جوار ام حوار

بقلم : نرمين عصام …

«إن المدينة تأكل سكانها كما يقال، و لكنها هنا تأكل أرضها أيضا، فهى من قوارض الأرض الزراعية،و بشراهة « كتاب القاهرة لـ د. جمال حمدان journal_Page_250

وضعت الكثير من المخططات للحد من نمو القاهرة و تنظيم العلاقة بين أنساقها المختلفة، و لكن يبدو أن القاهرة تتمرد وتابى أن تحجم و تقيد و تثور على أى محددات بشرية كانت أو طبيعية.أحاول فى هذة المقالة قراءة واقع عمرانى موجود و بالتالى فهذه محاولة قد تصيب أو تخيب.

القاهرة الحالية تطورت عمرانيا على مدار عصور طويلة و متباعدة مما أسفر عن إختلافات كبيرة فى أشكال و أنماط العمران حيث تتداخل المناطق المخططة مع المناطق العفوية . فبعد أن بدأت القاهرة بحدود صارمة كالخط الهندسى هى سور المدينة أصبحت تتخلل المزروع و تتخلله كمدينة بلا حدود. أحاول هنا فهم كيف تتداخل طبقات من التخطيط مع بعضها البعض و كيف تترك لنا جيوبا من الفضاءات غير المفهومة التى تبدو وكأنها لا تنتمى للنسق العام المحيط بها. فبداخل معظم المناطق المصممة مناطق أخرى عفوية حيث يظهر جليا النمطين اللذين يتقاسمان رقعة المدينة: التخطيط التلقائى العفوى الذى يمثل النمط العتيق فى المدن بل و القرى المصرية عامة، و يمثل فى العاصمة مناطق النواة القديمة منها و يأخذ شكل مكعبات متداخلة و مركبة، و التخطيط الهندسى المصمم المنتظم الذى يأخذ شكل مضلعات أو مستطيلات تتخللها الشوارع الواسعة و أحيانا بعض الفراغات الخضراء. و كثيرا ما يمثل النسق الأول جيوبا فى قلب النسق الثانى . فتبدوا القاهرة و كأنها لوحة موزايك لا نهائية من وحدات هندسية مصممة و عفوية.

ضفتى المدينة

يسود التخطيط الهندسى الحديث بشكل عام فى القاهرة و بشكل واضح فى الضفة الغربية عنه فى الضفة الشرقية حيث أن الرقعة الكبرى من تلك المنطقة هى بنت القرن الأخير أما المناطق المخططة عفويا فهى تنحصر فى جنوب الضفة الغربية و توجد بعض الجيوب الشاذة فى الشمال.بينما تكثر المناطق العفوية القديمة فى الضفة الشرقية للنيل و إلا أن الكثير من عمليات التقويم و التهذيب الهندسى فرضت على رقع واسعة من مناطق التخطيط القديم على مر العصور- منذ عصر محمد على و حتى زمننا هذا-، مما خفف من إنتشارها و إن لم يخفف من أثرها . و لعل هذا هو السبب فى أن التضاد بين هذه الجيوب العفوية أو القروية و بين المناطق المصممة هندسيا أقوى و أوضح فى الضفة الغربية – نتيجة ملاحظة الخريطة- عنه فى الضفة الشرقية.

فيجب أن نأخذ فى الإعتبار أن غرب النيل كان و حتى الخمسينات من القرن السابق كان منطقة زراعية لم يصل العمران لها. فكانت هناك بعض القرى الريفية البسيطة.لطالما كانت الضفة الشرقية هى ضفة الحياة، و الضفة الغربية هى مدن الموت و القري الريفية فكانت هناك أهرمات الجيزة بينما كانت العواصم فى الشرق و استكمل العرب بعد دخولهم مصر نفس منهج البناء فى الشرق فكانت العاصمة المصممة الفسطاط و تبعتها العسكر فالقطائع ثم القاهرة. و إستمر نمو العاصمة الشرقية حتى عهد أسرة محمد على بينما الضفة الغربية التى و حتى بداية القرن العشرين ظلت قاصرة على مدينة الجيزة المتواضعة التى لعبت دور رأس الجسر أمام الفسطاط وقد إشتق اسمها من الإجتياز أو المجاز أى همزة الوصل بين العاصمة و الصعيد. و نجد الفارق القوى بين نسيج ضفتى النيل ففى الشرق نجد سلسلة تلال تقترب من النهر فى الجنوب و تنفرج بعيدا عنه كلما إتجهنا شمالا هى جبل المقطم الذى ينتهى فى الشمال بالجبل الأحمر قرب العباسية تحد من نمو المدينة شرقا مما يفسر إنضغاط المدينة فى هذة المنطقة التى نمت بشكل متداخل و كثيف و مركب نتيجة للمحددات الجغرافية التى صعب التعامل معها- حتى دفع الإنفجار السكانى و الحاجة إلى مسكن لمحدودى الدخل بأن يسكنوا التلال و تنشأ المناطق العفوية التى تتطورت من مدن صفيح إلى مدن من الطوب الأحمر مثل منشأة ناصر و غيرها .

أما الضفة الغربية و بالتحديد مدينة الجيزة فظلت تنمو شمالا ببطئ كشريط يزداد سمكا وعمقا إلى أن دخلت فى موجة التمدن فى الأربعينات من القرن السابق عندما تم تقسيمها لتكون مساكن ثم تم إنشاء مساكن أخرى بعد الحرب الأخيرة للطبقة الوسطى المنتمية إلى مهن محددة مثل المهندسين و الصحفيين و المعلميين و الأطباء ووصل المد العمرانى عبر الدقى و العجوزة إلى إمبابة . و بعد أن كان عمران الجيزة يقع دائما جنوب القاهرة، أصبح غربها نصا. و هنا نلاحظ أن نمو الضفة الغربية باستثناء بندر الجيزة _ أى مركز مدينة الجيزة القديم- هو نمو طارئ حديث إذا قورن بالضفة الشرقية عموما. و يقول د. جمال حمدان فى كتابه القاهرة واصفا نمو القاهرة بين ضوابطه و محاوره :

«فتاريخ المدينة لم يكن تمديدا للأطراف فحسب بل و تكثيفا للداخل أيضا. و لقد أتى على القاهرة حين من الدهر كانت تتخلل منطقتها المبنية فجوات و فراغات ضخمة من الخراب أو الخواء. و حتى أوائل القرن الماضى كان جسم المدينة مبعثرا مخلخلا غير ملموم، و لكنه أخذ يلتئم بالتدريج. و بينما كانت الأطراف تنمو كفيلات مبعثرة وسط الحقول، كانت الفيلات فى الوسط تتحول إلى عمارات، و العمارات تتناطح و تتلاحم و تتسابق إلى الأعلى كالأشجار فى الغابة تتصارع من أجل الوصول إلى الشمس.»

الجيوب المختلفة و الضواحى الشريطية

و بهذا لا نستطيع أن نجزم إذا ما كانت هذه الجيوب وخاصة فى الضفة الغربية هى بقايا القرى الريفية أم أنها عشوائيات أنشأت جديدا على حطام هذه القرى أو على حطام مناطق مصممة سابقا. فلا نستطيع أن نحدد إذا ما كان نمو القاهرة المطرد قد أدى إلى الموت التام و المفاجئ للقرى الزراعية، فلا نستبعد أنها تحولت أو تحورت لتكون ما هى عليه فى وقتنا الحالى و لكننا نستطيع أن نلاحظ و نحلل نسقها العمرانى الذى كثيرا ما يشبه القرى الريفية فى تكويناتها المتداخلة و المتدرجة و الشوارع الملتوية و الأزقة و الحارات على عكس نسيج مناطق أخرى متهمة بالعشوائية أيضا تقع بعيدا عن قلب المدينة مثل بولاق الدكرورو صفط اللبن . فهى فى الأصل أراضى زراعيه و قرى صغيرة تم تحويلها إلى منطقة إسكانية . فارتبط تقسيم الأراضى فيها بميكانزمات الرى و الزراعة حيث يتم تقسيم الأراضى الزراعية بحيث يكون لكل قطعة علاقة مباشرة مع المجرى المائى مما ينتج عنه مساحات شريطية للغاية و بالتالى عندما أصبحت أراضى بناء تحولت الترعة إلى شارع رئيسي و المصرف إلى حارة و حوض الزراعة المستطيل إلى مبنى أو عدة مبانى متوازية، فقد يكون هذا سببا لشكلها الشريطى و يبقى قلب القرية القديم المتداخل و المركب واضحا مختلفا عما حوله من عمران يمكننا فصله و استقراء حدوده و تمييز داير الناحية -أى الطريق الذى يييط بالقرية القديمة- الذى تخرج منه إلى قلب المنطقة المبنية عشرات من الطرق الضيقة و الحارات التى تنتهى إلى نهايات مسدودة فى قلب البلد –أى أزقة مغلقة- و التى تتلوى و تتفرع و تتخلل الكتلة المبنية بدرجة أو أخرى و تبدو فيها العفوية بوضوح ولكن تظهر فيها الخاصية الإشعاعية حيث يمكن تحديد المركز الذى يخرج منه المد العمرانى، و كثيرا ما يشبه هذا الوصف الجيوب السابق ذكرها . و لكن مع مرور الوقت و زيادة العمران المبنى عشوائيا فوق الأراضى الزراعية حولها و بالتالى زيادة كثافتها و تداخل و تعقيد نسقها يبدأ هذا النسيج فى الذوبان لتلتهمه المدينة الشريطية الجديدة . و قد يكون هذا ما حدث أيضا مع العديد من القرى المحيطة بالقاهرة خارج الطريق الدائرى مثل ناهيا و المعتمدية، لذا يصعب علينا إيقاف القاهرة أو تحديدها بطريق دائرى فعلى حافة الطرق يبدأ الزحف العمرانى و يحدث هذا «التحضر العشوائى» كما وصفته الدكتورة جليلة القاضى فى كتابها الذى يحمل نفس الإسم.

ففى وسط عمران القاهرة المصمم و فى موازاة شارع جامعة الدول العربية و شمال ميدان أسوان نجد منطقة ذات طابع عمرانى مختلف. لا أستطيع أن أجزم إذا كان هذا الطابع عشوائى كما تدعى الصحف أم أنه طابع ريفى أو قروى كما تميل نتائج الملاحظة. الحيتية ليست المنطقة الوحيدة المختلفة عن النسق المصمم فى غرب النيل، فهناك مناطق أخرى كثيرة. ولكن الصورة الجوية لهذه المنطقة توضح التناقض الصارخ.

نجد الفارق القوى بين المدينة التى زحفت على الريف بلا تخطيط مثل بولاق الدكرور و صفط اللبن و بين المدينة المصمة التى هبطت فوق الريف تاركه جيوب من نسيج مختلف مثل ما نجده فى الضفة الغربية من النيل كالمهندسين و الدقى. فربما أخذت تلك الجيوب هذا النسق المركب و المتداخل لإنها محاطة من كل جانب بحدود قوية و مصممة مما جعل نموها و تمددها للخارج أصعب.

أخلاق الريف و ضغط المدينة

و هنا نجد أنفسنا أمام نسقين متداخلين ومجتمعين متداخلين أيضا. فى أحد هذه الحالات التى تجمع مابين المساكن المصممة و المساكن العفوية يحكى كمال خليل فى كتابه حكايات من زمن فات عن موظف حكومى يسكن أحد المنازل المصممة و يربى بعض الطيور على سطح منزله ليأكلها أو يتاجر بها– كعادة سكان الريف مما قد يشير إلى أصل نشاته- و فى يوم من الأيام سقطت وزة لتقع على سطح أحد المنازل العفوبة المجاورة فوجدها شخص بسيط الحال يدعى شلوفة فسأل الجالسين على المقهى الذى يجمع بين سكان المنطقة بجزئيها المصمم و العفوى عن صاحب هذه الوزة فلم يجد من يدله. بعد فترة من الزمن سأل الموظف عن وزنه الضائعة فأتى إليه شلوفة بوسادة من الريش و قال له أن هذا ما تبقى من وزته التى أكلتها أسرة شلوفة. دفعتنى هذه القصة لأن أرى أبعاد أخرى لمسألة الجيوب العفوية فى وسط الفضائات المنظمة. ربما كان الفارق واضحا و صارخا فى الصور الفوقية للنسيج العمرانى و قد يدفع هذا المخططين و المعماريين للتنظير عن مدى خطورة هذه الجيوب و كيفية دمجها مع ما يحيط بها من نسق منظم .و لكن قد يكون الوضع على المستوى الإنسانى أبسط و أسهل- أكرر هذا مجرد إفتراض- فليس بالضرورة أن يكون سكان المناطق المصممة هندسيا متمدين ، فبينما الفاصل العمرانى قوى و واضح و ربما يكون الفاصل الإجتماعى أخف وطأة مما نتصور أو أكثر حدة مما يبدو على الخريطة . فكثيرا ما نسمع كيف يخشى سكان العجوزة والدقى دخول المناطق العفوية مثل الحيتية. و تتردد الحكايات عن المجرمين الذين يعيشون فى هذه المناطق، و تروجها الصحف لا أعرف مدى دقة هذه القصص و ما إذا كانت العلاقة الإجتماعية بين الفضائين المصمم و العفوى مبنية على صراع دائم أم تبادل مصالح أم الإثنين معا.

أى من النسقيين أكثر إستيعابا لحياة سكانه؟

يرتبط هذا السؤال بصراع أكبر و هو بين المناطق المصممة بقواعد و قوانين ثابتة و المناطق العفوية المبنية على قوانين الإحتياجات و الأولويات . فالأولى تأتى بقرار سيادى و لها مصمم و مخطط و كثافة محسوبة والية عمل أما الثانية فقد جائت نتيجة قرار لفرد تلبية لإحتياج بسيط و مباشر. إنسان محدود الإمكانيات إحتاج إلى مأوى فصنعه بيده و أتى آخر و فعل مثله فظهرت هذه المناطق من العشش و الصفيح و إتسعت لتصبح مدنا و تطورت مع تطور سكانها لتصبح من الطوب الأحمر و الخشب و نمت دون تخطيط و لكن بأسس و أعراف إجتماعية و إقتصادية بين سكانها . فبالرغم من التدهور الخدمى للمناطق العفوية إلا أن كثيرا ما تحتوى على مفردات و وظائف لا تستطيع قوانين التخطيط أن تحتويها. ويدفعنا هذا للتساؤل إذا ما كانت هذه القوانين الموضوعة من قبل المخططين قادرة على إستيعاب الإنسان و مواكبه تطوره و إحتياجاته المختلفة أم أنها تقيد حركة نموه أو إنكماشه و تضعه فى قالب واحد ذا أبعاد محددة. فكثيرا ما نجد أن للفراغات فى المناطق العفوية قدرة على التغير غير موجودة فى المناطق المصممة حيث يستطيع الفرد أن يضيف إلى منزله مساحات جديدة سواء أفقيا بالخروج بكوابيل إلى الخارج أورأسيا ببناء غرفة أو أكثر فوق منزله،كما تستطيع أسرة أن تنشأ مخرجا من وحدته فى الدور الأول أو الثانى إلى الشارع مباشرة و تقسم شقتها لتؤجرها لآخرين فى حال قل عدد الأسرة أو إحتياجها لدخل إضافى. و على الصعيد الآخر فإن المناطق العفوية قد ينقصها النظام و القانون المنصف الذى يكفل لصاحب كل فراغ حقه و الذى يضمن المساواة بين الجميع و لكن إذا كان هذا النظام و القانون موجود حقا هل كان لهذه المناطق أن تتواجد من الأساس.و فى نماذج مثل الحيتية و المهندسين مثلا نتسائل عن سبب بقاء النسقين بهذا القرب و عن إذا ما كان هناك نسق يحاول فرض هيمنته على الآخر ؟ فمن المؤكد أن هناك معادلة قوى بين الطرفيين تحتاج بحث متكامل لمعرفتها إجتماعيا و عمرانيا و إقتصاديا و سياسيا. و نجد أنفسنا أمام القاهرة كنموذج فريد للمدن التى تجمع بين منهجى التخطيط و العفوية اللذان تتابعا و تتداخلا زمنيا و مكانيا عبر العصور، و هل ما نراه الآن عمران مخطط هو حقا كذلك أم أنه يحتوى على قدرا من العشوائية؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s