كوبرى إمبابة … البشر وقيمة المكان

بقلم : عمرو عادل ابو طويلة …

يرتبط الإنسان بالمكان الذى يتفاعل معه أو يعيش فيه. وأتحدث هنا ليس فقط عن المكان باعتباره شئ ساكن, ولكنى أعنى بالخصوص المكان كجزء من معادلة ديناميكية متحركة يلعب الإنسان والزمان أيضاً أدوار لا تقل أهمية عن العناصر المادية للمكان نفسه. فرؤيتنا للماكن تتحدد وفقاً لتجربتنا و ذكرياتنا معه سواءا كانت إيجابية أم سلبية.

ومن أهم الأماكن التراثية التى ترتبط معى شخصياً كأحد سكان منطقة إمبابة هو”كوبرى إمبابة” لأنه ليس مجرد مبنى تراثى قديم تم بناؤه فى المنطقة ولكنه جزء من أهم عناصر تشكيل ذاكرة المكان لمعظم سكان المنطقة ليس فقط لقيمة الكوبرى التاريخية الذى تم بناؤه عام 1924. وليس فقط أيضا لدوره العمرانى كأول كوبرى يربط شبكة السكة الحديد من الشمال والجنوب والعكس. ولكن لإرتباطه بذكريات مع معظم الساكنين بالمنطقة بذكريات تمتد من جيل جدتى وحكاويها عنه وكيف كانوا يفترشون الكورنيش بعد غروب الشمس صيفاً بجانبه يستمعون إلى أم كلثوم. وحتى عمتى التى طالما سمعتها تتحدث عنه وتتسائل لماذا لا يتم تدشين “جمعية محبى كوبرى إمبابة” وحتى أنا وذكرياتى معه وكيف كانت صدمتى الحضارية وأنا طفل صغير عندما رأيته يفُتَح لمرور المراكب وأنا أمر بالسيارة مع أبى وطلبت منه أن نقف كى نشاهد المشهد كاملاً وظللت أسأل عن تفاصيل لماذا وكيف تتم عملية فتح الكوبرى. ولا يقتصر ذلك التأثير على أهالى المنطقة فقط, ولكنه يرتبط أيضاً بذاكرة المجتمع كله عن طريق السينما فهو يعتبر مكان تصوير معبر للدراما بما يحتوى على تفاصيل ومناخ يصلحا بإمتياز للتصوير السينمائى وتوظيف المكان للتعبير عن الحدث.

ذهبت إلى كوبرى إمبابة عاقداً العزم على التعرف عليه والتعريف به وتصويره لكتابة مقالا عمرانيا عن تأثيره على المنطقة وذاكرة المكان وكنت دائما أستمتع بالمرور أعلى طريق المشاة ذهاباً أو عودة كلما سنحت لى الفرصة ولكن بمجرد صعودى سلالم الكوبرى وفى يدى كاميرا التصوير ولدى نية فى البحث واستكشاف المكان برمته والحديث مع المارة والقائمين على خدمة الكوبرى وكانت هناك تجربة مختلفة تماماً عن ما كنت أتوقع و بدلت رأيى وقررت أن أكتب عن هؤلاء البشر و ليس المكان.

منذ بدايتى فى تصوير المكان أتجنب ظهور الناس فى الكادر وإن ظهروا فهم يظهرون باعتبارهم جزء من مكملات الكادر ولكن ليس الإنسان ذاته أو تفاصيل الوجه هى التى أبحث عنها ومرت وجوه أطفال وشيوخ و شباب وأصدقاء وأحباء وكان من هؤلاء من لفت انتباهه ويدعونى إلى تصويره ومنهم من لا يهتم بما أفعل ويكمل طريقه.

أثناء تركيزى فى أخذ صور توضح معالم الكوبرى وتفاصيله لعلها تفيدنى فى كتابة المقال قابلت “أحمد” شاب فى النصف الثانى من العشرينات هزيل الجسم يعمل فى قهوة يملكها أحد أقاربة قريبة من المكان وهو حسب وصفه دائم المرور على الكوبرى ويحب الوقوف فوقه يومياً قبل غروب الشمس. بدأ هو فى الحديث معى يسألنى عن سبب قدومى لتصوير الكوبرى وأنا أنشغل بتصويره تارة و تارة أخرى أستكمل تصوير الكوبرى حتى إطمأن لى عندما صرحت له بأنى مهندس ومن قاتنى إمبابة وبالصدفة يسكن هو بالشارع المجاور لى فاستكمل الحديث بطلاقة حتى لفت انتباهى بجمله “عايز تعرف قصة حقيقية بجد .. تعالى أقعد مع هاجر” وأشار بيده إلى أعلى نقطة على جسم الكوبرى فوجدت طفلة لم تتجاوز الستة عشر ربيعا فى لباس أسود وكاب سوداء تغطى وجهها وشعر قصير مجعد تجلس على دعامات الكوبرى الحديدية التى يمر قضيب القطار من تحتها.

ذهبت معه لكى أتواصل معها وأحاول أن أعرف ما هى تلك القصة الحقيقية والبنت “الغلبانة” التى يتحدث عنها وفور وصولى بدأت هاجر تشد الكاب الأسود لتغطية وجهها ووضعت وجهها بين قدميها و كأنها تدارى شيئا أو تتهرب من الحديث مع أى أحد. فأخذت أنادى عليها وهى لا ترد و ظللنا نحاول جاهدين أن نتجاوب معها بلا جدوى ولكن صعدنا على جسم الكوبرى وبعد حديث طويل قررت أن تنزل للحديث معى.

تسلقنا جميعا جسم الكوبرى نزولاً إلى ممر المشاه ورفضت هاجر فى الطريق أى مبادرة منا لمساعدتها على النزول فقد كانت تحفظ أين تضع قدميها بالتحديد وتقفز بسهولة و يسر حتى وصلت ولكنها بدت متخوفة أيضا من الكلام, فطلب منى أحمد أن أعزم عليها بسيجارة ولكنها يبدو وكأنها كانت مازالت لم تقتنع بشكل كامل أن تثق بى. كانت صامتة تماما و لم تتفوه بأى كلمة حتى الآن وبعد حديث منفرد من أحمد يحاول أن يجعلها تتفوة بأى كلمة أخيرا مدت يدها فى إشارة منها أنها تريد سيجارةً تدخنها فأعطيتها واحدة وبدأنا الحديث.

أخيرا تحدثت هاجر قليلاً ومن كلامها فهمت أنها بنت لديها تسعة عشر سنة – أشك فى هذا السن- وجدت نفسها على الكوبرى وهى صغيرة وعلى حسب قولها وجدت نمرة تليفون أهلها مكتوبة على يدها وفيما يبدو أنه قد تركها أهلها وهى طفلة لم تتعدى الخمس أو ست سنوات وبعد سؤالى لماذا لم تتصل فهمت أنها فعلت ذلك ولكنها لا تريد العودة لهم وأستشفيت من كلاهمها أنهم أيضا لا يريدون عودتها و فى سؤالى عن عملها أجابت أنها عملت بأكثر من مكان وخصوصاً مصانع الخياطة ولكن آخر مصنع تم غلقه بسبب مشكلة مادية لصاحبه لم استطع معرفة تفاصيلها. بعد مرور فترة كسر الثلج أخذنا نحن الثلاثة نتبادل أطراف الحديث وفى وسط الحديث قال أحمد أن هاجر تعرفت على مجموعة من البنات “مشوها فالسكة الغلط” ولم يستكمل الحديث بعد نظرة حاسمة منها … !!

وعندما سألتهما لماذا كوبرى إمبابة بالتحديد فبادر أحمد بالإجابة بأنه يحب أن يستنشق الهواء من فوقه خاصة أنه يوجد به مكان مخصص للمشاة بعيدا عن ضجيج السيارات. وردت هاجر أنها تحب المكان برمته وأنها أصبحت جزء منه ولا تستطيع تركه لأنها تربت فيه وتعيش عليه دون مضايقة من أحد لأن الكل هنا يعرفها.

عرفنى أحمد و هاجر على أكثر من صديق لهم على الكوبرى يترددون عليه بشكل منتظم وآخرهم “محمود” الذى عندما رأته هاجر لمعت عيناها وتسلقت إلى أعلى نقطة بالكوبرى حيث يوجد ممر يقع على بعد أربع أمتار أعلى طريق المشاه فمن هذا المكان ترى المنظر كله الكوبرى و النيل و المناطق المجاورة. انتفضت هاجر حينما شاور لها محمود وتسلقت جسم الكوبرى حتى وصلت لذلك الممر وأصرَّا أن أصعد معهم حتى أرى المنظر من على الممر, تسلقت الكوبرى كما فعلت هاجر اكثر من مرة حتى وصلت لهم ورحب بى محمود و هو شاب فى النصف الأول من العشرينات كان يعمل فى المطابع الأميرية و تركها لظروف لم يخض فى تفاصيلها ولكن ملخص كلامه أنه لم يعرف من قبل “ناس نضيفة زى حالاتى” وأنه يريد أن أساعده فى أن يجد عملاً شريفا “ياكل منه عيش بالحلال” لأنه يسكن مع أبيه و زوجته والتى تحدث مشاكل مستمرة معها بسبب أنه لا يملك قوت يومه.

استمر الحديث لدقائق ولكننى كنت مضطرا للإنصراف لتصوير المكان قبل أن تغيب الشمس وبعد اعتراضات من القائمين على الكوبرى وصيانته فى الإستمرار فى التصوير ذهبت لهم فى الكشك المخصص لجلوسهم فقابلونى مقابلة غير مجدية ملخصها أن الكوبرى عرضه 18.5م و طوله يتجاوز ال 400 متر بقليل و تم بناؤه عام 1924م و يتكون من حارة للسيارات فى كل اتجاه و قضيبين حديد وممر علوى للمشاه فى كل اتجاه ونصحونى بأن أذهب لهيئة السكك الحديدية لكى أسأل على المعلومات والرسومات والتى كنت ذهبت من قبل لهم مرتين دون أى جدوى بأن يستجيب أيا منهم لطلبى بالحصول على أى معلومات عن الكوبرى.

تركت الكوبرى ومنتظرا أحمد أن يمر على وأنا أجلس على المقهى المجاور لمكان سكنى وواعدا محمود أن أبحث له عن عمل وواعداً هاجر بالعودة مرة أخرى كى نتحدث. ولكننى أدركت شيئا لن أنساه, أدركت أن قيمة الكوبرى زادت عندى أكثر من قبل بكثير ولم يكن فقط بسبب معرفتى تفاصيل ومعلومات أكثر عن قيمته التراثية والعمرانية ولكن بسبب هاجر وأصدقائها, وترسخت عندى أن هناك علاقة جدلية بين المكان والإنسان يكتسب الأول قيمته من ذاته ويرسخها الثانى فى وجدان وذاكرة المجتمع ليعطى له حيويته وديمومته و ديناميكيته للبقاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s