المخطط العام لتنمية مدينة شلاتين :

يختلف الهيكل الاجتماعي والسكاني لمدينة شلاتين ومجتمعها المحلي عن كثير من المراكز العمرانية الحضرية ، فهو يشهد نمطين من السكان : توطين واستيطان

توطين وتحول اجتماعي لمستقرات بدوية

واستيطان لمهاجرين من مراكز حضرية اقليمية

الاول يرتبط بنمط اجتماعي واقتصادي قائم ومتواتر يعتمد على الرعي والترحال

والثاني يرتبط بنمط اقتصادي مستحدث ومهاجر يعتمد على برامج التنمية المنظورة

ومن الاثنين يتشكل نسيج المجتمع الجديد وعمران مدينة شلاتين الجديدة ، لذا كان من الضروري ان تتوافق الرؤية التخطيطة مع هذين النمطين خلال المراحل الاولى لنمو المدينة وحتى سنة الهدف وهو ما يمثل مرحلة انتقالية نسبيا في تشكيل هذا الكيان العمراني وتحول واندماج محسوب وبطئ بين القائم والوافد .

الفكر التخطيطي لتنمية المدينة

تعتمد الفكرة التخطيطية على اتجاهين اساسيين : أولهما الموازي للساحل حيث تتركز الاتجاهات التنموية الساحلية للسياحة المحلية او الدولية أو للتنمية الاقتصادية للأنشطة البحرية ولا سيما الصيد ، اما الاتجاه الثاني المتعامد مع الساحل في اتجاه الطريق الاقليمي والذي يمثل الظهير العمراني الاسكاني والخدمات العمرانية المركزية ويضم هذا الظهير محورين يمثلان نمطي العمران السابق الاشارة اليهم: نمط التوطين البدوي وهو المحور الافتراضي الذي يتجمع حوله غالبية المستقرات البدوية الحالية ويمتد من الظهير الجبلي والصحراوي الى البحر حيث التجمع العمراني الجديد للصيادين . ونمط الاسكان الحضري والمستحدث لجذب الهجرات السكانية من خارج المنطقة والاقليم وهي تمثل في غالبيتها الطبقة الاجتماعية المتوسطة المهاجرة للعمل في المشروعات التنموية المقترحة في الخطط والبرامج المستقبلية .

journal_Page_261

هكذا يتشكل عمران مدينة شلاتين من محورين عرضيين لكل منهما مجاله العمراني يبدأ كل منهما بمدخل مباشر من الطريق الاقليمي ومتصل مباشرة بقاعدة النشاط والتنمية الاقتصادية المتلائمة مع البنية الاجتماعية ويفصل بين المجالين مرحليا منطقة فاصلة بما يتناسب وطبيعة النسيج المركب من نمطين عمرانيين مختلفين اجتماعيا واقتصاديا وبالتالي عمرانيا كما ان كل من المجالين يتركب من بناء تخطيطي يختلف نسبيا وله صفاته الذاتية المرتبطة بالبناء الاجتماعي والاقتصادي لسكانه ، وبالرغم من التوازي العمراني بين المحورين الا انه يجمعهما المركز الاداري ومركز المدينة العمراني فيرتبطان ويتقابلان عند تلك التجمع المركزي ليتشكل منهما قطبا جديدا للخدمات العمرانية المحلية والاقليمية ينتهي عند المحور الساحلي للتنمية الشريطية الممتدة خارج الكتلة العمرانية وعلى امتداد ساحل المدينة.

ثانيا : التخطيط التفصيلي لمنطقة سكنية لتوطين بدو شلاتين

ومن دراسة التركيب الاجتماعي ونمط الحياة الاقتصادية لسكان شلاتين وما توحي به مؤشرات النمو العمراني للمدينة والقرى المحيطة بها ومدى توجه هذا النمو للتحول بين نمطي الحياة البدوية والحضرية ، وكذلك من دراسة الانماط العمرانية القائمة بالفعل في شلاتين ومدى عدم موائمة الرسمي منها للظروف الطبيعية والبيئية والاجتماعية لشلاتين ، وكذلك تدني المستوى العمراني للاسكان غير الرسمي في المنطقة كانت حتمية مشروع وحدات التوطين .. والذي تتشكل رؤيته حول هذا النسق الحضاري قبل أن يكون نسق معماري و عمراني ـ نسق البناء بالمشاركة ـ و في إطار مجموعة من المعطيات و الثوابت لإستراتيجية و سياسات إسكان و توطين بالدولة عامة ومحافظة البحر الأحمر خاصة مع مراعاة المتغيرات المحلية و ظروف المكان و البيئة الاجتماعية والاقتصادية ومتطلبات الإنسان صاحب المنفعة الأساسية للمشروع .

الرؤية التصميمية المعمارية و العمرانية للتخطيط :

المنطقة السكنية تحددها معطيات المشروع و الموقع المخصص له ، وتقوم الرؤية التصميمية لها على محددين رئيسيين هما :

مراعاة التركيب الاجتماعي القبلي لسكان شلاتين وعلاقات الجوار القائمة بالفعل بين المجموعات المرجو توطينهم . مع الاخذ في الاعتبار النمو المستقبلي للمجموعات .

مراعاة طبيعة الحياة الخاصة لهم واحتياجاتهم اليومية داخل المنطقة السكنية واهمية تدرج الخصوصية السكنية و المعيشية فيها مع المستويات الثلاث للمشروع : من فراغات خاصة مفتوحة أو مبنية داخل إطار الوحدة المتفردة “ وحدة التوطين « و التي تمثل النواة المعمارية الأساسية و تضم غرف النوم و المعيشة و مرافقها من مطبخ و حمام تنفتح على أحواش سماوية خاصة تتنوع بين الخاص لأهل الأسرة و الشبه خاص للضيافة .

journal_Page_262

بناءا على تلك المحددات جاءت الرؤية المعمارية والعمرانية للمشروع لتقوم على خلق انوية معيشية سكنية تتجمع في مجموعات الجوار السكني و التي تحلق فيها المساكن حول فراغ داخلي خاص بالمجموعة يمثل في تدرجه فراغ شبه عام للحياة الجماعية و الأحداث المشتركة الاجتماعية و المعيشية لمجموع سكان الجوار و التي اشرنا أنها حسب الدراسات الأولية قد تتفاوت بين 15 ـ 20 وحدة توطين سكنية أو أسرة .

و تتجاور تلك المجموعات حسب ظروف الموقع و أحجام التنمية المحددة لهذه المرحلة لكل موقع من المواقع الخمسة المخصصة للمشروع على حدة .

ثالثا : الوحدة السكنية

يقوم التصميم النموذجي للمسكن على تلبية احتياجات الانسان في اطار ظروفه البيئية ، و امكانياتـه الاقتصادية و الاجتماعية ، و في حدود المتاح محليا بالبيئة و مجالها من قدرات و امكانات ، و من خلال التناغم بين الاحتياجات و الامكانات و توافقا مع متغيرات البيئة و المكان و المجتمع يمكن للمصمم صياغة او اعادة صياغة رؤية معمارية لنموذج المسكن لمجتمع معين في بيئة بعينها ..

من هذا المدخل يحقق المعماري نجاحاته في ابداعياته المعمارية عموما و عمارة المسكن بشكل خاص ، و من هذا المدخل ذاته ابدع الانسان دوما بتلقائيته عمارته و مسكنه في بيئاته المتنوعة في مصر ، سواء عند استقراره او ترحاله ، و بالتالي نعتمد على ذات المدخل عند تحول هذا الانسان من نمط الترحال البدوي الى النمط الحضري او الريفي لعمران مجتمع محلي محدود غالبا و لكنه متنامي او يحمل امكانات النمو ، و هو بذلك متحديا للبيئة بسلبياتها و منسجما مع ايجابياتها ، في عملية تحول اجتماعي و عمراني .

.و المسكن بمفهومه الحضري في اقليم جنوب البحر الاحمر مظهر عمراني مستحدث مع التغيير الحادث او المنظور للمنطقة و مجتمعاتها ، و هو في هذا تعبيرا صادقا عن العلاقات والانماط العمرانية و الاجتماعية والتوازنات ، والتضاد بين ندرة الامكانات المتاحة في المكان .. و تمسك الانسان و انتمائه لذات المكان و هو يناظر التقابل بين فراغ خارجي غير محدود عند الانسان البدوي و فراغ المأوى المحدود الخاص به ، تقابل بين ترابط قبلي اجتماعي و خصوصية فردية ذاتية .. و ما ينطبق على المجموع ينطبق على الواحد ، و عندها يتناغم المجتمع مع البيئة .. و من هنا نفهم هذا المجتمع و نصمم له عمارته و مسكنه ..

journal_Page_263

و من هذا النهج .. نحدد الرؤية ان المسكن المحدود ينتمي الى فراغ غير محدود ويكون مدخلنا للمشروع المقدم لتصميم نموذج لمسكن قرى التوطين في مجتمعات جنوب البحر الاحمر المتحولة ، فعمارة المسكن هنا سواء الوحدة او المجموع يعتمد على تلك التعادلية التي تحقق للانسان وجوده في بيئته المحلية و تحولة من حالة الترحال و الاستيطان المؤقت الى الاستقرار و الاستيطان الدائم ، مع الاحتفاظ بموروثاته وهويته و انتمائه ، و بالتالي فان تصميم الوحدة او المجموع يحقق الملائمة البيئية والمجتمعية على حد السواء من خلال الفكر التصميمي ذاته ، و كذلك طرق وتقنيات الانشاء و مواد البناء الممكن استثمار المتاح منها ان وجد في البيئة المحلية ، وايضا الموروث التقليدي المعماري للمجتمعات المحلية او المماثلة ..

نحن هنا نخرج عن الاسلوب المألوف لمثل تلك المشروعات النمطية للاسكان سواء كان في نمط التصميم و الفكر التصميمي لتصميم المسكن ذاته ، او في تنمية امكانيات المتاح من مواد و تقنيات البناء او حتى في اسلوب التعامل و التنفيذ من الفكرة الى الانشاء ..

journal_Page_265

من خلال نتائج الدراسات المتخصصة و الرؤية المعمارية المقترحة للمشروع ، توصي هذه الدراسة الابتدائية على ضرورة الاعتماد على تطوير وتنمية استعمال مواد البناء المحلية و خاصة الطفلة لإنتاج الطوب الطفلي المصنع محليا بمواقع العمل أو بالقرب منها .. و بالتالي يتم البناء بنظام الحوائط الحاملة المبنية من الطوب الطفلي الغير محروق مع الاستفادة من الأحجار الجيرية المتاحة في أعمال الأساسات .. ويحقق هذا الموائمة البيئية المنشودة للظروف المناخية المحلية من جهة ، و الجدوى الاقتصادية للمشروع بخفض تكلفة الإنشاء من جهة أخرى .. هذا بالإضافة إلى تدريب المهارات المحلية لتطوير القدرات الذاتية بالمجتمع للاستفادة منها في الخطط المستقبلية ، وهو ما يتوافق مع الفلسفة الرئيسية للمشروع و نسقها « البناء بالمشاركة « .. و استثمار تلك الطاقات البشرية وتفعيل دور الفرد في عملية التنمية عامة والتنمية البشرية والعمرانية خاصة .

و مع الاعتماد على البناء بالطوب الطفلي و الحوائط الحاملة في عملية الإنشاء فإن الاتجاه المقترح هنا استعمال تقنيات التغطية بالقبوات ( على النمط النوبي ) و السائدة في جنوب الوادي نظرا للملائمة البيئية و ما يمثله هذا النمط البنائي من عدم الاحتياج إلى أعمال شدات خشبية كما هو متداول في الأسقف الخرسانية الأفقية ، كما انه يعتمد في البناء على مادة الطوب فقط كمادة إنشاء أساسية و هي ما يمكن توفيره في الموقع ، و هنا تتحقق كفاءة اقتصادية أخرى للخروج باقتصاديات بناء مناسبة مع تحقيق صورة معمارية و شخصية مميزة لعمارة المكان يسهل على المجتمع المحلي لاحقا بعد نهو برامج التدريب خلال تنفيذ المشروع من تنمية و ترسيخ حرفية بنائية بالمجتمع تمثل قيمة مضافة بشكل غير مباشر للتنمية العمرانية بالمنطقة و تخرج بالمجتمع ذاته في مرحلة تحوله من الترحال إلى الاستقرار الحضري من حالة المستهلك إلى حالة المنتج و المبدع …

و عموما و بالرغم من الالتزام بوحدة التصميم النمطي الملائم للمعطيات و الثوابت المحددة للمشروع إلا انه من خلال هذا التدرج من جهة و إثراء القدرات الذاتية للمجتمع المحلي للتطوير للخروج من مرحلة الاستهلاك إلى حالة الإبداع و الإنتاج يمكن الحصول على صورة معمارية تتميز بالتنوع في تشكيل تلك التراكيب العمرانية و المعمارية بطرق متفاوتة و بالتالي ننتهي إلى صور عمرانية لبناء هذه التجمعات متنوعة و لكن دونما فوضى أو عشوائية مخلة بالرؤية الشاملة لعمران المكان و تنميته و تطوره .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s