مقاهي القاهرة .. منتديات فكرية اجتماعية سياسية

بقلم : سما والي …

  المقاهى أماكن للاجتماع تحقق امكانية لحرية التعبير وبناء العلاقات الاجتماعية على المستوى الانساني وقد لعبت دورا حاسما في تشكيل الأيديولوجيات السياسية النهضوية في أوروبا منذ القرن السابع عشر ، وقد سبقت العاصمة البريطانية في ذلك باقي أوروبا . ويرى العديد من الباحثين أن هذه الظاهرة قد أدت إلى الثورات الفكرية والصناعية الأوروبية ، حيث ظهرت المقاهي وكانت مسرحا للحوار في السياسة والمشاكل الاجتماعية والقضايا العقائدية ، مما شجع ذوي الآراء السياسية الاجتماعية المثيرة للجدل للتعبير عن أنفسهم بحرية . وفي وقت لاحق ، أصبحت للمقاهي الفرنسية بدورها مكانا هاما جمع بين الناشطين السياسيين المعارضين للحكومة الفرنسية ، والمثقفين عامة ويذهب كثيرون أن الثورة الفرنسية اندلعت من هناك في تلك المقاهي ، عندما قفز كميل داسمولين Camille Dasmouline  على طاولة وهتف لحمل الأسلحة في وجه الأرستقراطيين . وبالتوازي والتزامن مع المقاهي كظاهرة أوروبية ، كان للمقاهي القاهرية على مدى التاريخ الوسيط والحديث أيضا دورها الاجتماعي والسياسي ، ومع ذلك فقد غفل كثيرون ذلك الدور فيما يتعلق بالعلاقة بين المقهى والطبقات المتوسطة ، ولا سيما باعتبار المقهى مقرا للثورات السياسية والمنتديات الثقافية والفكرية ، وفي المقابل يرى بعض المؤرخين أن المقهى هو المصدر الرئيسي لدراسة مختلف التغيرات التي حدثت داخل الأمة المصرية ، حيث أنه يوفر نظرة حقيقية على الحياة اليومية السياسية والحركة الفكرية التي شهدتها مصر ، والغالبية العظمى من الدراسات فيما يخص هذه المقاهي تعتمد أساسا على الذاكرة والشهادات التاريخية والأعمال الأدبية من قبل رواد المقاهى أنفسهم ، والأكثر شهرة حديثاً ما كتبه نجيب محفوظ الذي قضى حياته في كنف المقاهي في أنحاء القاهرة . إن دور مقاهى القاهرة يوازي حتما دور المقاهي الأوروبية في مجتمعاتها ، ويعتقد البعض أن هناك علاقة سببية لهذا التأثير نظرا أن الغالبية العظمى من الأفراد داخل هذه الطبقات تربوا في بيئة ثقافية أوروبية ، وبالتالي قد نمت سلوكياتهم في الحياة العامة بالمدينة على النمط الأوروبي .. تبقى هذه الفرضية محل دراسة وتدقيق ، ولا يبدو أنها تضيف كثيراً إلى مسألة أكثر إثارة لاهتمام الذي يتناول العلاقة نفسها التي تطورت طوال القرنين السابقين ، على الرغم من المقاهي القاهرية حينئذ قد تظهر العديد من أوجه الشبه مع مثيلاتها الأوروبية ، فمن الأهمية أن لتلك الظاهرة المجتمعية بالقاهرة خصوصيتها وجذورها التاريخية الأقدم .

 خلفية تاريخية لمقاهي القاهرة

 عرفت القاهرة قديماُ مع مطلع القرن السادس عشر المقهى والذي شاع بعد ذلك بالرغم من تحفظات السلطات الدينية الأكثر تشدداً والتي لم تستلم إلا بعد أمد طويل وتركزت المناقشات الرئيسية المتعلقة المقاهي على الآثار الدينية من شرب القهوة نفسها لأنه يتم تقديم القهوة عادة في إطار المقهى .. حتى كان عدد المقاهي في القاهرة سنة 1650 حوالي 643 مقهى ، ويقدر كتاب وصف مصر عددها في نهاية القرن الثامن عشر لألف ومائتي مقهى يعمل بها حوالي 2000 من القهوجية . وقد أدت هذه المؤسسة المجتمعية الجديدة لتحقيق اللقاءات وإلى أحداث مفهوم جديد تماماً للعلاقات الإجتماعية ، وإلى وضع تنظيم جديد ـ خلال الأمد الطويل ـ للحياة الجماعية في القاهرة ، وقد أرتبطت هذه الحياة من قبل على أساس العلاقات التي تنشأ في المؤسسات التجارية ، بالإضافة إلى الجوامع والحمامات العامة . وكانت معظم هذه المقاهي تتشكل من بعض الأماكن شديدة التواضع التي تضم بعض الحُصر أو البُسط الموضوعة على دكة خشبية بالإضافة إلى طاولة واحدة ، وبعض أواني الشرب والأدوات اللازمة لإعداد القهوة وقد أنتشرت المقاهي في مختلف المناطق العمرانية بالقاهرة .

وأستمرت المقاهي القاهرية تمثل مركزاً للمعارضة السياسية والتمرد الفكري دائماً ، حتى إنه في ظل حكم محمد علي باشا ، كانت ترسل الجواسيس للمقاهي من أجل رصد مختلف النقاشات التي تجري في الحياة العامة للرعية . ومع ذلك ، على الرغم من الجهود التي بذلتها الدولة على مر التاريخ للقضاء على المقاهي في القاهرة ، إلا أنها استمرت في الوجود كمركز ومنتدى للحركات الثقافية والفنية والاجتماعية والسياسية ، بالاضافة لمجموعة متنوعة من الأنشطة والفعاليات تبعا للسياقات المختلفة ، فكانت تستخدم كأماكن لأداء الموسيقى والرقص والمسرح وأعمال الأدب والفنون التي ولدت داخلها ، بالإضافة إلى الاحتفالات الدينية مثل الموالد ، واعتبرت هذه الفنون المصرية قي مجموعها جزء من التراث الشعبي المنقول . ومن هذه الفنون على سبيل المثال لا الحصر : فن “القافية” الذي كان لعب على الكلام بين شخصين يبدأ أولهما الحوار والآخر يسأل ” إشمعنى” ، وبعد ذلك يقرأ الآخر مونولوج شعري ترافقه “الربابة” وفي بعض الأحيان “الطبلة” .. وكذلك “الأدباتية” هو أيضا في شكل مونولوج بصوت الفنان تبدأ دائما مع نفس السطر “انا الاديب الأدباتي” .. وأخيرا كان هناك شكل من اشكال الفن يسمى “خيال الظل” الذي يتألف من تلاوة روايات وهذا الشكل الفني هو رائد السينما . وقد أثرت هذه البنية الثقافية الاجتماعية تأثيرا مباشرا على المجتمع ، وعلى الحالة الثقافية والابداعية للفنون واشكالها ورموزها الرائدة ، مع صعود بعض المبدعين ، لا سيما في عالم الأدب والكتابة والشعر والمسرح .

 وكانت العديد من المقاهي في القاهرة مركز تلك الفاعليات الرئيسية للحركات السياسية والثقافية الاجتماعية في المجتمع ، على سبيل المثال بار اللواء والتي إلى جانب المكتب الرئيسي لصحيفة الأهرام وكان بمثابة مكان مفتوح للعديد من الصحفيين والباحثين على حد سواء ، بالإضافة إلى العديد من الفنانين والأدباء الذين لم يكن لديهم عنوان ثابت مثل نجيب محفوظ على سبيل المثال ، كان ممكن أن يتم الاتصال بهم من خلال مثل تلك المقاهي المعروفة . وعلاوة على ذلك ، فإن الكثير من الأبداعات الأدبية المصرية كانت تدور حول المقاهي ، سواء من حيث السرد للأحداث التي وقعت داخل المقاهي ، أو بشكل غير مباشر من إلهام للعديد من اللقاءات داخلها ، مثل العديد من اعمال نجيب محفوظ التي أرتبطت عموما حول مقاهي القاهرة . وعرفت القاهرة الكثير من تلك المقاهي المنتشرة في كافة أحيائها وضواحيها ، ومنها كازينو بديعة ، مقهى يقع على مقربة من دار الأوبرا المصرية القديمة ، واحد من تلك الذي يزخر بالعديد من الرواد السياسيين والاقتصاديين والكتاب . وكان هناك مقهى آخر معروف هو مقهى عرابى الواقع بميدان الجيش ، وكذلك مقهى نوبار حيث كان يقدم المطرب عبده الحامولي أعماله . وفي وسط البلد هناك العديد من المقاهي تخدم كلها نفس الغرض كمنتديات اجتماعية وفكرية تجمع الرواد من الطبقات المتوسطة المصرية . وعلى مدى القرن العشرين كانت تتحول تلك المنتديات الفكرية أعتماداً على التغيرات السياسية الحادثة ، ونمو وتدهور بعض المناطق الرئيسية في المدينة ، ففي بداية القرن كانت معظم المقاهي الحديثة تقع بمنطقة الازبكية ، وكان هذا الحي موطن لكثير من المثقفين الأجانب (وخاصة الفرنسيبن) ، وازدهرت معها العديد من الحركات الثقافية والفكرية ، كذلك كانت هناك مناطق الحسين والأزهر وخان الخليلي وغيرها من أحياء القاهرة القديمة تموج بالمقاهي ..

 مقاهي وسط القاهــرة منتديات فكرية

 أنتشرت المقاهي بتنويعاتها ومستوياتها الاجتماعية والثقافية في جميع أنحاء القاهرة ، ومع ذلك سوف تعرض هذه المقالة أساسا المقاهي التي تقع داخل منطقة وسط البلد ، والتي لعبت ولا تزال تلعب دوراً هاماً في المجتمع .. هنا في النصف الأول من القرن العشرين كانت تقع كثير من المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية ، حيث نجد مراكز العديد من حركات المعارضة السياسية والحزبية مثل المجموعة الاشتراكية وكذلك الحركة اليسارية والوفدية وغيرها ، وبالإضافة إلى ذلك العديد من المؤسسات الفنية بشارع عماد الدين مثل مسارح نجيب الريحاني وسيد درويش وآخرين ، وبعضها مازال قائماً .. ونتيجة لذلك ازدهرت العديد من المقاهي في جميع أنحاء وسط البلد ، وكانت مرتبطة أرتباطاً وثيقاً بهذه المؤسسات السياسية والفنية على حد السواء ، ومنها ما ظهر في شارع سليمان باشا (طلعت حرب) الذي تضمن مقهى سفنكس حتى نهاية الثمانينات ، ومقهى ريش الذي لا يزال قائماً .

وخلال أربعينات القرن الماضي فإن العديد من المثقفين يقضون أيامهم على مقهى إيزفيتش الواقع في ميدان التحرير ، وأستمر حتى السبعينات وتم استبداله اليوم بمعرض لبيع السيارات ، كان رواده حينها من المثقفين والفنانين يحلمون بالعدالة الاجتماعية والحرية كانت أصواتهم صدى قصصهم ومناقشاتهم ، وأفكارهم وأحلامهم .. كان المقهى في الأربعينات جاذباً للطبقات المتوسطة والدنيا من الشباب المصري لقضاء وقت فراغهم في هذا المقهى يناقشون القضايا الاجتماعية والسياسية ، يعتبر بعض الباحثين هذا المقهى أحد المنتديات التي زرعت بذور ثورة 1952 ، إذ أن معظم زبائنه كانوا ناشطين سياسيا خلال مختلف التظاهرات وخصوصا سنة 1942. وبعد بضعة عقود من الزمن ، أستمر المقهى يلعب دوره المحوري خلال الحركة الطلابية سنة 1971 وهم يتظاهرون ضد القرارات الحكومية للسادات فيما يتعلق بإسرائيل ، وقد حاولت قوات الأمن حينها تطويق حراكهم واعتراضهم داخل أسوار الجامعة ، وكان الطلاب قادرين على الهرب واختار كثيرون منها مقهى إيزفيتش ، وساروا إليه فيما كانوا يرددون شعارات وطنية ، كان العصر الذهبي للمقهى خلال الفترة بين سنتي 1957 و 1974 .. ومن رواد المقهى كثير من المثقفين والمبدعين الشباب مثل صلاح جاهين وحسن سليمان … مع آخرين .

أما المقهى الآخر ولايزال قائماً حتى يومنا هذا ويعد واحداً من المقاهي الأكثر شهرة في وسط القاهرة هو الندوة الثقافية ويقع في شارع الفلكي بمنطقة باب اللوق ، وكان اسمه على هذا النحو وفقا لوظيفته باعتباره منتدى وملتقى التجمعات الفكرية لمجموعة كبيرة ومتنوعة من الكتاب والفنانين . أنشئ في سنة 1962 من قبل ثلاثة أشقاء كانوا يمتازون بالدقة والجودة العالية للغاية في التقديم ، وحتى في نوع من الشيشة التي يقدموها ، أستوعبوا أكثر من مشهد فكري ، قاتلوا من أجل الحفاظ على مستوى عال من الزبائن طيلة الستينات والسبعينات . المقهى نفسه يتكون من قاعتين الرئيسي على الجانب الخارجي للمتجر ، متصلة من الداخل عن طريق قاعة ممر نوع أصغر ، البيئة في هذا المقهى خاصة كانت دائما معروفة لتكون هادئة تماما ، وكانت رواد المقهى من المثقفين أمثال نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وفاروق عبد القادر ووحيد فريد … وغيرهم . كان الالتزام بالقواعد الصارمة لمالكي المقهى وخدمتهم لرواد المقهى بأنفسهم سبباً لخلق صلة مباشرة بين المقهى والمكان والزبائن ، وكانت هذه سمة هامة فالمقهى ليس مجرد مساحة ولكنه ملتقي لكثيرين يجدون فيه جو مريح يساعدهم على التعبير بحرية عن أفكارهم . ويقع المقهى على مقربة من المقر الرئيسي للحركة الاشتراكية ، وبالتالي فإن أعضاؤها تملأ المقهى ، وخلق منبراً للمناقشات السياسية والأيديولوجيات الاشتراكية وتطبيقها في مصر ، وأستمر هذا حتى السبعينات عندما اختفت الحركة الاشتراكية . وفي الوقت الحاضر ، مازالت الندوة هي واحدة من المقاهي المتبقية في القاهرة يستوعب نوع مماثل من الزبائن الشباب الجدد ، ومع ذلك يرى الكثيرون أن الزمن قد تغير وأن حركة المثقفين لم تعد قائماً في نفس الأماكن ، وهو رأي قابل للنقاش لأنه لا يبدو أنه يعتمد على بحث تاريخي أو اجتماعي دقيق .

المقهى الآخر ولايزال مفتوحاً لليوم هو مقهى ريش ، والذي يقع في شارع سليمان باشا (طلعت حرب) وقد شهد اثنين من الثورات في القرن العشرين ، تم بناء المقهى في سنة 1863 وعاصر العديد من التغييرات السياسية والثقافية والفنية الهامة : من الحركات السياسية والقومية المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية إلى الحركات النهضوية والحداثة الفنية والأدبية والموسيقية .. كانت ملكية مقهى ريش الأولى لمستشرق فرنسي وأنتقلت ملكيته لعدد من الأجانب ، حتى انها وصلت الى ايدي المصريين الذين كانوا يقدرون قيمة المكان وتاريخه ودوره الفكري . وبدأ المقهى يأخذ دور كبير في المجتمع منذ سنة 1916 ، فكان مكان اجتماع سري للنشطاء السياسيين قبل ثورة 1919 ، وأستمر طوال القرن العشرين وشهد تغيرات مختلفة : من عهد الملكية إلى الحراك الثوري وصولاً للفترة الناصرية وبعدها ، وكان منتدى الخطاب الثوري في الثلاثينات لغالبية رواده ولاسيما من الطبقات المثقفة المتوسطة ، وشهد المقهى حينها الحوارات الثورية المعنية بالقضايا الوطنية المعاصرة ، والأيديولوجيات الجديدة الولديدة والدراسات السياسية الاجتماعية الناشئة ، وتم اتخاذ العديد من القرارات المتعلقة بالثورة هنا ، وفي ذات الوقت كان المقهى منتدى للفنون والآداب ، هنا كان طه حسين ورمسيس يونان في شارع الثقافة الجديدة  بالإضافة إلى ذلك فإن نجيب محفوظ عقد صالونه الأسبوعي كل يوم جمعة ، كل هذا وغيره أنطوي على ولادة العديد من المثقفين الشباب مثل صلاح جاهين وغيره الكثيرون ، وأستمر هذا المنتدى السياسي والفكري ملتقى للمثقفين والمبدعين في الستينات خلال الفترة الناصرية ، وخلال السبعينات والثمانينات مع وجود خطط الرئيس السادات للتحديث تراجع دور مقهى ريش مما ادى إلى اغلاق كامل للمقهى خلال التسعينات . إن الصورة التي رسمها المؤرخون لمقهى ريش خلال النصف الأخير من القرن العشرين تؤكد تلك المرحلة من الازدهار الثقافي الحقيقي للمجتمع القاهرى ، وكثير ما يبدو انها قد انحسرت أو ضاعت ، بينما في الواقع على الرغم من أن صورة المقهى قد تغيرت بشكل جذري لاحقاً ، حيث بعد زلزال عام 1992 ، وكان المقهى في حالة خراب ، وبالتالي كانت الحاجة إلى استعادته من جديد وهو ما تم مؤخراً .. فمقهى ريش ليس فقط مساحة تجمع اجتماعي ولكنه أيضا كان منبر سياسي ومنتدى ثقافي وفني للعديد من المفكرين والأدباء والفنانين والمبدعين ، إنه لا يزال يعمل حتى يومنا هذا حتى في خضم الأحداث السياسية الحالية ..

وبالتزامن كان بار اللواء من المقاهي الأكثر زيارة في قلب القاهرة ، نشر مصطفى كامل جريدته في مطلع القرن العشرين تحمل الاسم نفسه ، والتي جلبت الشهرة للمقهى نفسه . بالإضافة إلى ذلك وخلال الاحتلال البريطاني لمصر كان رواد المقهى من المثقفين والكتاب والصحفيين والشعراء على مر القرنين 19 و 20  ، ومنهم عبد الحليم الغمراوى واحد من الصحفيين الأكثر شهرة من رواد المقهى أستمر يرتدى حلة سوداء دائماً  في الصيف والشتاء على حد سواء ، و حلف أبدا لسحب هذا الزي حتى تحرير مصر .. وأرتبط المقهى بالكثير من القصص والأحداث ولاسيما بسبب موقعه أمام مبنى جريدة الأهرام ، مما جعل له موقعاً رئيسياً في المشهد الإعلامي والفكري في القاهرة .

ومن المقاهي الأخرى في وسط المدينة كان سوق الحميدية بميدان باب اللوق ، الذي أفتتح سنة 1960. يتكون هذا المقهى من طابقين و يعتبر صغير في الحجم . ومع ذلك ، بين الستينات والثمانينات أزدهر المقهى مع رواده من الصحفيين والكتاب والفنانين مثل عباس الأسوانى على سبيل المثال . وكانت الحوارات في اطار التوجهات المعارضة للسلطة الحاكمة ، وقد شهد العديد من الأحداث الهامة مثل غيره من الصالونات والفعاليات الثقافية الأخرى ، ولا يزال قائما بالرغم من رؤية العديد من الباحثين أن تلك المنتديات فقدت سحرها اليوم .

ختـــــــــام

هذه الرحلة لعدد محدود من المقاهي على سبيل المثال والتي أزدهرت في منطقة وسط المدينة خلال القرن العشرين وحتى اليوم ، وهي بمواقعها على مقربة من العديد من حركات المعارضة جعلت من هذه المقاهي منتديات لكثير من المثقفين والناشطين الاجتماعيين والسياسيين . بالإضافة إلى ذلك فقد كانت أسعارها مناسبة ومريحة مما شدد الروابط بين الطبقة الوسطى الفكرية وهذه المنتديات .

وإجمالاً كانت المقاهي بطبيعتها مساحة من تجمع اجتماعي ومنابر لحرية التعبير ، وبالتالي قد شهد العديد منها المناقشات الفكرية التي وضعت الأساس للحركات السياسية والفنية الاجتماعية في حينها . فقد خرجت كثير من الفنون والحركات الفكرية والثقافية من هذه المقاهي ، وعلاوة على ذلك ، فإن العديد من الفنانين والموسيقيين والكتاب والمبدعين عامة قد استخدمت أولاً هذه المقاهي مرحلياً مقاراً لها  وأزدهرت بعدها في المشهد الثقافي . ومع التغييرات التي حدثت خلال النصف الأخير من القرن العشرين فلقد كانت ولاتزال هناك تلك الصالونات التي تعقد في مقاهي القاهرة وهي سمة بارزة في العديد منها لأنها تسمح للفنانين والمثقفين لتعزيز أيديولوجياتهم وفتح الباب للأجيال الشابة ، ولذلك كانت وستبقى المقاهي القاهرية وخاصة تلك التي في منطقة وسط البلد من أهم سمات المجتمع المصري مثل الندوة الثقافية ومقهى ريش وسوق الحميدية ، بالرغم أنها قد تغيرت بشكل جذري من حيث الظروف الاجتماعية والفكرية العامة للمجتمع فضلا عن طبيعة الرواد الجدد ، وعلى الرغم من أن التغيرات الاجتماعية و السياسية التي حدثت خاصة في العقود الثلاثة الماضية والتي أدت إلى إضعاف الطبقة المتوسطة ، إلا أن المقهى كمفهوم لا يزال مستمراً فهو ليس مجرد الحيز المادي للمكان ، لكن المقهى هو مفهوم وحالة ينتعش معها الحوار بين المثقفين والسياسيين والناشطين و المفكرين والمبدعين في كافة المجالات ، المقهى هو المنتدى الذي يحتضن هذا الحوار ، المقهى كان دائما موجود وسيظل موجود .

وبنظرة سريعة للرؤية المستقبلية الرسمية للدولة فإن مخطط القاهرة 2050 المقترح مؤخراً ولايزال النقاش دائراً حوله من شأنه أن يغير وجه المدينة ، والواضح أن وسط القاهرة سيتعرض للعديد من التغيرات السياسية والاجتماعية ولاسيما إنه مع أرتفاع الأسعار في نهاية المطاف وضعف امكانيات الطبقات المتوسطو خاصة الشبابية منها  ، لن يكون هناك مجالا لأي من السكان الأصليين أو من رواد تلك المنطقة أن يستمرون ، وهنا فإن مصير المقاهي المتبقية كمنتديات ثقافية وفكرية حقيقية تكون على المحك ، وكثير منهم قد يموت ، ولكن يبقى الأمل مع ذلك فإننا يجب أن نتذكر ما حدث قديماً لمنطقة الازبكية .. ويبقى السؤال ما إذا كان لتلك المنتديات الفكرية أن تبقى في نهاية المطاف ضمن المخططات الحكومية المقترحة لعمران القاهرة وحياة سكانها ، أم إنها استمرارية لذات الصراع القديم لتقليص وتحجيم دور تلك المنتديات في الحركة الاجتماعية والسياسية ؟ وكيف أن هذه التغييرات الجذرية تؤثر سلباً على مصير المقهى ؟ وماهية المنتديات الجديدة أو البديلة الممكنة للكشف عن القدرات الابداعية الجديدة ، وماهية الصورة الجديدة لمتاجر بيع القهوة لروادها من الطامحين للتغيير والتعبير عن الحرية والعدالة الاجتماعية ؟ ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s