الهجرة بحثا عن وطن ..

بقلم :  شيماء شاهين …

قد يوحي تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الآونة الاخيرة في بلادنا بأنه وحده وراء الإزدياد المضطرد في معدلات الهجرة . حيث تجعل ندرة فرص العمل  التي تمنح للمواطن الحد الأدنى من الحياة الكريمة  من الهجرة  الاختيار الوحيد المطروح نحو حياة أكثر انسانية  . إلا أن الواقع الذي نحياه يؤكد غير ذلك .. ففي الوقت الذي تعلن فيه نتائج بعض الدراسات التي أجريت حول ظاهرة الهجرة في مصر – الداخلية منها بصفة خاصة –  أن أكثر من 25% من سكان مصر يعيشون في محافظات غير التي ولدوا بها ([1]). وأن أغلب هؤلاء تركوا محافظاتهم سعيا وراء فرص العمل الأفضل , تؤكد الارقام  أن الكثير من هؤلاء ينتهي به الامر إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية لا تختلف كثيرا عما هجره في بلاده ، بل أقل ،  حيث يتقاضى أكثر من 64% من هؤلاء أجورا أقل من تلك التي يتقاضها نظرائهم المقيمين([2]).مما يؤكد وجود دوافع اخرى للهجرة أعمق من مجرد التغلب على المعاناة الاقتصادية ..وإذا كانت تلك الارقام والاحصائيات تطرح للنقاش دوافع من تمكنوا بالفعل من الهجرة وترك مواطنهم إلا أن هناك الكثير ممن لم يتركوا الوطن بأجسادهم و يمارسون هجرات أخرى معنوية ، ويعيشون على أرض الوطن في حالة مستمرة من الرفض والتنكر لقيمه وتاريخه والاغتراب داخل حدوده ..

اغتراب يتمثل في : صراع الإنسان مع أبعاد وجوده،  صراع مع القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتحديد موقفه التاريخي مما يدور حوله، ويكون مغترباً عن هذا الموقف لأنه لا يتحقق، فيبقى الإنسان مستهلكاً مسلوب الذات.بل وأبعد من ذلك وأخطر تأثيرا من وجهة نظري هو الصراع مع القيم المجتمعية التي يبدأ  الفرد اغترابه داخل مجتمعه ووطنه بإنكارها ورفضها بكل ايجابياتها وسلبياتها ، ويتجه نحو: البحث عن عالم المُثل (المفقود) لأن الواقع الذي يعيش فيه يسحق شخصيته الإنسانية ويشوهها فيهرب إلى عالم الخيال، ويقترح للإنسانية أساساً روحياً بدلاً عن الأساس الواقعي لها، ويزداد الصراع في هذا البعد كلما ازداد وعي الإنسان بذاته، إذ يبدو له كل ما يحيط به ثقلاً عليه، وقيوداً يضيق بها ذرعاً ولا يخرج من ذلك تواصله أو علاقاته الاجتماعية، ومن هنا تأتي عزلته، ومن ثم اغترابه عن القيم الواعية التي تحيط به وتحكمه.([3] ) وتتجلى نتيجة هذا الصراع القيمي في ملامح أجيال متعاقبة من مواطنينا الذين اختاروا الاغتراب داخل عوالم وهمية :

فيتجه البعض إلى تاريخنا  القريب أو البعيد ، إلى ما يشبعه هذا التاريخ  في نفوسنا من نجاح وازدهار ، وما يعد به استعادة هذا التاريخ من استعادة لقيمة الفرد ومكانته وكرامته . في تعامل يكون أحيانا شديد السطحية مع هذا التاريخ لدرجة تختصره إلى بعض التفاصيل الشكلية وتلاعب بالألفاظ والمسميات لا أكثر ، متجاهلين في ذلك جوهر هذا التاريخ العظيم وهو قدرته على التعايش والنجاح من خلال معطيات عصره ..هروبا من حدود المكان إلى العالم الغربي بثقافته وافكاره باعتباره النموذج الحلم لكل ما لم يستطع مجتمعنا أن يحقق ، هروبا إلى ما يدعيه هذا العالم عن كونه منارة الدعوة إلى حفظ حقوق الانسان ، و العالم المثالي الذي يجد فيه كل انسان الفرصة العظيمة لتحقيق ذاته وتنمية امكانياته واكتشاف مواهبه . وذلك بغض النظر عن كم السلبيات التي افرزتها الحضارة المادية للعالم الغربي على المستوى الفردي والجمعي والفروق الشاسعة بين مجتمعاتنا ، بل أن في ذلك الهروب دعوة متعمدة لتذويب تلك الفوارق الحضارية وتكسير الهوية المجتمعية ..هروبا إلى ايديولوجيات وعقائد دينية كانت أو سياسية ، واحتماءا بها كما لو كان لتلك العقائد قدرة ذاتية مطلقة على مواجهة عقبات الواقع وتحقيق المستحيل ، هروبا يحصر الفرد داخل دائرة مغلقة ممن يشاركونه نفس العقيدة بصفتهم أصحاب الحقيقة الوحيدة المطلقة ، يستثني غيرهم من حياته بل ويعادي المختلفين معه . تصبح هي في حد ذاتها الوطن والحلم  .. يكرس جهوده في التنقيب داخل طياتها عن مخارج أزماته المعاصرة فيلجأ الى تحميلها ما لا تحتمل ، وتعمى بصيرته عن رؤية جوهرها ، وبالتالي تعصى قدراته عن تحويلها الى واقع ، وتتحول  دون ان يدرك من وطن الى منفى.  هروبا من كل ما هو واقعي الى كل ما هو وهمي من خلال حياة كاملة استطاعت ان توفرها العوالم الافتراضية ، تمنح لمواطنيها الحرية في أن يكونوا كما يتمنون ، يختار كل منهم ملامحه وثقافته ومجتمعه ، يتحكم فيهم ويديرهم بالصورة التي يحلو له ، يستغني بهم عن وطنه وأهله ، ويصبح هذا العالم الافتراضي هو الواقع وما سواه هو الوهم ..غيرها من وسائل الهروب من الواقع والاغتراب داخل الوطن تتنوع وتتدرج في حدتها وتأثيرها على الفرد والمجتمع وتصل في كثير من الاحيان الى محاولات شديدة الخطر مثل الهروب الى العنف والجريمة والمخدرات وغيرها من وسائل الاعلان عن رفض للمجتمع ومقاومة للواقع …

و ظاهرة الاغتراب تماثل في انتشارها بل تتفوق على ظاهرة الهجرة وهي كذلك لا تقتصر على المستويات الاجتماعية والاقتصادية الدنيا من المواطنين ، بل إنها تنتشر بشدة بين الطبقات المتوسطة التي تتمتع بدرجة عالية من الوعي والثقافة وكذلك الطبقات الغنية التي تتمتع بكافة فرص الحياة الكريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى  .. مما يؤكد أيضا وجود دوافع وأسباب أخرى غير الاسباب الاقتصادية ..مما يجعلنا نتساءل  : هل حقا يهجرون الوطن بحثا عن الحلم ، أم هروبا من الواقع  ؟؟إن الهجرة بوجهيها المادي ( المتمثل في الهجرة الداخلية والخارجية )  والمعنوي ( المتمثل في الاغتراب )  ليست إلا عرض من أعراض فقدان الانتماء للأرض والأهل .. فقدان للروابط التي تدفع الافراد الى التمسك بهويتهم ، وتحفزهم على مواجهة صعوبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية بدلا من الهروب منها .. فقدان لما اطلق عليه العلامة العربي ابن خلدون : العصبية ، والتي وصفها بأنها آلية المجتمع في تأسيس الدولة ونشوئها وسقوطها ، وربط قوة تلك العصبية وتماسك المجتمع بقيام الدولة وتطورها وبين انحلال روابط العصبية والانتماء في اي مجتمع و انهيار هذا المجتمع بل وسقوط الدولة  . . فالعصبية أو الانتماء واحد من أهم الحاجات الانسانية اللازمة لتوفير التوازن النفسي للافراد ،فالانسان على حد قول ابن خلدون ” مدني بالطبع ” اي انه فطر على الانتماء الى جماعة ..  فالفرد يسعى دائما إلى الانتماء ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الجماعة، وهو يلتمس في الجماعة إشباع حاجته إلى الانتماء وحاجته إلى التقدير الاجتماعي، والقبول والاحترام والمكانة الاجتماعية، ، وهنا يرى الفرد الجماعة وكأنها امتداد لذاته. فالانتماء إلى الجماعة أحد دوافع الفرد السيكولوجية المهمة التي توجه سلوكه وتشكل علاقاته الاجتماعية وبالتالي يشعر بالقوة والأمن، وكذلك تراه يعمل دائما من أجل هذه الجماعة وتقويتها. والانتماء ظاهرة ليست مقتصرة على مجتمع دون آخر، فأينما وجد الإنسان وجد الانتماء لأنه يعبر عن صحته النفسية، وانتمائه لذاته وأسرته ومجتمعه ووطنه ودينه ثم قوميته وان كان يتفاوت من حيث الشدة واللين ومن مجتمع لآخر ومن جيل إلى جيل آخر عبر الثقافات واختلاف العصور .

  والانتماء النفسي ركن أساسي في الحياة الاجتماعية يستتبع حتما الانتماء إلى الوطن بحيث يشعر الفرد بأن الوطن له وأنه مسؤول عن سلامته وحياته وديمومته. ومتى شعر الفرد بهذه الرابطة النفسية ينمو لديه الإحساس الذي يكاد يكون غريزياً بأنه جزء من كل وبأن له دوراً في مجتمعه يترتب عليه القيام بالمحافظة عليه وبالتالي المحافظة على نفسه لكونه جزءاً لا يتجزأ منه. ([4])إن عدم قدرة الوطن على اشباع ابسط حاجات مواطنيه يفسرجزئيا افتقاد هؤلاء المواطنين الى مشاعر الانتماء لهذا الوطن ،وتشير دراسة استطلاعية ترصد مستوى الانتماء لدى الفرد في احدى الدول العربية ان 85% من الافراد ( عينة الدراسة ) لا يشعرون بالانتماء للوطن ، ويجدون ان الوطن تحول الى ” سجن كبير لا يطبق داخله حتى القواعد الدولية الدنيا لمعاملة السجناء بعدل و إنصاف و مساواة، سجن لا يسمح فيه إلا للقلة المتنفدة و المهيمنة،في أن تفعل ما تريد و تقرر ما تشاء في استباحة للآخرين، وتحويلهم إلى مجرد أشياء مهملة ، أو أرقام محاصرة ،في هوامش الخريطة الاجتماعية،تحت نير أحاسيس عدم الجدوى. وتأكل الشعور بالقيمة الإنسانية و مسؤولية الآدمي في الأرض ،وتعميق القناعات بعدم أهمية تحميل الفرد لذاته أية مسؤولية. داخل واقع يرفضه، و لا يقبل باحتضانه،واقع يعتبر ما يفعله المرء لا قيمة بأي حال من الأحوال،وأن المطلوب هو إما التأهب للمواجهة،أو للفرارمن براكين جحيم يلتهمهم،ويقتلهم مئات المرات في كل لحظة” نتيجة مفزعة  تدل على الخلل الكبير الذي أصاب كافة أوجه الحياة داخل اوطاننا ، خلل اصاب أولا ذلك التوازن النفسي الذي طالما نبع من انتماء هؤلاء المواطنين إلى تلك الارض وارتباطهم بجذورهم ،ومعطيات تدل على الجروح النفسية،التي يعانيها هؤلاء،جراء موت السياسة،و عقم الثقافة،و غياب العلم،وتحلل القيم ، وتدمير الثقة و الحب بين الناس . إنها معطيات تؤكد تحول التهميش و الأبعاد إلى حصر و أعراضه جلية في الارتدادات النفسية،والانسحابات المفعمة بالعداء، و النزوح نحو الاغتراب، داخل الأسرة و المدرسة،حصر أعدم كل قدرة على تمثل الصداقة و المحبة و العدالة و الأمن و الوطن،حصر عمق لدى الأفراد الرغبة في الهروب، في غياب القدرة على العودة إلى الرحم البيولوجي،بعد يأس من عدم جدوى الحياة في أحضان الرحم الاجتماعي.

إنه حصر يحس في ظله هؤلاء بعدم الأهمية،وانعدام المعنى،وينعتون أنفسهم فيه بالتفاهة،ويصبح الشك و الحقد و العداء،بمثابة الآليات الدفاعية المؤطرة لتمثلاته، واتجاهاته و سلوكاته.

إننا حسب هذه البيانات الاستطلاعية أمام حالة من تضاؤل الوعي الناتج عن اضمحلال و ضياع نظم المعاني،التي تعاني فقدان الأمل في الإنتماء كحاجة إنسانية يصعب العيش بدونها…( [5])وهكذا .. فإن النتيجة الحتمية المباشرة لغياب الشعور بالانتماء  هي الهجرة .. هجرة من الفقر المادي والمعرفي والعاطفي ربما إلى اوضاع أكثر فقرا، هجرة من العلاقات الاجتماعية المفككة والمشوهة إلى عوالم افتراضية وعلاقات وهمية تشبع ما لم يتمكن الواقع الحي من اشباعه، هجرة من التناقضات القيمية والصراعات الفكرية ، هجرة من التهميش والتجاهل في محاولة يائسة لاكتشاف الذات خارج حدود الوطن . هجرة اصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية في مجتمعاتنا العربية ،نراها في قدرة الافراد على الانفصال الفعلي والمعنوي عن كل ما يربطهم بجذورهم واصولهم ، في تخليهم عن ثقافتهم ولغتهم وهويتهم ، بل وفي نزوعهم الدائم الى الفردية والانانية والهروب من العمل الجماعي والقيم الاجتماعية والعادات الاسرية ، وانكار مسئولية الفرد تجاه الجماعة وتجاه الوطن ..قد يكون فقدان الانتماء إلى الوطن ظاهرة المتهم الاول فيها هو تقصير الوطن في الوفاء بدوره تجاه المواطن ، إلا أن ذلك لا يعفي الافراد من مسئوليتهم الفردية عن ضياع مشاعر الانتماء الى الوطن داخل نفوسهم ، فالانتماء في الحقيقة ليس رد فعل تلقائي لاشباع الحاجات الاجتماعية فحسب ، إنما هو اختيار حر من جانب الفرد، ينشأ احيانا بلا وعي ، ولكنه في كثير من الاحيان  يختار ما ينتمي إليه بعد روية وتدبر وتبصر، فالانتماء الحقيقي فكر وروح وسلوك واختيار، ويعني – ضمنيا – وجود قضية تربط أفراد الجماعة وتوحَّدهم وتميزهم عن غيرهم من أفراد الجماعات الأخرى إذ يتضمن

الفرد الساعي لتحقيق ذاته­­­

الجماعة التي ينتمي إليها عضويا وفكريا

القضية التي يلتزم بها.وتأتي روح الانتماء لتربط الأطراف الثلاثة (الفرد – الجماعة – القضية). وإذا انفرط عقد هذه العلاقة بغياب أحد أطرافها، كأن يفشل الإنسان في تحقيق ذاته الفردية، أو تخون الجماعة القضية، لم يتحقق الانتماء . [6]والحقيقة  أن نجاح أي من تلك الاطراف في القيام بدوره يظل دائما في علاقة تبادلية مع باقي الاطراف .. تظل قدرة الجماعة والوطن على أداء دورها والتزامها تجاه الافراد مرتبطة بنجاح الانسان في اكتشاف وتحقيق ذاته والعكس ايضا صحيح .. يظل سعي الانسان الى اشباع حاجاته المفقودة خارج حدود وطنه هو بحثا عن انتماء ، وتظل غربته عن الارض هي اغتراب عن هويته و ذاته  .. وتظل كل خطوة يخطوها الانسان نحو البحث عن وطن يلائمه ويشعر فيه بالأمان والانتماء قبل أن يكتشف جوهر ذاته وقبل أن يدرك حقيقة نفسه هي في الحقيقة خطوة جديدة في الاتجاه المعاكس للوطن … 


[1] – لماذا يهاجر ابناء الصعيد الى القاهرة ؟؟ أيمن زهري ، ملف الاهرام الاستراتيجي ، موقع الاهرام الرقمي

[2] Internal Migration in Egypt Levels, Determinants, Wages,and Likelihood of Employment Santiago Herrera Karim Badr[3] الشعور بالانتماء كحاجة إنسانية بين واقع الفرد و أداء مؤسسات المجتمع ، بقلم :عبد الله أبو إياذ العلوي  ، عن موقع الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat[4] – دراسة مقارنة في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر وأقرانهم المقيمين في اليمن،أ/ نورا أبو بكر محمد البيتي

  [5] الشعور بالانتماء كحاجة إنسانية بين واقع الفرد و أداء مؤسسات المجتمع ، بقلم :عبد الله أبو إياذ العلوي  ، عن موقع الحوار المتمدنhttp://www.ahewar.org/debat

[6]  دراسة للدكتور د.رأفت عسكر عن موقع :  http://www.shathraat.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s