جريدة مركز طارق والي العمارة والتراث

قراءة نحو نظرية ” جدليــــــة العمـارة ”  في كتب رفعة الجادرجي ..

رفعة الجادرجي فيلسوف العمارة .. 

معماري وفنان تشكيلي عراقي ولد سنة 1926 في بغداد وحصل على دبلوم الهندسة المعمارية من مدرسة “همرسمث للحرف والفنون” البريطانية سنة 1950 ؛ والمقدس عنده هو حرية الفرد وأنه لا إمام سوى العقل ، وهو معاصر ينظر إلى الماضي في سبيل التطلع للمستقبل ، ومتذوق للموسيقى وللمسرح ومصور فوتوغرافي مبدع .. منهمك في الهم الفلسفي والوجداني ، يدرس العناصر الفلسفية الوجدانية في كتبه ليوثق افكار العمارة وتداعياتها ، مصطدماً بالمعتقد الديني للمجتمع مرة وبالتحرز الأجتماعي وبضيق أفق الفكرة التي تسود المجتمع  مرة أخرى ، إنه يرى العمارة محتوى الذات وأفق المجتمع ومنجزاته الحضارية ..

حصل على جائزة أغاخان للعمارة في سنة 1986 ..

وحصد جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فئة الفنون عن كتابه ” في سببية وجدلية العمارة ” في سنة 2008  .

الجادرجي عمل منذ تخرجه في مكتب “الاستشاري العراقي” الذي أسسه عام 1952 وتابع نشاطه فيه حتى سنة 1978 ، حين تفرغ للنشاط الأكاديمي ؛ درّس كأستاذ زائر بجامعة هارفارد 1984ـ1992، وأستاذاً زائراً بجامعة لندن1982 ـ 1992. وفي غضون ذلك كان محاضراً في فلسفة الفن والعمارة والأنثروبولجيا وعلم الاجتماع ، سنة 1993 أسس “مركز أبحاث الجادرجي” وتفرّغ للبحث في فلسفة ونظرية العمارة ، سنة 1999 أسس “مؤسسة الجادرجي” بالاشتراك مع نقابة المهندسين في بيروت ورابطة المعماريين .

ألَّف الجادرجي العديد من الكتب حول العمارة ، ومعظم كتاباته تحاول الجمع بين التنظير الفلسفي المعماري وبين الحاجات والشروط البيئية والمحلية التي تحتضن تلك الأطروحات ، فضلاً عن إيلاء التركيبة الاجتماعية العمرانية للعالم العربي أهمية خاصة ؛ منها : “شارع طه وهامرسمث” 1985 ، و”الأخيضر والقصر البلوري” 1991، و“صورة أب” 1991 ، و“حوار في بنيوية الفن والعمارة” 1995 ، و“المسؤولية الاجتماعية لدور المعمار  أو المعمار المسؤول” 1999 ، و”مقام الجلوس في بيت عارف آغا” 2001 ، و”في سببية وجدلية العمارة” 2006 ، إضافة إلى “جدار بين ظلمتين” 2008 .

وتتحدد الرؤية الفلسفية للجادرجي من خلال ممارسته المهنية وكتاباته التنظيرية في العمارة فيقول : ” كان أهتمامي منصباً على إيجاد أسلوب ملائم لمعمار عربي معاصر ، وكانت نقطة الانطلاق هي اعتماد الحوار المستمر بين المعماريين والرسامين والنحاتين والمفكرين العرب . وكان السؤال عما إذا كان من الضرورة أن يظل الفن المعماري عندنا عرضة للأفكار الغربية الأوروبية أم أن عليه أن يتأثر بالبيئة المحلية والتقاليد الطبيعية والمواد المتوافرة . وبالنسبة لي فقد بدأت أتعلم من المعمار التقليدي وأحاول أن أتوصل إلى المواءمة ما بين الأشكال التقليدية والحضور الحتمي للتكنولوجيا الحديثة . كان هدفي ينحصر في خلق معمار ينسجم مع الواقع المكاني الذي يشيّد فيه ، وأن لا يسمح بالتضحية بشيء جوهري لصالح الإمكانيات التكنولوجية الحديثة . وفي الوقت نفسه كنت مهتماً بفهم وتحليل التفكير القائم في الطرق التقليدية للسيطرة الطبيعية “… ويقول : ” إن أهتمامي الحالي ينصب على الرغبة في تطوير أكثر للنزعة التجريدية في الأشكال التقليدية المحلية والقومية وقيمها الجمالية بمعزل عن المفهوم الإنشائي ” . ويرى الجادرجي أن هناك علاقة بين التنظير والممارسة ، وعلى المعماري أن يسخر التنظير في التصميم ، لأن رؤيتنا لأي شيء تحصل عن طريق المعرفة السابقة وليس مجرداً منها .. فدون تنظيرلاعلاقة تفاعلية بين المتلقي والمعماري تصبح العمارة رتيبة وسقيمة إذا لم تعتمد على فهم المكان والزمان والإطار البيئي والجغرافي . والممارسة عنده تفاعل بين الفكر والمطلب الاجتماعي منذ بدايته سنة 1952 وتأسيسه نظرية ” جدلية العمارة “ التي شكلت القاعدة إلى التنظيم في العمارة .

نظريــــــــــة جدلية العمارة ..

أطروحة الجادرجي التي كتبها سنة 1951 ، ونقحها سنة 1958 ، ونشرها في كتابه ” شارع طه وهامرسمث ” سنة 1985 ، وكانت المانفستو المهني والفلسفي ، التظيري والتطبيقي للمعماري على مدى حياته وممارسته وإنتاجه المعماري وكتبه ..

مقدمة ..

إن تاريخ العمارة في جوهرة هو تاريخ التناقض بين المطلب الأجتماعي والمرحلة التقنية لتلك المرحلة . فالعمارة هي العلم الذي يتناول حاجة إنسانية معينة ، إنه العلم الذي يتناول الأيواء والتحويط بشكل أو بآخر ، لحاجات يكيفها المجتمع ، بعبارة أخرى العمارة كقيمة مادية هي جزء من القاعدة ، جزء من الأنتاج . إضافة إلى ذلك ، فإنها العلم الذي يتناول أفكار البنية الفوقية بصياغتها في شكل مخصوص ؛ وهذا الشكل يعكس ويتخذ دوراً فعالاً في صياغة أفكار القاعدة الاجتماعية ؛ أي أن العمارة كفكرة هي أحد عوامل البنية الفوقية . لهذا فمن الواضح أن للعمارة جانبين : الأول أنها قيمة مادية ولذا فإن أنتاجها ، أي البناء ، يجب أعتباره كجزء من الأنتاج العام ، والآخر أنها فكرة ولذا فإن إنتاجها يجب أعتباره كجزء من البنية الفوقية . فإذا حصل تجاهل لأي من هذين الأتجاهين أو لم نوف قيمتها الأجتماعية كاملاً ، فإن نظرية العمارة تضحى آحادية الجانب ومغالية ، وهذان الجانبان هما وجهان لنفس الظاهرة الأجتماعية ، العمــــــارة .

المطلب الأجتماعي في العمارة ..

قد تكون المطالب الأجتماعية هي أفكار البنية الفوقية التي تحتاج إلى نشر بواسطة العمارة ؛ وأن تكون هي المتطلبات المادية ، أي التحقيق المادي للعلاقات الأجتماعية بصيغة العمارة ، بمعنى العلاقة بين انسان وانسان ؛ إن الملوك ما عاشوا قط في ظل ظروف معمارية مشابهة لظروف عبيدهم ، ولا عاش الفلاح في ظل ظروف معمارية مشابهة لظروف الصانع في المدينة .. كذلك العلاقة بين الأنسان والطبيعة ، فعمارة ساحل البحر ليست متماثلة مع عمارة الريف ، ولا عمارة القرية متماثلة مع عمارة المدينة ، ومناطق الغابات تنتج عمارة مختلفة عما تنتجه المناطق الحجرية أو البركانية .. كل واحدة من هذه تتطلب من الانسان ظرفاً معمارياً مختلفاً ؛ بعبارة أخرى فإن للمطلب الأجتماعي في العمارة جانبين : الجانب العقائدي والجانب المادي ، والأول يتكيف من قبل البنية الفوقية لمرحلتها ، والتي تشتمل على أفكار ومخيلة تلك الحقبة ، والثاني يتكيف بقاعدة المرحلة ومتطلبات الأنتاج فيها .

التقنيــة في العمارة ..

لا يكفي أن نسأل لماذا أنتجت عمارة ما ، بل المهم كيف أنتجت ؟ ، ذلك أنه بالنتيجة لا يتحدد المطلب الأجتماعي في العمارة لوحده بمرحلة تطور الأنتاج عموماً ، بل تتحدد كذلك ، وعلى الأخص ، الوسيلة التي بها أمكن تحقيق المتطلبات للمطلب الأجتماعي ليبلغ أقصى غايته في تلك المرحلة المعينة . فإننا إذا أخذنا بنظر الأعتبار المطلب الأجتماعي ، أي متطلباته العقائدية والمادية معاً ، وتجاهلنا التقنية المطلوبة التي تحققه في البعد والموضع والسرعة ودقة العمل ، فإن دراستنا ستكون أحادية الجانب . إن المطلب الأجتماعي في العمارة هو أحد القطبين ، والقطب المواجه له هو القوى الأنتاجية لتلك المرحلة ـ الناس ، مهارتهم ، ووسائل الأنتاج ـ  كلما حدث تناقض بين قطب وآخر .

التناقض الجدلي في العمارة ..

ثمة مفهومان أساسيان للتطور ، الأول المفهوم الميكانيكي الذي يعتبر التطور بمثابة زيادة بسيطة ، تكرار بسيط ، وتراكم ومزج للأشياء الموجودة سلفاً ، لذا فإن هذا المفهوم غير قادر على تفسير نشوء الجديد من القديم ، كيفية وسبب مجئ عملية ما لحيز الوجود ، كيفية تطور التغيير الكمي إلى تغيير نوعي وبالنهاية فإنه سيطلب العون من شئ خارجي ، عن العمليات المادية الفعلية ، ولذا فإنه بشكل أو بآخر يدخل الظاهرة غير المرئية في عمليات تطور المادة .. والثاني المفهوم المادي الجدلي ، المفهوم الذي ينطلق من وجهة نظر تفيد بأن كل شئ يتطور بواسطة نزاع بين أضداده بواسطة فصل ، أنقسام ، لكل وحدة إلى أضداد قائمة بذاتها بشكل متبادل … إنه يقتضي التغلغل في أعماق عملية مخصوصة ، والكشف عن القوانين الداخلية التي هي مسئولة عن تطور تلك العملية ، هذا المفهوم يبتغي اسباب التطور ليس خارج العملية ، بل بباطانها ذاتها ، إنه ينبغي أساساً الكشف عن مصدر الحركة الذاتية للعملية .. لذا فلا يكفي أكتشاف التناقض الأساسي في العمارة ، بين المطلب الأجتماعي والمرحلة التقنينية ، كما أن من المهم على السواء أكتشاف التناقض الباطني للتناقضات الخاصة والعامة لا بل أكثر ، فمن بين مئات التناقضات الخاصة يجب تشحيص التناقض الرئيسي الأساسي والجوهري ، وكل تناقض خاص يجب تصنيفه حسب الدور الذي يتخذه في الظاهرة موضوع الفحص . وليس كل وحدة تحوي لذاتها أضداد قطبية ، بل أن هذه الأضداد مترابطة بصورة متبادلة بعضها ببعض ، إن جانباً واحداً من تناقض لا يمكنه البقاء بدون الآخر … ليس ثمة عمل ميكانيكي بدون فعله المقابل ، إن الأنحلال الكيمياوي للذرات مرتبط بشكل لا ينفصم مع أتحادها ، والطاقة الكهربائية تفصح عن نفسها على شكل كهربائية كتقابلة ـ إيجابية وسلبية . وإن التجوال الأجتماعي ، تجوال الانسان داخل التحويط لبناية ما لا يمكن أن يتحقق في العمارة بدون سبق وجود التحويط أو المنشأ ، والعكس بالعكس ، فإن المنشأ ، الجانب الآخر من التناقض لايمكن أن يوجد بدون المطلب الأجتماعي ؛ إن المنشأ والتجوال الأجتماعي هما ضدان وفي توحدهما ونزاعهما تعثر على مصدر وجودهما وفنائهما ..

إن جدلية العمارة تظهر نفسها على النحو التالي :

كتــــــاب .. شارع طه وهامرسمث

بحث في جدلية العمارة

1985

يستهل رفعة الجادرجي كتابه بأنه نواة فكرية ورواية لتطلعات تجمعت بمرور الزمن ـ ممارسة وتجربة وخبرة ـ حتى باتت أشبه شئ بمدرسة لها قواعدها وتأثيراتها داخل العراق وخارجه . غير أن الكتاب ليس تاريخاً لهذه الحركة أو المدرسة ، بل هو محاولة لتدوين سيرة معمارية كما أدركها الكاتب نفسه مع حلفايتها التي عايشها . لم تكن العمارة بالنسبة له مهمة فحسب ، بل كانت أسلوب معيشة ، لذا كان الكتاب عرض ذكريات عن فكره ، وذكريات عن خلق الفكرة أو النظرية ونموها وتطورها ، حتي بدت فلسفة مهيمنة على ممارسته ، يقتبس منه ويستشهد بها ؛ حاول الجادرجي هنا تحليل الظواهر المعمارية بموجب نظرية المادية الجدلية ، فقال أن المحتوى المعماري ما هو إلا الوظيفة المعمارية سواء الوظيفة النفعية بشتى فروعها أو الوظيفة العاطفية بما في ذلك النواحي الأستاتيكية والتعبدية والسياسية ، بل وحتى المزاج القومي والوطني والدور التاريخي الذي يمر به المجتمع .. أما الشكل فهو ذلك التكوين الهندسي الذي يظهرلنا هذا المحتوى ويعتمد عليه ويكمن فيه ؛ فإذا أردنا عمارة جيدة فعلينا أن نأتي بمحتوى جيد ، وبما أن الشكل هو تحصيل حاصل للمحتوى فإنه يصبح بالتبعبة وبصورة تلقائية جيداً .

ويخلص الجادرجي في تنظيره أن المحتوى هو ذلك المطلب الأجتماعي الذي يتكون من مكونات عديدة بما في ذلك الوظيفة والتقنية ، وهذه تتشابك وتتفاعل إلى أن تصبح مطلباً . وبهذا المفهوم يصبح تقييم العمارة عبارة عن أداة لفهمها وليس مجرد أداة سياسية بعد إستيعاب العلاقة و بين المحتوى والشكل بنظرة موضوعية . والمسألة إذن هي مطلب يتفاعل مع أسلوب أنتاجي فتكون الحصيلة ظهور شكل ، أو بعبارة أخرى عند تبلور متطلبات ثانوية وظيفية متعددة النفعية منها والعاطفية في كيان موحد ودخول هذا المطلب الموجد في تفاعل مع الأسلوب الأنتاجي يتولد في نهاية هذه العملية التحويلية شئ جديد هو الشكل ؛ جديد لأنه غير مطابق مع مكونات المطلب وغير متطابق مع أسلوب الأنتاج .. وبتولد شئ جديد نكون قد حصلنا على تحويل نوعي ن ولا تحويل نوعي دون أن يتم تفاعل متبادل جدلي . ويعرف الجادرجي نظريته في جدلية الشكل : ” الشكل هو الحصيلة المادية لتفاعل جدلي متبادل بين مطلي أجتماعي متمثل بفكرة من جهة ، ومن جهة أخرى التقنية المعاصرة له متمثلة بعناصرها الفكرية والمادية والذاتية الخاصة .. ” . وهكذا إذا نظرنا إلى العمارة نجد أن وجودها وتطورها وتنوعها يخضع لهذه السُنة في التناقض والتفاعل ، ثم التحول النوعي ، وذلك بين القطب الأول المتمثل في المطلب الأجتماعي وبين القطب الثاني المتمثل بالأساليب التقنية ، وحصيلة هذه العملية تظهر لنا ، لأحساسنا في مضمار الشكل على صورة عمارة .

 ويشمل الكتاب ممارسة رؤية الكاتب ونظريته حول جدلية العمارة ، ويحتوى الكتاب على خمسة فصول تبدأ بعرض لبدايات الرحلة والبحث ما بين الشرق والغرب ، ثم طرح للمانفستو وتوطئة أطروحة النظرية ، وتفصيل البحث نحو جدلية العمارة كما طرحها حينها سنة 1950 ..

 كتــــاب .. الأخيضر والقصر البلوري

1991

 كان السجن الفرصه المتاحة لرفعة الجادرجي ليكتب كتابه الأخيضر والقصر البلوري هذا ما نوه عنه في المقدمة ، والكتاب يفصح عن بنية عقلية جدلية تجعل من مجال العمارة مدخلاً لدراسة المجتمع وتركيبته الأجتماعية والنفسية وكأنه جعل من السجن مكاناً لاستعادة وتجميع الذاكرة وإنهاضاً لما هو يومي في عمله وتحويله إلى لغة حسية ثقافية فكانت الكتابة تحرراً للذاكرة وللجسد معاً ، وهنا كان الأشتغال بالعمارة مدخلاً لرؤية التحولات السيكولوجية للسلطات وللناس معاً ، وحاول عبر خبرات البنائين والنجارين والفلاحين أن يولف طريقة فنية تجتمع فيها الخبرة الآنية لهؤلاء مع خبرة الماضي في بنية الشكل المكاني للعمارة أو لأجزاء من تراكبيها المعقدة . والكتاب نفسه أحد أهم الشواهد المعمارية في فن التجربة المهنية العملية ، وكأنه يقول ضمناً إن التاريخ الحقيقي لمكونات المجتمع لا يكتب إلا من خلال الخبرة الميدانية في أنشطته العملية ، وقاريء الكتاب يشعر أن ما يعنيه بالنظرية الجدلية للعمارة ليست إلا الرؤية الميدانية المشغولة بالتطبيق ، مع الأنتباه العميق لحركة المجتمع وهو ينمو في أتجاهات مختلفة دون أن يلغي كلية فعل التأثر بالتيارات الحديثة في العمارة الأوروبية مع محاولة نقد منهجي للموروث في أشكال العمارة التراثية وأخذ الجانب العلمي والمتقدم منه وأخضاعه تقنياً إلى السياق المعماري الحديث .

إن نظرية جدلية العمارة التي تحولت للمجال التطبيقي كما ظهرت بالكتاب  تفصح عن رؤية فكرية أشمل ، تلك التي تتعلق بالجانب الإقتصادي ، فالمعماري الحديث إذ يستفيد من بنية البيئة مناخياً وجغرافياً وأداتياً ، إنما يحاول أن يجعل من هذه المواد الخام أرضية يشيد من خلالها وفوقها تكوينات معمارية جمالية ونفعية معاً ، ومستطلع إنجازات الجادرجي يجدها قد أستنطقت المكونات المحلية إلى الحد الذي بدت خصوصيته في هذا الإنجاز أو ذاك هي الهوية الفنية والفكرية له . وهذه الميزة الثقافية الكبيرة واحدة من تحويل فعل العمارة إلى رافد ثقافي كبير ، ليس على مستوى الشكل وجماليات البناء ، وإنما في أستخدام المادة الخام وفي وضع المفهومات والآراء الشخصية موضع تطبيق يوازن به بين الدراسة والخبرة المعملية المحلية .

في الكتاب الكثير من الموضوعات التي تستحق وقفات تأمل ، منها مفهومه للبيت البغدادي وعلاقة هذا المفهوم بالموروث ، ومن ثم نقل أهم مكوناته الى البيت المعاصر ، وهذا ما دفعه لأن يعمل توازناً هندسياً وجمالياً بين باطن الدار بوصفه موروثاً للباحة القديمة ، كجزء من بناء ديني يرتبط بالجنة والنار ، وبين خارج الدار ، بوصفه تكويناً جمالياً ، وجعل من خلال هذا التوازن المنهجي مفهوم أجتماعي ينمو في باطن الدار كما ينمو في خارجها ، ولعل هذه الظاهرة الجدلية في التوازن بين موقعين آتية إليه من المحاورة السياسية والفكرية التي كانت تضع مجمل أفكارها حيز التطبيق ، ثم إضفاء الطابع الذاتي على كل ذلك من خلال خطوط جديدة التي يتطلبها تصميم جديد . ويستمر البيت حضوراً وفاعلية مع الجادرجي فالبيت البغدادي كوحدة معمارية كان أشبه بالقيمة المركزية والبؤرة المعمارية التي أدخلها كلها أو أجزاء منها في أي تشكيل أو تصميم معماري ، فعندما اكتشف الرؤية الجديدة الخاصة به في بناء الجامع ، توصل الى موقف يوحد بين العملي الواقعي والفني الجمالي ؛ وهنا بدأت خطواته في الابتعاد عن المؤثر الأجنبي والدخول للتراث من خلال فن التجريد أي الدمج بين ما هو محلي وعالمي ، وجمعهما في إطار تراكمي غير محسوس ينم عن معرفة جمالية بالتشكيل عبر مفردات متنافرة تاريخياً ، منسجمة جمالياً ، ومن هنا نراه عندما يعود لتصميم العمارة لاحقاً يعتمد الجوامع والأزقة كخلفية بغدادية لأعماله .. الجوامع والأزقة ـ الدين والحياة الشعبية . الجامع كمكان للعبادة والبيت كمكان للألفة والهناءة والسكن ، ومعهما بنية الزقاق الذي تتجاور في أعلاه البيوت ، بمثل هذا التكوين الجمالي الفائز بالشعبية والتجريدية معاً ، يستخلص تكويناً جمالياً لبيت عراقي عام وليس لبيت عراقي خاص .

لم يقف تصور الجادرجي عند بناء جزئيات بيت ، محل ، عمارة ، سوق ، فالتعامل مع تلك يجعل المعماري مشتغل جزئياً وخاصاً ، وقد يكون متميزاً ، وإنما هو مدخل للتعامل مع بنية أجتماعية أشمل ، هو هدف أي معماري يمتلك نظرة تقدمية ، وهذا ما فعله الجادرجي عندما زاوج بين مفهومي : العراق لابد وأن يتطور ، والعمارة لابد وأن تتطور ؛ أيضاً لا تكون بنية العمارة الجديدة إلا من خلال بنية المجتمع الجديد لكن هذا المفهوم الكلي والشامل نراه يصطدم بتقلبات سياسية ومعمارية متخلفة ، تؤدي بالتالي إلى التهديم ؛ إنه يعيد تركيب المفاهيم ومن خلال هذه المصاهرة المعمارية الفنية ينهض المعماري ليس برؤيته لمفهوم التطور ، وإنما ليجعل من المشاريع الشخصية والمحددة كياناً معمارياً ، رؤية نقدية أكثر دقة من تلك التي تعتمد مقولات نقدية تشكيلية بحتة . من هنا جاء أهتمامه المتزايد بالحاجة النفعية ، أي تلك الحاجة التي تتوالد من العلاقة بين الانسان والطبيعة ، وبما أن الفن بوجه عام والفن المعماري خاصة لا يتطور خارج الاطارالنفعي فإنه يمثل الموقف اللانفعي ، وهو الموقف الجمالي الخالص حسب تعبير هيجل .

ويتطلع الجادرجي إلى البيت العراقي تطلعه إلى الوطن ، ويريد من هذا البيت أن يحمل هويته وأن يصبح الساكنون فيه قوماً لهم وجود فاعل ليس من خلال تراثهم فقط ، وإنما من خلال حاضرهم ، ويجعل من البيت وطناً معاصراً . وبالطبع فالجادرجي ليس فيلسوفا يريد تجريد المكان – البيت – من ماضيه ومن صوره المترائية يومياً والمتجددة ، وإنما هو معماري بحس وطني وتراث قومي يمتد عبر العصور وبأفق معاصر، لذلك كان البيت عنده نقطة تحول كبرى في توظيفه للمفهومات المعمارية الحديثة ، وفي الوقت نفسا ليجعل منه أفقا غير مقلد ، لذلك نجده وهو يجوب بآفاق المعرفة المعمارية يقتنص كل مفردة ذات معنى فهي سياحة منهجية واطلالة على العلاقة بين المكان والعمارة . وثمة تصاهر جدلي في عمل الجادرجي بين ما هو حضري وما هو لا حضري ، فكانت النظرة الجدلية التي وظفها في مفهوم البيت البغدادي .

كما أمتلك الزقاق البغدادي ذو التاريخ الطويل عناصر مليئة بالقوة الدافعة ذات بنية حركية سواء ضمن الوحدة الصغيرة البيت أو ضمن الوحدة الكبيرة الزقاق ، وقد عالج الجادرجي هذه الديناميكية في العمارة وهذا الأختلاط بين نموذجين أحدهما وظيفي والآخر نفعي ، أمكنه أن يولد لنا بنية عراقية معاصرة لنمط البيت ، إلا أن هذه البنية كانت غير شعبية وذات تكلفة عالية ، إن نماذج البيوت التي بناها الجادرجي هي لأثرياء بغداد ، بمعنى أنه لم يستطع تطوير مفهوم سكنى شعبي ، وإنما أنصب هدفه على تكوين عمارة حضرية متقدمة تعتمد الموروث الشعبي . فالأزقة وإن أمتلكت خصوصية حركية وفعالية ديناميكية ، إنما كانت تنقل إليها ثلاث خصائص : الأولى أن سكنة هذه الأزقة هم الناس المنحدرون من الريف ولذلك كانت أشياؤهم الخاصة معلنة الى الخارج ، الخصيصة الثانية إن الانسان الشعبي لا يفصل كثيرا وبدون وعي  بين المكان المقدس وبين البيت ، فكلاهما بؤرة مكانية للعبادة الأول متجه الى الله والثاني متجه الى الأسرة والذات ، والخصيصة الثالثة للزقاق احتواؤه على نغمة تطورية تتجه إلى المدينة لذلك كانت مفردات البناء من الحجر والطابوق والخشب والحديد ، لكنها تحتوي على بنية داخلية ريفية .. والجادرجي كان يستطلع الأفق المستقبلي من المكونات الشعبية للعمارة ولم يغب عنه كذلك الارث الحضاري والانساني المعاصر ، كل هذه الروافد تداخلت بعضها البعض لتسوغ نظرية جدلية خاصة بتركيبة البيت داخليا وخارجيا ؛ وهو إن ركز جهده البيتي على بغداد لم نجده يعمق هذا الجهد بطرز خاصة في البيوت التي تبنى من الحجر ـ بيوت المنطقة الكردية والموصل ، ولا البيوت التي تبى من الطين والقصب كما في بيوت المنطقة الجنوبية .

والكتاب لا يسرد تاريخ العمارة بالعراق وإنما يشمل ممارسة الكاتب للعمارة وتطبيقاته للتنظير السابق وفي القسم الأول منه يعالج الجادرجي ويقدم فيه الأحداث والمواقف النظرية التي أتصلت بالتصميمات التي أنجزها ما بين 1952 ـ 1978 ، ويحتوى على ثمانية عشر فصلاً .. أما في القسم الثاني يوضح الجادرجي مسائل أخرى ذات صلة بالعمارة وبالتركيبة الاجتماعية والنفسية ، ويحتوى على تسعة فصول ..

كتــــــاب .. جدلية وسببية العمارة

2006

الفائز بجائزة الشيخ زايد ـ مارس 2008

 العمارة كما يناقشها الكتاب لا تنفصل عن ثقافة المكان والحضارة التي تمثلها ، بل أنها تتجاوب مع المحيط الاجتماعي بشكل كبير ، ويقدم الجادرجي منظور جديد من خلال الكتاب لمحددات العمارة بين الحاجات النفعية والرمزية والجمالية على المستويات الجماعية والفردية ، وأن الرؤية المعاصرة التي يطرحها في العمارة الحديثة وإن كانت مشبعة بالقيم الجمالية المطعمة بالعناصر التراثية ، إلا أنها تقوم بدورها الوظيفي البحت الذي يقوم على حسابات هندسية دقيقة.  ولابد من قراءة مزدوجة لكتاب رفعة الجادرجي ، قراءة فاحصة لمنجزه المعماري وقراءة معمقه لأدبيات الكتاب ؛ فقد انبنت مقالات الكتاب على مفهوم لبنيوية العمارة ، وهو مفهوم وضع مبادئه الأولية سنة 1950 ، وطورها في مجالاته التنظيرية والتطبيقية وممارستة العمارة ؛ وأصبحت لديه مفهوماته للهيكلية البنيوية وحركتها  الجدلية ، كما يصفها هو ، حيث يجد أن لكل ظاهرة سواء أكانت جامدة أم حياتية متحركة ، فكرية أم مادية ، مقومات حاضرة  في الوجود وإلا ما وجدت . وكل ظاهرة لا بد من أن تكون في حالة حركة وتغّير مستمر ، سواء كان التغير ملموسا أم محسوساً ، و لذا فهناك علاقات تفاعل وتفعيل بين مقوماتها من خلال مقررات متضادة في سيرورات من التفعيل الجدلي . وهو كذلك في مجمل مباحث الكتاب يرى كيف تتجمع في مجال ظاهرة العمارة مقومات تستقطب عناصرها فتؤلف ثلاثة مقررات : الحاجة الاجتماعية التي تتضمن الحاجة النفعية ، والحاجة الرمزية ، والحاجة الاستطيقية ، وكلها متأصلة في وجود الإنسان ومعيشته ، كما إنها متأصلة في سيكولوجيته القائمة ؛ وفي المقابل هناك مقررات التكنولوجية الاجتماعية التي تتضمن المادة الخام والطاقة المسخرة في تحريك الدورة الإنتاجية . والانسان هو محرك سيرورة هذه الجدلية وهو المستقطب الثالث ، وتحقق هذه المستقطبات تحريك الدورة الإنتاجية .

 إن رفعة الجادرجي ينظر دوماً بمنهجية التجريب وحلم المتغير الذي سيتحقق على الأرض يقول  إن الجدلية حركة تتضمن مجازفة تصميمية ، لأنها لا تتمتع بمرجعية قائمة ، أو تستند الى  تجربة سابقة تقوم عليها مخيلة المعماري ، فيسخرها في سيرورات التجريد والتحديث والابتكار وإنجاب الشكل الجديد . وهو يرى أن العمارة تشكل مقوماً متأصلا في سلوكيات الفرد إزاء البيئة الأجتماعية ، والأساس في تفعيل القدرات الحسية البصرية والوجدانية للفرد في عيشته اليومية ، إضافة إلى وظيفتها كأداة ترضي الحاجة النفعية ؛ إنها أداة فعالة في الحوار العاطفي والوئامي في تكوين العاطفة الجمعية للمجتمع ، و في صياغة همومه عامة .

وهو يرى أن المعماري الحديث من خلال  الفصل التجريدي والوصل التكويني المتداخل معه في عمارة محلية محتملة ، يكون قد استحدث رؤية لوظيفة جديدة للعمارة من خلال إرضاء متطلبات حاجات وجدانية لدى المجتمع ، وذلك يتخطى لديه إرضاء متطلبات محددة في جغرافية محددة او خصوصية مكانية مغلقة مثلاً ، فهو يرى تكريس نهج الحداثة على صعيد عالمي يتفاعل مع الخصوصيات المحلية ؛ وبهذا يتحقق إغناء التجربة المحلية بمعطيات أفردتها حركة الحداثة في العمارة العالمية ، وبهذه الطريقة تتحقق لديه محلية متوازية في خصوصيتها مع كل ملمح دولي آخر ..  لقد ظهرت العمارة المعاصرة والحديثة في اوروبا محصلة إلى تطور متدرج ، ولذا لا يجد المعمار الاوربي ضرورة لنظرية تقوده ، فقيادته حدسية متأثرة بالعمارة القائمة في البيئة المعمرة ، ولكن لا وجود لهذه البيئة في العالم العربي ، ولذا يجد المعماري العربي نفسه في فراغ معرفي وحسي ، فالبيئة المعمرة في أحسن حالاتها هي عمارة تقليدية فاتها الزمن وتجمد تطورها منذ نشوئها . فالفكر المعماري العربي يحتاج إلى نظرية علمية فنية تقوده في تعامله مع العمارة ؛ فالتعامل مع الحداثة سواء في مجال العمارة أم الفنون أم العلوم يفترض مسبقا حرية التفرد والتفكير ، هذا ما لم يمتلكه الفكر العربي عامة .