حكايات عن الهجرة والمقاومة

بقلم : نوران المرصفي …journal_Page_242

قد يضطر الانسان لهجرة موطنه او مدينة بمحض ارادته، أو لاسباب ليست له اى يد فيها. و فى كلتا الحالتين تترك تلك الهجرة آثار نفسية و اجتماعية عميقة ممتدة الاثر فى شخصية المهاجر و شتى تفاصيل حياته اليومية. عاش اهالى مدن القناة تجربة من امر التجارب فى النصف القرن الماضية عقب النكسة 67 بحيث تعرضت حياتهم الى تحولات جزرية يمتد اثارها لوقتنا الحالى. فبدأت الهذه الحالة قبل النكسة بعدة اشهر

فبراير 67:

سادت حاله من الامل و الفخر جموع الشعب أثناء بناء السد العالى بعد حالة من التخبط و الضياع و صعوبة الاوضاع السياسية لكن الشعب استطاع خلق هذا اليقين بقدرته على صنع المستحيل.

“ميزانية الدولة تضاعفت أكثر من خمسة مرات، و الدخل القومى زاد بنسبة 250 فى المائة، و الناتج القومى تضاعف، و توفر لمصر إكتفاءاً ذاتيا فى معظم احتياجاتها.” (ناصر- مصر)

مايو 67:

أمنت جموع الشعب بهذه الكلمات ..

”أن طائرتنا مستعدة لتدمير أى نوايا عدوانية لأساطيل حلفاء إسرائيل” (ناصر- مصر)

لم تكن الهزيمة خيار مطروح لدى المصريين ، حتى عندما جاء تصريح ليفى اشكول رئيس الوزراء الإسرائيل بعد الاحداث بينهم و بين سوريا مهددا بأستخدام العنف ضدهم .

مما ادى الى أعلان حال الطوارئ في مصر من قبل الحاكم العسكرى، و سحب قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط و إغلاق مضيق تيران قبالة خليج العقبة أمام السفن التي تحمل العلم الإسرائيلي، والسفن التي تحمل معدات حربية لإسرائيل.

يونيو 67:

إسرائيل تشن ضربة جوية استباقية تستهدف القواعد الجوية المصرية وتدمر الجانب الأكبر من السلاح الجوي المصري. 5 يونيو صباحاً .

اشتعلت الحرب بشكل مفاجئ بين إسرائيل من جهة و مصر و سوريا و الاردن و فلسطين من جهة. نجح العدوان فى احتلال سيناء بالكامل و قطاع غزة و الضفة الغربية و الجولان، فمات ما يقرب من 25 الف شخص فى الثلاث دول. أطلق عليها حرب الساعات الست. و كان لها صدى كبير على العالم إجمع فأخذت دول العالم تعلن مواقفها بين مؤيد و معارض او حتى من مواقف حيادية غير مفهومة خاصة بعد أثار العدوان الثلاثى .

أما بالنسبة للمصريين فعلت وجوههم ذهول الصدمة، بعد ان شاهدوا شتات الجيش فى الضفة الغربية يعود منسحباً من سيناء ويقوم بمظاهرات عسكرية وحاشدة.

“نصل الآن إلى نقطة هامة فى هذه المكاشفة بسؤال أنفسنا: هل معنى ذلك أننا لا نتحمل مسئولية فى تبعات هذه النكسة؟ وأقول لكم بصدق – وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفى فى الأزمة – فإننى على استعداد لتحمل المسئولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدونى عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أى منصب رسمى وأى دور سياسى، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدى واجبى معها كأى مواطن آخر.” (ناصر-مصر)

كانت تجربة قاسية لابد من التغلب عليها و إزالتها و عدم تكرارها. فكان العرف السائد لدى الجميع أن الكبرياء القومى لابد أن يسترد بالقتال، و فى يومى 9، 10 يونيو خرج الشعب المصرى غاضبا الى الشوارع رافضاً الهزيمة، رافضا منطق ادارة الازمة يردد شعارة .. “هنحارب”

بدأت حرب الاستنزاف، و تحمل الشعب التبعات القاسية لحالة الحرب، لتخصيص 50% من ميزانية الدولة لإعادة بناء القوات المسلحة. فكان شعار المرحلة هو: “يد تبنى و يد تحمل السلاح”.

اشتد القصف الاسرائيلي على مدن القناة ، كانت تقصف الاهداف المدنية بشكل عشوائى فلم تسلم المدارس و المصانع و المبانى السكنية من القصف مما أدى الى تأجيل الدراسة، ثم ألغائها، فأصبح التهجير اهالى مدن القناة قراراُ حتميا لصعوبة العيش هناك نظراً لسوء الاوضاع و القصف المستمر.

و هنا لم يردد اهالى مدن القناة نفس الشعار كسائر اهالى المحروسة لكنهم أبدعوا شعارهم الخاص

“التهجير جزء من المعركة و لمصلحتها”

السويس67

كان قرارالتهجير قاسيا على جموع السكان وكان جزءاً من قسوته يكمن فى كونه حتميا، لم يترك الجميع منازلهم للهجرة. فرفض البعض التخلى عن مدينته ليؤدى دوره فى المعركة متمثلا فى تمسك عمال المصانع بالمصانع، فتطوعوا للعمل 12 ساعة يوميا بلا أجر اضافى،لكن معظم السكان بدأوا فى تنفيذ قرار التهجير حيث تركوا منازلهم، أماكن نشأتهم، عاداتهم، تقاليدهم الاجتماعية و الثقافية، متخليين عن نمط حياتهم اليومى على سواحل البحر و حلقات السمر على أنغام السمسمية و دورى الشوارع للكرة الشراب، و احتفالاتهم بحرق دمى اللورد اللنبى و تبادلهم الغناء و التهانى ليكتشفوا المجهول فى رحلتهم الى اعماق المحروسة.

و لا يوجد مصدرا الا من خلال روايات من عاشوا هذه التجربة بتفاصيلها.

جلسنا على القهوة بجانب موقف الاتوبيسات للسويس نتسامر فقص على: “ أحنا اتبهدلنا يا استاذة، مكانش فى مواصلات نسافر بيها و كان القطر هو تقريبا الحل الوحيد قدامنا احنا رجعنا تانى 68 و ساعتها انضميت للمقاومة الشعبية و كنت بناضل معاهم بس الصراحة الحكومة وقتها كانت كويسة اوى مش زى دلوقتى، كانوا بيدونا بطاطين، و هدوم، و أكل .. “

قاطعته سائلة هل كان هناك أماكن معينة او خطة من الدولة للتهجير؟! .. رد مبتسماً

“ يا أستاذة احنا كنا فى حالة حرب الحكومة هتعمل ايه، كنا بنسافر بقى على قرايبنا لو عندنا و فى ناس كانت بتقعد فى اسكان جماعى و كنا بنعوم لخط برليف و نرجع كل يوم كنا عيال و عندنا حماس.” (عم حربى –السويس)

و سألنى الاخر : “ انتى عايزة تعرفى عن انهى حرب، 67 .. لا ديه انا مفتكرهاش اوى انا كنت 7 سنين ساعتها و سافرنا انا و اختى و والدتى على اسكندرية و بعدها اختى الكبيرة و جوزها حصلونا على هناك قعدنا عند جماعة قرايبنا هناك، بس اخويا الكبير و أبويا فضلوا فى السويس مسافروش معانا، إسرائيل كنوع من الحصار قفلت المياة عن السويس تماماً، لحد ما اكتشفوا عين غريب. وبعد مارجعنا الملك فيصل عمل مساكن هدية لمدينة السويس (معونة للشعب يعنى) و عملها احياء حى جدة، حى منى، حى مكة، حى الطايف.. و كان عامل المساكن بالفرش بتاعها بس الحكومة اخدت الفرش من البيوت .” (ياسر- السويس)

و حين سألت عن السمسمية أجابنى بالدموع و الاسف و طلب ان ننهى الحوار.

ثم اضاف “ بس احنا (السوايسة) اكتر مدينة اتظلمت و مأخدناش حقنا لحد دلوقتى”

أراد ياسر ان ينهى الحوار فالسمسمية ذكرته بالمقاومة، بالاخ الذى فقد احد اصابع يده و هو يدافع عن بلده.

أخذت العجوز تحكى لى: “ يوم 8 يونيو انسحب الجيش من سيناء بالكامل و بدأوا يهجرونا عشان البيوت كانت تحت القصف، انا كان معايا ساعتها اربع عيال و جوزى و احنا ماشين من بورسعيد مكانش فى مواصلات نسافر بيها ركبونا قطار حربى، ولم الإسرائلين عرفوا قصفوا القطار و ناس كتير اوى ماتت، احنا يومها نمنا فوق العيال من الرعب عليهم و نطينا من الشباك، القطار اتضرب قبل القنطرة بكيلو و بيتنا يوميها فى عزبة الجزيرية فى بيوت عرب من غير سقف، لحد تانى يوم الصبح و بعدها وصلنا الشرقية لما دخلنا الشرقية لقينا العساكر مستخبية بالصواريخ تحت الشجر (لم افهم مدلول هذة الجملة،و لم تستطع هذة المرأة العجوز افادتى بمعنى له ).

بس احنا رجعنا تانى فى شهر 8 الوضع كان صعب مشينا فى شهر 9 تانى بقى جينا بقى ساعتها سكنونا فى القاهرة فى عمارات عثمان اللى فى مدينة نصر، كانوا معمولين عشان الخبراء الاجانب اصلا و فى سنة ال73 بعد النصر بقى قالوا اللى عايز يقعد مكانه يقعد و اللى عايز يرجع تانى لبلده يرجع و ملكونا البيوت اللى كنا عايشين فيها، انتى عارفة فى سنين حرب الاستنذاف كانت الحكومة بتدينا الاكل بالبطاقات الفئوية … كانت أيام، بس لو عايزة تعرفى عن المقاومة الشعبية شوفى راجل من اللى مرضيوش يسافروا و كانوا بيعملوا عمليات فدائية فى بورفؤاد .” (زكية-بورسعيد)

استثار كلام العجوز فضولى، فطالما سمعت عن المقاومة الشعبية ، و ترددت على اذنى كلمة المدن الباسلة، و الفدائيين فبدأت ابحث وراء هذة الكلمات.

قال ( عبد العزيز البلتاجى- السويس) “ بعد 1967 هاجر معظم سكان مدن القناة إلى المحافظات الاخرى بأمر مباشر من الحاكم العسكرى، و لم يتبقى فى السويس إلا الجنود و المقاومة الشعبية، لم يكن العدد يتجاوز 5 الاف الجميع سافروا بسب مشاهد الدمار”.

لا يخلو شارع ولا حارة ولا زقاق بمدن القناة من المناضليين و الفدائيين الذين لا يزالون يحتفظوا بذكريات العدوان الثلاقى و النكسة و الحرب و المقاومة على انغام السمسمية، فكان من اشهر المواقف بعد النكسة سفرالشاعر عبد الرحمن الأبنودى الفنان الأصيل محمد حمام وذهب إلى مدينة السويس وكتب يابيوت السويس ..

“ يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي،

استشهد تحتك وتعيشي انتي،

يا بيوت السويس”

سألت احد اصدقائى السوايسة عن ما يعرفه عن المقاومة الشعبية فحكى لى عن جده: “ كان عمال هيئة قناة السويس يعملون فى الصباح فى الهيئة تحت الحصار، و فى الليل يعملون بالمقاومة الشعبية ،فكانوا يستقلون الزوارق الصغيرة الى الشاطئ الاخر بحثا عن الجرحى من الجيش المصرى الذىين اصيبوا بنيران العدو، يتغنون طوال الطريق بأغانيهم الحماسية مثيلات

“ غنّي يا سمسمية

لرصاص البندقية

و لكل إيد قوية حاضنة زنودها المدافع”.

و فى أحدى المرات التى كانوا يذهبوا فيها اخذوا ثلاث جنود جرحى كانوا فى مخبئ بعيد عن اعين العدو، فأخذهم الحاج عمارة و ابناؤة فى الزورق لبورفؤاد لم يدوم الوقت طويلا حتى فجأتهم طلقات العدو واصلوا السير حتى وصلوا الى المعدية ، لكن اصيب الزورق بقذيفة لم ينجو منها الا اثنان من الجنود و ابناء الحج عمارة فقط، و كانت وصيت الحج عمارة لأبناؤه ان يكملوا ما بدوأ”

لكن كلمة واحدة واحدة لم اعرف عنها شئ الفدائيين ، و هى مجموعات بدأت تتكون فى السويس بعد النكسة لحماية المنشأت الحيوية، و لحراسة بورتوفيق و شركات البترول . فكانوا يقومون بدوريات ليلية لتأمين السفن الراسية. و اعلان ناصر مد المقاومة الشعبية بالسلاح للدفاع عن القناة.

وصف الرجل العجوز ذكرياتة فى منتهى الفخر: “ الشعب كان عنده شغف يدخل سيناء يحارب جواها، عشان كنا حاسيين بالانتماء و ان المكان ملكنا، رحنا لمكتب المخابرات و اخترونا عشان نتدرب معاهم، كانت مهمتنا اننا نعمل عمليات فدائية، زى زراعة الالغام، او خط جنود العدو كأسرى، أهم حاجة انها تكون الصبح، عشان نثبتلهم اننا قادرين.” (عبد المنعم خالد- فدائى-منظمة سيناء العربية)

لا يستطع عقلى رسم صورة للوضع و لا لمعاناة الاهالى المهجرين و صعوبة الهجرة فى ظل الخوف من المجهول و طول الرحلة و مشقتها،ولا لتضحية المقاومة الشعبية الباسلة فى مساعدة الجيش، و لاتزل مدن القناة تأسر أهلها حتى المقيمين خارجها، فيجذبهم الحنين اليها و الى ليلها السامر. لم تكن الهجرة خياراً سهلاً على الاطلاق ،كذلك لم يكن خيار البقاء، و يمكن اعتبار كلاهما نوعان مختلفان من المقاومة. حيث تركا اثارهم الخاصة على من اختارهم. فمشاهدة مواقف سكان مدن القناة خلال السنتان الماضيتان كان خير دليل على التغير الاجتماعية والنفسية للسكان فرددت جموع الشعب شعارات هادئة لكن بعد سقوط اول شهيد للثورة فى السويس اطلق السكان كعادتهم شعارهم الخاص

“ عظم ولادنا نلمه نلمه ، نسنه نسنه ، و نعمل منه مدافع و ندافع و نجيب النصرهدية لمصر”

لم يكن الحديث فقط عن الهجرة أو المقاومة انما عن كيف امتزجا معا لوصف الحالة ­­التى عاشها اهالى مدن القناة بين خوف و شجاعة و نضال و صبر و حماس حتى وصلوا للنصر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s