الحراك العمراني في قاهرة القرن التاسع عشر .. مقدمة التحولات العمرانية الحادثة لمدينة القاهرة في القرن العشرين

بقلم طارق والي …

Spelterini_Cairo_1

إن الفصل السكني أحد أبرز ملامح البنيوية المجتمعية والعمرانية للقاهرة ، وهو يحمل مغزى العلاقات التوزيعية للطبقات الإجتماعية الثلاثة الغنية والمتوسطة والفقيرة .. بمعنى أن لكل طبقة منطقة .. ولكل منطقة طبقة . والأهم من ذلك أن الفصل السكني هنا كان سلمياً ، بمعنى أن الطبقات تتدرج من منطقة إلى أخرى كما تتدرج في السلم الإجتماعي ؛ وهي صورة متغيرة الملامح والمواقف ، فالحراك الإجتماعي هو جزء متأصل في القاهرة ومعه يكون حراك عمراني من هجرة وأحلال ، فتتغير طبقات المناطق أو مناطق الطبقات في ديناميكية تبدو معقدة إذا نظرنا إليها من منظور الصور الفوتوغرافية الإستاتيكية التي يتجمد فيها وعندها الزمان في لحظة بعينها ، ولكننا نتبين حقيقتها إذا ما نظرنا إليها من منظور الصور السينمائية التي يحكمها تتابع سيناريو الأحداث على مدى زمني وتاريخي مستمر أو متقطع وله إيقاعاته الخاصة به ..

ففي مطلع القرن التاسع عشر كان خط الحسينية ـ باب الشعرية ـ بولاق ، يمثل أقصى حدود أمتداد القاهرة شمالاً ، دون أن يعني هذا أن كل ما إلى الجنوب كان عمراناً كاملاً ومتصلاً ؛ بل كانت هناك فراغات شاسعة تتخلل المنطقة العمرانية المبنية للقاهرة .. وإذا كان محمد علي باشا هو الذي أخترق هذا الحد وتعداه نحو شبرا ، كما كان عباس الأول هو الذي بدأ العباسية عبر الحسينية ، فقد كان إبراهيم باشا هو الذي بدأ الأتجاه غرباً نحو النيل للسكنى ، وتبعه إسماعيل باشا ومن بعده توفيق باشا ، وتوالت التوجهات النخبوية من المجتمع خلفهم .. ولكن تبقى هذه التوجهات العمرانية لأحياء جديدة حينها حبيسة نزعات تلك النخبة السياسة الحاكمة والمتحكمة بالرغم من تأثيراتها على القاهرة وعمرانها ، وظلت الأحياء القديمة خارج توجهات وسياسات التنمية العمرانية للدولة والنخب المجتمعية ، ولكنها تأثرت بشكل غير مباشر نتيجة الحراك العمراني الحادث مع الأحياء الجديدة ، ومن جهة أخرى بقيت المناطق والأحياء الفقيرة مهمشة وخارج تلك المنظومة .. ولم يخرج الحراك العمراني للقاهرة مطلع القرن العشرين عن النسق العام لتحكم النخب المجتمعية والسلطوية ، حتى وإن أختلفت بنية هذه النخب مع ميلاد الحركة الوطنية والليبرالية المصرية ، وهذا يصدق على مختلف نطاقات النمو الحادثة للمدينة .

الحراك العمراني للقاهرة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ..1888 - cairo Map

كان الحراك العمراني ونمو القاهرة خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين متجهاً نحو الشمال ، وكأنه ينفرج من مصر القديمة في الجنوب ليشكل ما يشبه الدلتا العمرانية فيتفرغ إلى فرعين ..

  • الأول الشمال الشرقي بمحــاذاة الجبل .. وينتهي بمصر الجديدة وعين شمس ، في إتجاه السويس وجاذبية آسيا والبحر الأحمر مع تنامي المصالح الإنجليزية الأقليمية والدولية من الخارج .
  • والثاني الشمالي بمحاذاة النيل .. وينتهي بروض الفرج وشبرا ، في إتجاه الإسكندرية وجاذبية أوروبا والبحر المتوسط مع تغلغل الثقافة الأوربية التي حملها المستشرقون إلى الداخل .

وبين هذين الفرعين برزخ عريض من الأرض الزراعية ، ومن هنا نستطيع أن نرى أن القاهرة ومعها مصر تزحف شمالاً في مواجهة الأطماع الإستعمارية العاتية وتنامي الأستشراق الأوروبي والتبعية الحضارية والثقافية ، ومعها تتأكد الحقيقة كما رصدها جمال حمدان في تقديمه لكتاب القاهرة لديزموند ستيوارت أن نمو عمران القاهرة مندفع نحو الشمال ، وكأنما القاهرة تزحف مع مصر نحو الشمال .. ولكن تتأكد لنا كذلك حقيقة موازية لاتقل مغزى وتأثيراً وهي أن النمو كان متوقفاً نسبياً لدرجة الشلل في الجنوب ، فلم تتعد الفسطاط حدودها المزمنة قرب أثر النبي ، وإذا كانت المعادي وحلوان تمثلان نمواً في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فإنهما تمثلان ضواحي منفصلة عن جسم المدينة ، ولا تنقض ذلك النسق بقدر ما تؤكده . ونخلص أن الحدود الحنوبية لعمران القاهرة كانت تمثل الثوابت الأستاتيكية في حراك المدينة حين تمثل الحدود الشمالية العوامل المتغيرة والديناميكية لهذا الحراك العمراني المتتابع ؛ لكن يجب أن نرى صورة هذا الحراك في إطاره الحقيقي ومنظوره التاريخي المرتبط بالبنية المؤسسية للدولة والتركيبة المجتمعية ..

وهذه الصورة لها وجهان متلازمان ومتقابلان ومتناقضان غالباً على طرفي المنظومة ، متمثلان في ..

  • عمران الأحيـــــاء الجديدة للنخب المجتمعية ..
  • عمران الأحيـــــاء الفقيرة والمجتمعات المهمشة ..

عمران الأحيـــاء الجديدة للنخب المجتمعية في قاهرة القرن التاسع عشر ..

البنية المجتمعية للأحيــــــاء الجديـدة ..
1933 - cairo by Alexander Nicohosoff

لا ينفصم العمران عن فكرة الطبوغرافية الإجتماعية وإن لم ترادفه ؛ والطبوغرافية الإجتماعية ـ والمصطلح للمخطط الفرنسي جاستون بارديه ـ هي أساساً التوزيع المكاني للطبقات الإجتماعية على أرضية عمران المدينة .. ولا مفر لنا من أن نميز بين الأحياء السكنية على الأساس الطبقي أقتصادياً وإجتماعياً ، بل إن المسكن كان ومازال هو التعبير المادي عن الطبقة الإجتماعية ، فالمنزل هو المنزلة .. والمكان هو المكانة .. حسب توصيف جمال حمدان ، ويضيف جمال حمدان (1) : غير أن الطبوغرافية الإجتماعية ليست الطبقة وحدها بل والجنسية والطائفة أيضاً ، أي الأقليات عموماً ؛ وهذه لها مكانها في عاصمة كالقاهرة ؛ ولكن من الواضح أن وزن الجنسية والطائفة ثانوي وضئيل للغاية بالقياس إلى الطبقة ، فهي وحدها أهم المتغيرات وأبرز المعالم في الطبوغرافية الإجتماعية لعاصمة قديمة عريقة لشعب موحد متجانس منذ آلاف السنين . ويتكامل مع هذه الفكرة ما ذكره جاك لوك أرنو (2) : إن عملية تقسيم الأراضي تعتبر مؤشراً للبنية الإجتماعية للأحياء الجديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع مشروع إسماعيل باشا للقاهرة ، فالتصنيف الذي تعبر عنه البنية العمرانية والإجتماعية لتلك الأحياء يسمح بإدراك الكيفية التي كان يجمع بها إسماعيل باشا مختلف الملتزمين لتنمية تلك الأراضي حسب مقاماتهم ووضعيتهم المجتمعية .. وقد تميزت تلك الأحياء الجديدة بين سنتي 1867 و 1890 بتقسيمها إلى قطع أراض تكون مساحاتها أكبر مع تباعدها عن المدينة القديمة ؛ فبينما يكون مجموع الأراضي في النسيج القديم موزعاً بين عدة آلاف من الملاك ، فإن الأراضي في الأحياء الجديدة تملكها مجموعة محدودة ، يقدر عددها جان لوك أرنو إنه يقل عن مائة فرد ، ويتأكد هذا التركيز الرأسمالي العمراني والعقاري من خلال توزيع أكبر الملكيات ؛ فكان ما يربو على نصف المساحة الكلية للأراضي يستأثر بها ثمانية عشر مالكاً فقط يحوز كل منهم في المتوسط على 45 ألف متر مربع ، أي أنه كان في وسع مجموعة محدودة تقل عن عشرين مالك أن يتحكموا في تنمية عمران تلك الأحياء .

ومن جهة أخرى مثلت الهوية سمة مميزة للسكان ؛ فالمنطقة الشمالية من حي الإسماعيلية ضمت الرعايا الأجانب ومستخدمي الهيئات القنصلية ( أجانب أو غير أجانب ) ، وهم يستبعدون سكان البلاد الأصليين وأصحاب النشاطات المختلفة .. وتجمع المصريون أقباطاً ومسلمون في أجزاء أخرى من الأحياء الجديدة ، وليس هناك إشارة إلى مهنهم فيما عدا بعض الإستثناءات ، غير أن ألقابهم ـ باشا وبك وأفندي تكشف عن الوضعية المجتمعية لهم . وأمتدت مناطق تجمع السكان جنوباً في باب اللوق والجزيرة الجديدة ، وتكشف الألقاب والوضعية المجتمعية أن ثلثي سكانها موظفون في الدولة من الطبقات المتوسطة ، ولقبا بك وأفندي هما الأكثر تحديداً للبنية السكانية المجتمعية فالبكوات للغرب والآخرون على مقربة من المدينة القديمة .

كما يُبرز التوزيع العام للملاك ونشاطاتهم تفرعاً يتجاوز المعايير الإجتماعية والبنيوية ، والخط الفاصل هنا سياسي ؛ فكانت مهمة القنصليات إدارة مصالح بلادهم في القاهرة وتنمية التجارة المكلفون بها ، وهي مسألة تبرر تحالفهم مع التجار ، وهي ليست سوى إحدى المظاهر العديدة لدورهم الأستشراقي والأستغلالي ، فهم مشغولون بتطبيق نظام الأمتيازات الأجنبية . ويصف نوبار باشا في مذكراته (3) النظام السياسي المصري في نهاية الستينات من القرن التاسع عشر بأنه ” جمعية مطالب القنصليات ”  وهو دلالة معبرة على مدى سلطة الدول الأجنبية .. وفي ظل تلك الأوضاع شكل تحالف التجار مع القنصليات سلطة سياسية حقيقية مضادة تعبر عنها المواجهة بين أحياء المدينة المختلفة ، والتي صنفها المستشرقون إلى نسقين رئيسيين كبيرين .. أحياء المصريين والأحياء الأوروبية ؛ الأولى تنتمي ـ حسب هذا التقسيم الإستشراقي ـ إلى النسيج الحضري القديم للقاهرة والتي نشأت قبل سنة 1865 ، أما الثانية فالتي خططت منذ بداية أعمال إسماعيل باشا ؛ وهذه التقسيمات ملتبسة ومضللة ، والدليل على ذلك أن أكبر نسبة من الأوربيين كانت تسكن الموسكي وحي الفرنجة في المدينة القديمة ، وفي المقابل أن أعداد كبيرة من المصريين سكنت في الأحياء الجديدة الواقعة جنوب باب اللوق أو في الأحياء المستحدثة والمخططة في قلب المدينة القديمة مثل الحلمية . وأستمرت تلك الإزدواجية المصطنعة للفصل بين القديم والجديد حتى في نمط الأنشطة والمواقع المخصصة للمنشآت العامة خاصة بعد سيطرة الأجانب الكاملة على مؤسسات الدولة بالأحتلال الإنجليزي العسكري سنة 1882 ، مع محاولة ترسيخ تواجد نمطين عمرانيين متجاورين يفصلهما حاجز ، أكتسب مظهراً وطنياً ، فكان الحديث عن مدينة محلية وطنية أو عن مدينة أوروبية ونخبوية  إستعمارية (4) ؛ كانا هذان النمطان مدفوعان لمواجهة بعضهما البعض على خط تماس ؛ مواجهة وصراع .. حاجز غير مادي ولكنه ممتد من الجنوب إلى الشمال من السيدة زينب وعابدين إلى الأزبكية وباب الحديد ، يتنامي حوله الخلاف وتتوالد عنده وتتنامي النزعات الوطنية المحركة لإرادة التغيير والثورات، مع نمو الطبقة المتوسطة الجديدة ، مسار أمتد عمرانياً مع بداية القرن العشرين لميلاد ضواحي وأحياء جديدة خارج القاهرة هي أمتداد لتلك المناطق العمرانية النخبوية في خروج أو هروب من مواجهة محتومة مع المناطق العمرانية الوطنية ، وهو ما يمثل بعداً أساسياً في الحراك العمراني من خلال الهجرات الداخلية والأحلال المجتمعي للطبقات داخل نسيج المدينة وأحيائها  .

وإجمــالاً .. يكشف التوزيع الديموجرافي للأحياء الجديدة عن تنوع وتفاوت البناء المجتمعي الطبقي في أمتداد تصاعدي من الشرق إلى الغرب وبقدر أقل من الجنوب إلى الشمال ، ويجب هنا التفرقة بين الملكية والسكن والأستقرار العمراني ، وأنقسم الملاك إلى مجموعتين : الملاك الصغار ممن يسكنون في قطعة الأرض التي يحوزونها يستندون في إختيارهم لذلك الموقع لمعايير مختلفة عن هؤلاء الملاك المتغيبين ، والدافع الحاسم عند هذا الفريق وحده العصبية حسب التعبير الخلدوني ، سواء عقائدياً أو إجتماعياً أو حتى فئوياً ؛ أما بالنسبة للفريق الثاني فالدافع هو المردود الأقتصادي المادي وليس الإقامة ، وتشكل النخب من الباشوات والبكوات غالباً فريق المنتفعين .. أما الأفندية من الطبقات المتوسطة غير مستبعدين عن أي حي ولاسيما تلك المناطق المحصورة بين النسيجين القديم والمستحدث ، وكأنهم بدورهم المجتمعي لعبوا بالصدفة أو الحتمية نفس الدور المتوسط بين النسيجين العمرانيين للقاهرة حينئذ ، بل هم القلب المتمكن من ضمان حيوية المدينة وحراكها المجتمعي والعمراني المتتابع في عمليات الهجرة والأحلال ، وغابت عن تلك المنظومة المجتمعات والمناطق الأكثر فقراً والمهمشة . أما التركيب العمراني على أساس عقائدي أو ديني أو طائفي لم يمثل فاصل إجتماعي وعمراني حاسم ، ولكن لا يمكن الجزم بغيابه تماماً فعرفت القاهرة حارة اليهود والنصارى وحارة الروم وغيرها ، ولكن من منطلق إجتماعي بحت وليس مبنياً على تمييز ديني  كما يريد المستشرقون أن يدعوا به .

الأحياء الجديدة والحراك العمراني في قاهرة القرن التاسع عشر :

عرفت القاهرة خلال القرن التاسع عشر تغييرات جذرية في عمرانها وتشكيل نسيجها ، ولقد بدأت ظواهر هذه التحولات مع الحملة الفرنسية على مصر وأستمرت حتى مطلع القرن العشرين ؛ وتميز القرن التاسع عشر بممارسات وسياسات محمد علي باشا وورثته وتأثرت بها القاهرة وعمرانها ، لاسيما مع هيمنة الفكر الأوروبي للمستشرقين على العمران ، ومن قبله على بنية المجتمع وثقافته ، وعلى هيكلية الدولة وإداراتها .. ومن الأمور المهمة التي أثرت على الحراك العمراني الحادث حينئذ إنتقال مركز السلطة السياسية من القلعة إلى أنحاء أخرى في المدينة وخارجها بما في ذلك سكن وقصور الولاة ، ومعهم الزمرة السياسية والنخبة المجتمعية وبالتالي دواوين الحكومة وثكنات العسكر ، فكان لهذا آثاره المباشرة في أتجاهات النمو جديدة نحو الغرب ( الأزبكية والإسماعيلية وقصر النيل والزمالك ثم البر الغربي والجيزة ) ، وإلى الشمال ( شبرا ) ، وإلى الشمال الشرقي ( العباسية والقبة ثم مصر الجديدة ) ؛ وبشكل محدود إلى الجنوب ( المعادي وحلوان ) . ولقد لعبت تلك القصور داخل وخارج أحياء المدينة والطرق التي شقت لكي توصل إليها أحد الأدوار الرئيسية في تحديد أتجاه النمو والحراك العمراني . ومع النسق العمراني المغاير للأحياء الجديدة الذي أتسم بالنمط الغربي شكلاً ومضموناً ، تغيرت الأنماط الحياتية لطبقات المجتمع ؛ ويرجع بعض المتخصصين ومنهم جانيت أبو اللغد (5) ، أن جذور هذه التغييرات وحالة التغريب كانت مصاحبة لمشروع محمد علي وتوجهاته لأستقطاب النموذج الأوروبي في المؤسسات التعليمية والصناعية وبناء القدرات العسكرية وفتح المجال للمتخصصين والمستشارين من المستشرقين الأوربيين وخاصة للتجربة الفرنسية ؛ وعندها أحتضنت القاهرة  العديد من المشروعات وتأسست بها وحولها المؤسسات المعنية مما كان له تأثيره على الحراك العمراني وأتجاهات النمو ، وجعلت النخب السياسية هذا النموذج الفرنسي نسقاً للتنمية والتحضر المنشود ؛ وهنا توالدت ـ كما ترى جانيت أبو اللغد ـ  فكرة ” القاهرة باريس الشرق ” منذ ذلك التاريخ المبكر ، والتي تبلورت وتجسدت لاحقاً مع ولاية إسماعيل في سبعينات القرن . ولم تقف عجلة التحولات ، وتحديداً في العقد الأخير من القرن ، فإننا نلاحظ أن الألتزامات الأولى تقريباً أنتقلت إلى ملاك جدد . ولم يقتصر الأمر على قيام هذا النوع من الملتزمين ببيع أراضيهم ، ولكن أختفي تماماً فريق ” التجار ـ المقاولون ” وفي سنة 1892 أصبحوا لا يشكلون سوى أقلية بين الملاك العقاريين في الأحياء الجديدة ، والوحيدون ممن أتيحت لهم فرصة تحويل تجارتهم إلى نشاطات مالية هم من أحتفظوا بأراضيهم . ومع ذلك لم تتغير كثيراً الصورة العمرانية العامة ، ولم تتطرأ تحويرات جذرية للبنية المجتمعية ؛ فقد ظلت النخبة الحاكمة متجمعة بمقربة من قصر العيني ، وبقي غالبية الأجانب بحي الإسماعيلية ، ولم تكف نواحي باب اللوق عن إيواء الطبقات المتوسطة ، كما لم تتطرأ تغيرات كبيرة على البنية الإجتماعية وتوزيعاتها بين حواف المدينة القديمة والمنطقة المركزية .

ومن جهة أخرى عرفت القاهرة تعبئة لرؤوس الأموال الخارجية مع الضمانات التي كفلتها الأوضاع الحادثة حينئذ من إفلاس الدولة وإنشاء صندوق الدين والأستيلاء وسيطرت الأوربيين على مقاليد الدولة وتسييرها ، وأكد ذلك تأسيس البنك العقاري المصري في سنة 1880 بالإمكانات التي يوفرها بعيداً عن مناورات الخديو ، ودفعت تلك الحركة للأقتصاد المصري ـ ولو كانت لحساب الأجنبي على حساب المصريين أصحاب الشرعية والحق ـ بأن جعلت من القاهرة ملتقى جذب رؤوس الأموال الأجنبية تحت حماية السيطرة الأوروبية . وإذا كانت مواقع الإنتاج سواء الزراعية أو الصناعية خارج المناطق العمرانية الحضرية إلا أنها كانت تدار إنطلاقاً من نسق مركزية الدولة من القاهرة ، وتجمعت تلك بكثافة في الأزبكية وحي الإسماعيلية وتحولت المنطقة إلى مركز للصفقات يجمع العديد من النشاطات المرتبطة بالتجارة الدولية سواء تعلق ذلك بأستيراد وسائل الإنتاج أو تصدير المنتجات ، وبالنشاطات المصرفية والتعامل مع البورصة .. ونذكر إنه تأسست في مصر بين سنة 1856 و1895 عدد 35 شركة ، بينما بين سنة 1896 و 1899 تأسست 39 شركة جديدة ، ومن سنة 1900 و1905 تأسست 80 شركة . ومن المؤثرات المباشرة على التنمية والحراك العمراني شبكة المواصلات الجديدة التي عرفتها القاهرة خلال نفس الفترة ، ففي سنة 1894 حصل البارون إمبان على أمتياز لإقامة شبكة مواصلات بالترام في القاهرة لإقامة ثمانية خطوط بينها ستة تبدأ من ميدان العتبة الزرقاء ( العتبة الخضراء ) ؛ وتم ربط وسط المدينة ومركزها الجديد بميدان محمد علي عند القلعة وبالقصر العيني ومصر القديمة وبباب اللوق والناصرية وبباب الحديد وبولاق ، والفجالة والعباسية . وتم فيما بعد تمديد الأمتياز سنة 1917 ليشتمل خطوط جديدة إلى روض الفرج وأثر النبي وهليوبوليس وأخرى عند إمبابة والجيزة . ومن جهة أخرى أدى ظهور السيارة سنة 1903 للإسراع لتغيير شبكة شوارع الأحياء الجديدة ؛ وزاد عدد السيارات من 656 سنة 1914 إلى 24136 في سنة 1931 (6) ؛ وظلت شبكة الطرق في الأحياء القديمة عاجزة عن الإنسجام مع تلك المتغيرات الجديدة لوسائل المواصلات . ومع هذا التسارع العمراني شهدت حركة البناء خلال الفترة 1897 ـ 1907 نشاطاً واسعاً وأشتد الطلب على الأراضي مما رفع أثمانها ؛ فقد ذكر أندريه ريمون (7) ، إنه بلغت حركة التشييد ذروتها في 1907 و 1908 إذ بلغ عدد تصاريح البناء 3164 و 4444 على التوالي ، في حين كان عدد هذه التصاريح 1071 سنة 1897 و 843 في سنة 1882 وفي سنة 1907 بلغ عدد عمال البناء في القاهرة 21744 عاملاً من بين 94898 عاملاً في مصر كلها  .

كما تجدر الإشارة إنه تزامن مع هذا الزخم أقتحام نوع جديد من المتدخلين لسوق العقارات القاهرية كان له دوره في التغيير وهي شركات خاصة مساهمة ، حيث توصلت في غضون بضع سنوات للتحكم في جزء كبير من تنمية عمران القاهرة . فكانت هناك شركة وحيدة تمتلك أراضي في القاهرة سنة 1892 وهي شركة سوارس وشركاه ؛ وفي بداية القرن العشرين والأخص سنة 1904 تزايد بسرعة عدد الشركات العاملة في مجالي الأراضي والعقارات ؛ بينما كان هناك فقط ست شركات سنة 1900 لا تشكل معاً إلا 10% من الشركات الخاصة ، تضاعف عددها ست مرات بعد ذلك بعشر سنوات ؛ ففي سنة 1910 كان عددها ست وثلاثون تمثل 16% من إجمالي عدد الشركات المساهمة الخاصة .. وبلغ ذلك النمو ذروته في نهاية سنة 1906 ، قبل بضعة شهور فقط من الأزمة التي بدأت خلال الربيع التالي ومع الشهور الأولى من سنة 1907 تأسست ما لايقل عن خمس عشرة منشأة جديدة ؛ حتى أمسى ما يربو من أربعين شركة عقارية تعمل في الوسط الحضري بالقاهرة . وتبقى الحقيقة أن هذا الحراك والنمو لم يواكبه عدالة إجتماعية تعود على المجتمع كله بل إنحصرت الفائدة كاملة في طبقة النخب المجتمعية وطبقة الأجانب الأوربيين ..

ويمكننا استناج أن الحراك العمراني للقاهرة في هذه المرحلة تحكمت فيه عمليتان إيكولوجيتان رئيسيتان .. من الخارج  نمو وتوسع نحو الشمال ثم إلى الغرب ، ومن الداخل إعادة توزيع وتغيير لعناصرها وأنسجتها وأعضائها ووظائفها وأستعمالات الأرض ..

هــــــكذا .. لقد تمت عند نهاية القرن التاسع عشر دورة كاملة في حياة القاهرة وعمرانها ..

أنتقلت فيه القاهرة من سند الجبل إلى شاطئ النهر ، ومن ضلوع المقطم في الأحياء الموروثة إلى ضفاف النيل مع أحياء جديدة مستحدثة ، حتى أصبح محور شرق ـ غرب هو محور حراك ونمو الأحياء الجديدة ..

 عمران الأحيــــاء الفقيرة والمهمشة في قاهرة القرن التاسع عشر ..

البنية المجتمعية للأحيـاء الفقيرة المهمشة ( العشوائية ) ..

تتناول كثير من الدراسات والكتابات وخاصة المعمارية والعمرانية منها وجهاً واحداً للقاهرة خلال هذه المرحلة من تاريخها لتأكيد مقولة ” قاهرة الزمن الجميل ” ، وهي فرضية تحتاج إلى مراجعة متأنية ، فقليلاً ما تتعرض تلك الكتابات للوجه الآخر للمدينة وسكانها بالرغم من كونهما وجهان متزامنان بل ويحكم وجود كل منهما وجود الآخر ، كأنها حتمية عمرانية فرضتها الحاجة والمنفعة المتبادلة ، والمقصود هنا ليست فقط المناطق الفقيرة داخل نسيج المدينة القديمة أو حتي أحيائها الجديدة ، ولكن ما نقصده هؤلاء المهمشين خارج حسابات الغالبية من الباحثين لتلك المرحلة من عمران القاهرة . يغفل البعض تلك الحالة العمرانية المثبتة خوفاً على تشويه الصورة الأفتراضية التي يرسمونها للقاهرة ، حين إننا نرى أن الصورة الواقعية بكل متناقضاتها هي في الحقيقة أصدق ، وبالتالي أجمل لمجتمع عاش وتمرد على سلبياتها وثار لتصحيحها بنفسه ومن منطلق وطنيته وإنتمائه ، فمن يسقط تلك الواقعية هو في الحقيقة يسقط عن المجتمع نفسه قدرته على الأستمرارية وتطوير ذاته والدفاع عن وجوده وحقوقه . ويمكننا تنميط مساكن وتجمعات السكان الأكثر فقراً في القاهرة في القرن التاسع عشر في نسقين أساسيين :

  • الأحـــــواش .. وهي موروث عمراني عرفته القاهرة في المراحل السابقة ، وهي من المساكن الجماعية الواسعة الإنتشار التي ورد ذكر وجودها في القاهرة منذ كتاب وصف مصر ، فقد جاء عنها إنها نزل كبير مؤلف من باحة سماوية ( حوش ) مسورة مليئة بعدد كبير من الأكواخ التي تغص بالناس الفقراء الذين يعيشون مع دوابهم ، وكانت هذه المساكن الجماعية المبنية عادة من مواد لا تصمد طويلاً مثل الطوب اللبن تتكون من سلسلة من المساكن المقامة حول الحوش ؛ وكانت هذه المساكن تسمى قاعة أو خزانة ، وبالرغم من قلة المعلومات إلا إنه تم تحديد موقع 31 حوشاً ورد ذكرها في كتاب وصف مصر تنتشر في الحارات الشعبية ( بعيداً عن قصبة القاهرة ) ، ويحتوي الحوش على عدد من الأبيار (8) . وكان الحوش مأوى أفقر سكان القاهرة وهم العمال والفعلة الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان القاهرة المهمشين ، وإن كانوا نادراً ما يظهر لهم أثر في التعاملات المتعلقة بأي نوع من السكنى . وكثيراً ما كان يلجأ أيضاً إلى تلك الأحواش المهاجرون من الريف عند تفاقم الأزمات الأقتصادية أو سعياً للعمل في العاصمة . فالوثائق تتحدث أحياناً عن ” حوش الفلاحين ” أو ” حوش سكن الفلاحين ” أو ” حوش سكن الصعايدة ” .. ولم يكن شاغلوا هذه المساكن الجماعية أفراد عائلة معاً ، ولكن يبدو أنه كان يوجد نوع من التجانس بين سكان تلك الأحواش يعود إلى وحدة المسقط أو إلى إنتمائهم لمهنة واحدة . ونفتقد المعلومات لمساكن تلك الشريحة من سكان القاهرة الأكثر فقراً في المرحلة السابقة والتي أستمرت في القرن التاسع عشر ، في حين أنها كانت دوماً في الغالب الأكثر عدداً . ولم يرد ذكر هذه المساكن إطلاقاً في الحوليات التاريخية ولا في الوثائق المحفوظة ، كما لاتوجد منها أي آثار أو بقايا تساعدنا على التحقق منها وتحديد تواريخها .. ومع ذلك من السهل تصور أنها مساكن ضيقة بنيت بمواد كيفما أتفق كائنة في أطراف الأحياء القديمة من القاهرة ، ومن المحتمل أن عدد سكان الأحواش كبيراً وليس هناك وثائق تؤكد العدد الحقيقي لهؤلاء السكان لاسيما في القرن التاسع عشر .
  • العشش .. وهو مصطلح مختلف عليه بقدر كبير ، ولكن إجمالاً العشة بناء فقير مقام بمواد هشة لا يتصف بصفة الديمومة أو الإستمراية ، فهو دائماً هو وساكنه في حال مؤقتة من الوجود وحتى وإن طال بهما الزمن ، وتشير تجمعات تلك العشش إلى ما يسميه البعض ( بالعشوائية ) ـ مع تحفظنا على ذلك المسمى ومدلولاته السلبية ـ ؛ وعلى عكس الأحواش فإن تلك الأحياء تقع دوماً خارج المدينة ولا تنصهر في نسيجها العمراني ، وهي غير محددة النمو أو الأتجاهات بل يحكمها الموقف الآني والأحداث والظروف وقد تمتد لعدة هكتارات وتضم بضعة آلاف من السكان . ونما هذا النسق من السكن في القاهرة بكثافة في نهاية القرن التاسع عشر ، وتحديدا في سنة 1891 أحصت مصلحة الصحة ـ التي كانت تعني عن قرب ببؤر إنتشار الأوبئة ـ بحوالي 16200 عشة في القاهرة ، ويعد هذا العدد مرتفعاً حسب كثافة هذا النسق السكني علماً بأن تعداد سكانها بعد بضع سنوات قليلة حسب تقديرات جان لوك أرنو كان 120 ألف ساكن ( كان سكان القاهرة عندئذ حوالي 480 ألف ساكن ) ، أي أن ربع سكان القاهرة كانوا يقيمون حينئذ في عشش ، كما أن المساحة التي تشغلها هذه المساكن كبيرة وتشغل حوالي 10% من مساحة القاهرة العمرانية ( كانت مساحة القاهرة وضواحيها على ضفتي النيل حوالي 1500 هكتار ، بينما كانت مساحة أحياء العشش 146 هكتاراً حسب قياس جان لوك أرنو ) ؛ ولا يمكن بالطبع ألا تكون مساحة بهذا الحجم غير ملحوظة أو ألا يسمح تفرقها في المدينة رسم طوبوغرافيا للفقر وإدراك البنية السكانية للقاهرة حينئذ .

Image 8ويبين تعداد سنة 1897 السكان الذين ليس لديهم محل سكن ثابت ( الطبقة الأفقر في المجتمع ) وكذلك سكان الأحواش والعشش الذين يشكلون وحدات إدارية فقط ؛ ولذا فإن عدد العشش التي أحصيت آنذاك 2500 عشة أي سدس العدد الذي قدمته مصلحة الصحة قبل بضع سنوات ؛ ويدل الفرق بين الرقمين على أن العشش متجمعة في بعض الأحياء ، إلا إنها كذلك كانت منتشرة ومشتتة بحيث عددها لا يشكل وحدات إدارية مستقلة ومحددة ، منتشرة في مجموعات تحتل الأراضي المهجورة والخرابات . وإذا كان تواجد أراضي فضاء هو الذي يقرر إقامة العشش خارج المدينة ، فإن قيام نشاطات صناعية يشكل هو أيضاً دافعاً لإنتشارها داخل الأحياء بأعتباره جاذباً للهجرة ، ومنها بولاق حيث أدى نمو النشاط الصناعي خلال القرن التاسع عشر إلى طلب على اليد العاملة الرخيصة ، فنشأت بالتالي مجموعات كبيرة من العشش . وضمت بولاق ثلثي سكان القاهرة من تلك المجموعات ، الأشد فقراً في المدينة حينئذ ، وبه أيضاً أكبر الأحواش ونسبة كبيرة من الأفراد الذين ليس لهم مقر ثابت ، وعليه ووفقاً لبيانات التعداد فإنه يمكن أعتبار أن ظروف سكن ربع أو خمس سكان هذا الحي سيئة (9) ، وعموماً أغلب العشش كانت متجمعة في مناطق : بولاق والسيدة زينب ومصر القديمة ضمن نسيج العمران القديم جنوب المدينة وغربها .. ومع أن هذا النسق ليس ظاهرة جديدة في القاهرة ، إلا إنه شهد نمواً كبيراً بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر ، فتوسع هذه الأحياء في مصر القديمة أولاً وبعدها في بولاق يكشف عن النزوع المتزايد لطرد السكان الأفقر نحو أطراف المدينة .. وعلى عكس المحظوظين من النخب دائماً والطبقات المتوسطة المتوالدة لا يملك السكان الأكثر فقراً حرية أختيار مساكنهم إذ يتعين عليهم أن يضعوا في الأعتبار وسائل النقل ، وعليه تنتشر العشش على مقربة مباشرة من مصادر العمل المتاحة بفعل قوى الطرد والجذب المحركة للمجتمع .

ختـــــــــــــــام ..

وهــكذا ترتسم قاهرة القرن التاسع عشر وحراكها العمراني ، أنها مدينة متعددة التكوينات بخطوط عامة من خلال العديد من الأمثلة سواء تعلق الأمر بالأحياء الجديدة شرق وغرب النيل أو بعشش الأحياء الفقيرة ، سواء بتركزات الزمر السياسية والملاك العقاريين والنخب المجتمعية أو بتشتت العوام والمهمشين والمعدمين من الطبقات الدنيا في المجتمع .. وما بين هذا وذاك تتشكل الطبقة المتوسطة بتدرجاتها الإجتماعية والثقافية وتطلعاتها البرجوازية والتقدمية ، وهنا كانت المواجهة بين القديم والجديد في القاهرة .

 

وإجمالاً .. الحراك العمراني للقاهرة في القرن التاسع عشر ، لايقف عند صورة متواترة تعبر عن نمط واحد في منظومة متسعة بأتساع التركيبة الإجتماعية والطبقات المشكلة للمجتمع القاهري ، وهو ما يدعونا إلى حتمية إعادة النظر في تلك الصورة الضيقة ونتسع بزاوية الأبصار لنرى الصورة الكاملة بحقيقتها فبالإضافة لعمران وأحياء زمرة الحكام والنخب المجتمعية ، لتشمل الرؤية عمران الطبقات الوسطى والمساكن الجماعية ومساكن الفقراء من عامة المجتمع والمعدمين فيه والمهمشين ؛ وأن نسقط مفهوم النسق الوحيد ونقيم بدلاً منها رؤية للتنويعات في القاهرة ؛ وهذا يجعلنا نتساءل حول هل يمكن أعتبار القصور والعمائر الكبيرة ـ وهي النوع الأكثر شهرة والأقل عدداً ـ نموذجاً نمطياً لعمران القاهرة في أي مرحلة سابقة أو لاحقة حتى اليوم .. أنه من الأجدى أن نأخذ في الأعتبار الأنماط المتعددة لنرسم بها صورة حقيقية ودقيقة لحالة وعمارة وعمران القاهرة بمنهجية صحيحة وعلمية تصل بنا إلى الحقيقة بعيداً عن تجميل مزيف للصورة يخل بمصداقيتها .

الهوامش والمراجع ..

(1) القاهرة ـ لديزموند ستيوارت صفحة 63 ـ 64
(2) Le Caire  –  Mise en place d’une ville modernes  1867 / 1907 صفحة 163 ـ 183
(3) مذكرات نوبار باشا صفحة 250
(4) القاهرة في الأدب المصري الحديث والمعاصر من حلم المدينة الكبيرة إلى عزلة الضواحي صفحة 17
(5) Cairo 1001 Years of the City Victorious صفحة 87 ـ 88
(6) Cairo City of History صفحة 322 ـ 324
(7) Cairo City of History صفحة 322
(8) العواصم العربية ـ عمارتها وعمرانها في الفترة العثمانية صفحة 98 ـ 103
(9) Le Caire  –  Mise en place d’une ville modernes  1867 / 1907 صفحة 280 ـ 286

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s