الرؤية الإنسانية للمكان

بقلم : محمد علاء …

تعانى الأن مدينة الإسكندرية من محاولات متتالية متعمدة لمحو تراث معمارى موروث على مدي عقود وعصور متلاحقة. الإشكالية تكمن ليس فقط فى إنقطاع تواصل الموروث بالوريث الشرعى الحالى او المستقبلى , ولكن فى تاثير المتغيرات العمرانية على العقول المستقبلة. فقدان المكان قد يؤدى الى تشتت المقام وفقدان المقام يرسخ بوادر إنقطاع التواصل بالمكان وينتهى بإحساس الغريب  فى مكان كان معتقد ان يحوى الإنتماء.

تفاعل الإنسان فى المكان هو ما يؤكد شعور وجود الإنسان , فمدينة مثل كوبنهاجن , يحتل البعد الإنسانى الدافع الأوحد للقائمين على العملية التخطيطية فى المدينة . وسط المدينة هو حالة من التفاعل المستمر بين الإنسان والمكان بدون معوقات ميكانيكية أو خرسانية . سمة المدينة هى الطمأنينة والسعادة .

الحقيقة التاريخية التى قد نعرفها عن مكان بعينه هى حقيقة مجرده من الإنطباع الحسى الذى يخلفه المكان على الإنسان , يقول جاستون باشيلرد, “نحن لسنا بمؤرخين , ولكن أقرب للشعراء فأحاسيسنا هى تعبيرات منسية من الشعر” , حواس الإنسان هى أدوات التخاطب لفهم المكان , والمكان يوصل رسالته المخفية من خلال حواس الإنسان .

إدراك المكان

المكان يحمل ذرات حقيقة ما هو كان ، وما هو كائن الأن وكل ماسوف يكون مستقبلا فى ذلك المحتوى المنظومى , فالزمان يمضى تاركا خلفه وقائع وأحداث وإن كانت غير مرئية الأن ولكنها منحوته فى الخريطة العقلية لقارئ كل زمان , يتحسسها فى دفء الجدران ومقدار الإضاءة وإنسجام العناصر . المكان هو المحتوى والإنسان هو القارئ , قد تكون الرسالة بلا مضمون وأحيانا أخرى القارئ ليس بملم , فى كلتا الحالات التفاعلات قائمة مع نسبية التأثير , فى بعض الحالات التأثير قد يولد مقطوعات حسية صامتة تتناغم مع إيقاعات إنسان بعينه لتشكل لحظة الأدراك الوجودى , حيث يصبح الإنسان من صميم المكان ويكون المكان جزء من ذاكرة الإنسان . وتبقى الترسبات العميقة لتلك الحالات حتى بعد إنقضاء التجربة ومغادرة المكان , المكان يتخذ بعد مغاير عن واقعة لتتشكل جزيئاته  فى أبعاد عقلية وصور حواسية شديدة الخصوصية للإنسان.

قد برعت إتجاهات بعينها فى التركيز على العناصر الحسية , ففى المدرسة اليابانية للفكر ورؤية الجماليات , الوابى سابى , إيقاع الحياة بها يرتكز على تعزيز الأثار التى تتعرض لها الحواس , فلسفة تنص على هدوء وإنعزال الأشياء فى حالتها المنفردة ولكن المضمون مكون من الكل , الغاية هى فى  التأملات الميتافيزيقية فيفقد المكان أبعاده المحدودة ليضم ما هو أعمق, فى أى مكان فى كل مكان, كل المفردات ذات أهمية فى تناسب عكسى لحجمها الفعلى .

التأثيرات المكانية متناسبة من مكان لمكان ولكن يبقى البيت المخصب الأولى للذاكرة المكانية للإنسان , ودون جموع فراغات البيت ينفرد المطبخ عن الحجرات الأخرى , فهو حقل تجارب حواسية منذ نعومة الأظافر , بما يحوى من تعددية المواد القائمة أو المكونات المستخدمة وإنخراط الإنسان فى تجارب متوالية متضادة أحيانا ولكنها متنوعة , فى ظل دفء الحرارة وإختلاط الروائح , ودائما النتيجة هى إبداعات يومية , بطبيعة الحال يشكل ذلك العالم جاذبية تكاد تكون ساحرة  ويستشعر الطفل بإتساع ذلك المكان حتى بأن الجدران لا تشكل له شيئا وإن شكلت فهى فقط واقع مجرد ولكن الحقيقة الفكرية أن المكان يمتد ويتسرب من خلف الجدران متجاهلا ومتحديا المعوقات ليؤكد وجود عالم أوسع أشمل من تجريدات المكان فى أربع جدران .

2

“الأنف تجعل العين تتذكر”

هكذا فإن التجربة المكانية تعتمد على التقبل العقلى , ما يؤثر علينا كبشر فى منهج التقبل هو مدى إتساع أعماق العقل فى الرؤية والقدرة على بناء أبعاد تجربة مكانية جديدة , تقوم على إتصال الحواس بكينونة المكان . فالإنسان يحمل ترسبات إنطباعات مكانية سابقة فتكون منحوته فى مساحات عقلية مرتبة يستطيع الإنسان البناء عليها أو إستخدامها كمرجع فى تجارب لاحقه , أحيانا قد تزيد وعيه فى محيطه المؤقت أو قد يعلو بسقف التوقعات لينتج حالة إنتقادية للمكان .

وصف بيتر زومثور تلك التجربة ومدى عمق تأثيرها على وعيه المعمارى , فساعدت تلك الإكتشافات الأولية على تكوين ذاكرة مكانية يستعين بها لبناء حالات جديدة . فالرغبة ليست تحجيم تلك الترسبات فى إعادة محاكاة مكان ما بعينه ولكن فى إختبار حالات عميقة أخرى . ويقول بالازما “إن لرحلة فى أعماق غابة تأثير شفائى على النفس بالإضافة لتنشيط متواصل للحواس” , ومن هذا المنطلق، يجب على المرء أن لا يتجاهل حتمية تأثير تجربة التجوال فى المدينة ، التجربة هى صورة تعبيرية ذهنية مستمدة من نشاط حاسة بعينها أو اكثر تضيف ترسبات ذاكراتية فى خلال الطريق , بعبارة أخرى التجربة المكانية لا تبدأ من بداية الوجود فى المكان المرغوب ، ولكنها تكتسب آثار ذاكرتية في عملية الرحلة إلى ومن المكان ذاته ، فمثل التجول الرحلة أيضا تحتوي في طياتها تلك التفاعلات متعددة الأبعاد . إستخلاصا من ذلك , فكرة السفر الى مكان أخر اضحت بلا مضمون لوجود مختصرات زمنية ومكانية متمثلة فى الطائرة , فعلى الرغم من العبقرية الهندسية ولكن بوجود ذلك الإختراع إنطمست الجزئية الفلسفية لفكرة الرحلة الى المكان .

فكرة المكان

المكان هو كمثل خلفية مسرحية لأحداث متوالية فى نفس السياق أو مغاير . نشاط مركب يرتكز على عناصر حتمية وهى الزمان المكان و الإنسان . وفي كتابه” ظواهرتية الرؤية” لمرلو بونتي “فى أعماق جذر تجاربنا وإنعكاسات أفكارنا نجد كائنا كامل الوعى بوجوديته , فهو ملم بذاته ومحيطاته , ليس من منطلق إستدلال أفكار ولا عن طريق إستنباطات لملاحظات واقعية , ولكن بالإتصال المباشر مع وجود ذلك الكائن . فالوعى الذاتى هو قدرة العقل فى العمل .”

أماكن تخيلية

هى أماكن تنساب إليها العقول , اماكن تكونت وتشكلت شموليا ولكن فى نسيج من الخيال , الحواس تكون على أوجها , الى جانب فقدان الوعى فى محيطات المباشرة , فقط لتدخل تجربة وجودية عميقة , الإحاسيس تداعب فى حالة , الحواس الحية فى حالة سكون تام فالإعتماد هنا ينصب فقط على الإنعكاسات الذاكرتية لتلك الحواس , إنعدام الرؤية الفعلية وإستبدالها ببصيرة عقلية ذو مدى أوسع فى نطاق الرؤية . قد تكون أماكن من إرهاصات خيالية او أحلام يقظة , قد تكون أماكن كانت ولن تعد , ولكن ما هو مؤكد حتميا أن لكل شخص أماكنه التخيلية , فهى ملاجئنا إذ تغللت أحاسيس الغربة لعقولنا .

التجارب المكانية المنقولة

التجارب المكانية المنقولة , حكايات السابقيين المقرؤة/المسجلة وتجارب المعاصرين المنقولة عن مكان ما , تلك تجسيمات مباشرة لتخيلات مكانية تنقل من لسان شخص الى عقل مستقبل . محاكاة إفتراضية لعملية تفاعل الحواس , فتنشغل الحواس فى نسج خيوط ذاكرتية تشكل منظومة مساحية لتتحول مصفوفات الكلمات الى جدران ولدت من إنطباعات الحواس . وقد يوضح ذلك مدى عبقرية وإتساع المفاهيم المختلفة للكلمة , حتى إذا توحدت كلمات وصف المكان فإن إسقاط المعنى على العقل يختلف كل الإختلاف من شخص لأخر . فالوصف المكانى قد يحتمل عدة مفاهيم , ولذلك دائما ما يفشل نقل الكتاب الروائى الى فيلم ليس إفتقارا لقدرات المخرج ولكنه يعتمد بشكل أولى على الاماكن التخيلية فى ذاكرة قارئ الكتاب وحالة الترقب لمشاهدتها سينمائيا ولكن فى اغلب الحلات يسود الإحباط .

فتجربة المشاهدة مسبقا هى تجربة أحادية البعد , تماما مثل قراءة وصف مكانى و زيارته لاحقا , فزوار أهرامات الجيزة من الأجانب , مشكل مسبقا صورة ذهنية كاملة وتفاعلات خيالية مع المكان , ولكن البعض يفاجأ بمدى قرب المدينة من منطقة الأهرامات نظرا لوجود صورة ذهنية بصحراء شاسعة لا يظهر فيها إلا صروح الأهرامات منفردة . الأمر أيضا ملحوظ فى حالة البحث عن مسكن جديد , فدائما تشاهد صور إفتراضية لمساكن يوتوبية منعزلة تماما عن واقعنا الملموس , وعند الزيارة الفعلية للمكان تصدم الحواس بحائط الواقع . وعلى الجانب الأخر , أحيانا تكون النتيجة عكسية قد تقرأ الكثير عن مكان وصف دوما سلبيا كان او إيجابيا , ولكن فى واقع التجربة المكانية لاحقا تجد أن المكان إختزل فى صور بسيطة جدا أضافت ولم تنقص للتجربة , فيزيد إحساس تقدير المكان .

إكتشاف المكان

المكان يحوى حقيقة دفينة ساكنة فى كل عناصره , ينصب على عاتقنا مهمةإستمرار البحث , فى خضم عمليات البحث قد تصادف أماكن لم تكشف حقيقتها لك بعد , فلا وجود لأوصاف مسبقة , المكان بكر , خالى من شوائب وصف يفتقر للواقعية . الإنسان مسير ان يبحث لكشف حقيقة ما حولة . فى رحلة البحث , قد يصادف أماكن جديدة كليا على خيوط حواسه , فتخلق تركيبات حسية لم تكن من قبل . يظهر ذلك فى إكتشافات علماء التنقيب الأثار , مثل بيلزونى الإيطالى والكشف عن معبد أبوسمبل , أو هاورد كارتر و مقبرة توت عنخ أمون , دائما كانت تستغرقنى حالة غيرة لا إرادية عند سماع إكتشافات مكانية لهؤلاء , حالة فضولية لمعرفة ما كانوا يشعرون به .

ولكن بعد تفكير أعمق , أدركت أن لكل منا إكتشافاته المكانية الخاصة , ففى رحلة تلقائية فى شوارع المدينة , يأخذك المسار أحيانا الى بقاع لم تكن مرئية من قبل , بغض النظر عن حجم الإكتشاف , فقد تكتشف مشهد جديد فى شارع ما أو قد ينتهى بك مطاف الرحلة لإكتشاف مبنى لم تكن تعرفه من قبل كليا , تلك الإكتشافات تحتل التأثير الأعمق فى تجاربنا المكانية .

تغيرات المكان

عند إقحام مدخلات جديدة فى المكان تعتمد بالأساس على مقدار التقبل العقلى لها , فبينما يراه البعض فرصة لإعادة الإكتشاف ولكن قد يظنه البعض انها تؤدى أحيانا بإختلال التوازن الحسى وفقدان الإنسجام وينتج عنه تشتت , فالعملية تعتمد بالأخص على مهنية المصمم وبراعته فى الحفاظ على توائم المدخلات مع ثوابت المكان وعلى الجانب الأخر , ديناميكية التقبل العقلى للشخص وإستعدادية الجهاز الحواسى الخاص به .

فدائما يوجد حوار بين الثوابت والمتغيرات المكانية , فالمتغيرات قد لا تعنى دائما مدخلات مادية للمكان ولكن عامل الوقت قد يؤدى الى تدرج الظاهرة الحسية للمكان , من فصل لإخر أو من نهار الى ليل ,  فالمكان فى حد ذاته يتسم بالمرونة فى إحتواء التغيرات الغير مادية تلك أمور حتمية ولكن قدرة الإنسان للتوافق مع متغيرات المكان تكون فى أكثرية الحالات جدلية . قد يفرض المكان حالة حسية ثابتة للتأكيد على الرسالة المراد توصيلها صراحة , فزوار معابد مصر القديمة إن كان حاليا أو فى قديم الزمان , يوجهوا حسيا للوصول الى حالة نفسية تواضعية معينة .

أماكن مفقودة

إتالو كالفينو فى كتابة “مدن غير مرئية” , يلخص تجارب اماكن مختلفة فى سلسة من الحكايات , محاولة لأسر شخصية كل مدينة فى سرد إنطباعات مكانية . فالمكان يتشرب أحداث زمنية تتشكل تلك الأحداث فى ذاكرة جمعية لرواد المكان .  فلكى تحكى قصة مكان مضى يجب أن تذكر قصة كل التفاصيل , المتناهية الصغر قبل البديهيات فى مكان . حكاية المكان فى تفاصيله الصغيرة , تجتمع وتشكل فسيفساء لصورة المكان . “فوصف المكان يجب ان يشمل حتى الخدوش والإنبعاجات على الجدران” . بماذا كانت تحوى جدران المكان , بماذا كانت تحدثنا فبعد أن كانت أماكن تشع برسائل حية إنزوت وتراكمت العتمة على أنقاضها , وما بقى هو نظرة الغرباء فى عيون المألوفين . ذلك هو الحال بعد إنطماس المكان .

للمكان روح مثل الإنسان , لا تنتقل بإنتقال المكان ولا تنفصل عنه إلا بعد فناء المكان , وعند الفناء ما يبقى مؤقتا هو إسقاطات ظلاله على الذاكرة , وتلك تندثر تدريجيا لإرتباطها بفناء الإنسان , وعندها يكون المكان قد فقد حقا وإنتهى إلى الفناء .

خلاصة

أقتبس مقطع من كتاب جين جيكوب , فى بداية الكتاب كتبت مقولة مسبقة تعكس فلسفة الكتاب بإختصار , وهنا عندما أستعيرها لا أقصد عكس محتوى الكتاب ولكن لتعميم المفهوم الأعمق للمقولة ليشمل جوانب حياتنا فى المكان وأى مكان والحث على التدبر فى المعانى الظواهرتية لما حولنا .  ” أنظر بعناية وتأمل لمدننا , وبين لحظات التأمل , يفضل ايضا ان تسمع , تتريث , وتفكر فى ما ترى .”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s