التراث الشرقي كتمثيل للشرق

بقلم : مي حواس …

” فقد رسم الشرقي في لغة كرومر وبلفور بأنه شئ يحكمه الإنسان ( كما في المحكمة ) ، شئ يدرسه الإنسان ويصوره ( كما في المنهج الدراسي) ، شئ ينظمه الإنسان ( كما في المدرسة أو السجن) شئ توضيحي ( كما عن علم الحيوان) ، الملاحظة هنا أن في كل حالة الشرقي محتوي ومصور من خلال أطر مهيمنة”. (أهواليا، 2002)

يشير إدوارد سعيد إلي ضخامة حجم الدراسات الشرقية التي بدأت من وجهة نظره مع غزو نبليون لمصرعام 1798 م، فقد كان ذلك الإستعمار النموذج الأكثر واقعية للإستيلاء العلمي الحقيقي لثقافة ما علي أخري (الأقوي بالطبع) ،ومازال التراث الشرقي  مصدر إلهام لكثير من المبدعين في الغرب والشرق علي حد السواء، وبقراءة العديد من أعمال جوتة ، وآن ماري شيمل،جوستاف فلوبير، ماسينيون، والسير والتر سكوت وغيرهم الكثيرون ، يمكن تخيل كم الدراسات التي قام بها الغرب عن الشرق في محاولة لمعرفته، وهم يشكلون أساس لفهم التراث الشرقي لدي الغرب والشرق علي حد سواء بل تشكل أعمال بعضهم إعادة انتاج الشرق مرة أخري في صورة جديدة.

الشرق بالنسبة للغرب هو أداة الآخر الذي يؤكد وجوده ، هو وسيلة للشعور بالفوقية، هو مثال للضد الذي يعزز الذات، وهو التراث الذي مكنه من استيعاب العالم وإعادة انتاجه كمسرح للأحداث ، والتراث لا ينظر إليه في حد ذاته كإرث انساني، مفسر لما سبق من حضارة.

وباعتبار أن وظيفة المستشرق هو إعادة بناء الشرق ،لذلك فالشرق والتراث الشرقي يعاملان باعتبارهما موضوعات يمكن أن تخضع للتحليل والدراسة ، وبالتالي فإن ذلك التراث ليس ديناميكي ، بل متناغم، وهو موجود فقط من أجل تلك الدراسة،لذلك فهو سلبي بالنسبة لدوره في اسهام هذه الدراسات، وفي المرحلة التالية قد لا يتم الرجوع إلي المصادر الشرقية، بل يتم الإشارة دوما لكتب تم كتابتها عن الشرق، وبالتالي فالمعرفة هنا متعلقة “بالتمثيل”، وهو عملية منح شكل ملموس للمفاهيم الأيديولوجية، وكما يوضح ادوارد سعيد إن قوة تلك التمثيلات لا يمكن ابعادها عن عمليات القوة السياسية.

ما امكانية فهم الشرق لنفسه من خلال رؤية الغرب له؟

” التمثيل” هو قضية أساسية لفهم النموذج المعرفي للخطاب الإستشراقي، وبالتالي فهم التراث الشرقي، وقد ساق بيل أشكروفت وبال أهولواليا ، مثالا ينقد فيه الفيلسوف الفرنسي “فولتير” (1694- 1778) – في ” كانديد”-  والروائي الأسباني سرفانتس ( 1574- 1616) – في ” دون كيشوت” – فرضية أنه يمكن فهم الفوضي الإشكالية التي يعيشها البشر يمكن أن تفهم من خلال النصوص، تلك الفرضية هي أيضا تحدث عندما يشار للنص الإستشراقي باعتباره يدل علي حقيقة، أو يصورها، وتطبيقا علي الخطاب الإستشراقي، فإن الشرق ( التراث الشرقي) يكون صامتا، ويتم يكشف اللثام عنه بواسطة المستشرق (أهواليا، 2002)، وعبر تراكم الدراسات وتعقد تركيبها، فقد أصبحت أكثر أهمية من الأِشياء التي تعمل علي وصفها، وهي من وجهة نظر إدوارد سعيد ” هذه النصوص يمكن أن تنتج ليس فقط المعرفة بل أيضا الواقع الحقيقي الذي تبدو أنها تصوره ” ليس فقط بل أيضا ” المادة نفسها التي تبدو ، بمرور الزمن وكأنها تدين حتي لوجودها نفسه للمستشرق ” (سعيد، 2005) الذي اكتشفها ودرسها وأعاد تقديمها علي مسرح الإستشراق.

ويشرح سعيد ” فإذا وقف المستشرق أمام منجزة ثقافية نائية لا تكاد تفهم ، قلص الإيهام عن طريق الترجمة والتصوير المتعاطف والادراك الداخلي للشيء الذي يصعب الوصول اليه (سعيد، 2005)، وبعد ظهور الحركات الإستعمارية اعتمد التفسير علي الوصف والتقسيم لطرز معمارية، وهي تفسيرات تعتمد علي أسباب وعناصر محددة تؤكد وجهة نظره وتفسيره ،وإهماله لعناصر أخري ،لا تحمل معني محدد بالنسبة له، وأيضا عدم محاولة فهم هذه العناصر، وبالتالي يكون من السهل إفراغ المضمون والمعني وانطماسه لتفسيرات المقابلة أو حثي الغير مقابلة له، وبالتالي فإن الزخرفة هي مجرد ديكور خارجي لا دلالة ولا عمق روحي يمثله لأن الشكل لديه لا معني يشير إليه أو حقيقة عليا، ويعتبر الإتجاه الأنثروبولوجي في تفسير المعمار الإسلامي مثال علي ذلك الإختزال ، يعد أولج جرابار أحد رواد ذلك المدخل الوصفي للمعمار الإسلامي، ويصعب هنا عرض تفصيلي لكل الدراسات التي تقوم بالتحليل الوصفي  للمعمار الإسلامي، ويعتمد بالأساس علي الوصف وتقسيم المعمار الإسلامي لطرز، يعتمد ظهور تلك الطرز المعمارية لعدة أسباب أهمها تقنية البناءـ، والمود المستخدمة ، والتأثر بالطرز المواكبة لعصر ما في مكان آخر، أو بالطرز المتوارثة من حضارات سابقة أو حقبات اسلامية سابقة، ويعتمد في التوثيق لذلك المنهج علي التواريخ، باعتبارها برهان مادي قاطع يدل علي مصداقية نتيجة البحث، ويتجاهل في نفس الوقت المرجعية الفكرية أو الفلسفية أو الصوفية، لافتقاد الدليل المادي علي وجود ذلك التأثير ، وذلك الدليل هو الوثائق والمخطوطات التي تنص علي وجود مثل ذلك التأثير غير انه يجدر الإشارة إلي وجود بعض الدراسات التي تتناول ذلك التأثير ولكن بتحفظ وعلي نطاق ضيق لا يمثل القاعدة العريضة للتفسير.

وبينما يتم وصف المنشأة المعمارية ، قد لا يتم الإشارة إلي المحاور الأساسية في قراءة النص المعماري ،تشكل جزء من تكوين فلسفة المبدع الإسلامي، سواءا عربيا أم فارسيا أم من الشرق الأقصي، فغزارة الإنتاج المعماري لفترة ازدهار الحضارة الإسلامية تمنع من تعميم كل الإستنتاجات، لكن يمكن الإشارة في نهاية المقال لملمح من الملامح التي قد تفسر اشتراك تلك المنتجات الفنية في التعبير عن بعض القيم نتيجة اشتراك المرجيعة الدينية التي كانت منبع الإلهام كما كان الإله الأوحد والطبيعة، وجدير بالذكر إلي أن النموذج المعرفي يعبر عن العلاقة بين ( الإله – العالم – الإنسان ) وهو الموضوع الأساسي للمنتجات الفنية الإسلامية.

كما يري ادوارد سعيد أحد الوسائل التي أسلم بها الاستشراق الشرق للغرب نتيجة لمرحلة هامة ومبكرة في تكوين علم الإستشراق، فقد كان المستشرقون لعقود قد درسوا الشرق وترجموا النصوص وفسروا الحضارات والأديان والسلالات والثقافات والعقليات كموضوعات ومناهج جامعية مفارقة عن أوروبا بحكم أجنبيتها التي لا تقلد،وكذلك قبل بداية الحركات الإستعمارية (سعيد، 2005)،  وكان المستشرق خبيرا مثل ساسي ورينان وظيفته في المجتمع أن يفسر الشرق ويترجمه لأبناء قومه ، فالمستشرق هوالإنسان المنوط به تفسير الشرق وتأويله، إن الشرق بسبب الإستشراق لم يكن موضوعا حرا للفكر أو الفعل، ولا يعني هذا أن الإستشراق ، بمفرده ، يقرر ويحتم ما يمكن أن يقال عن الشرق، بل إنه يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة. (سعيد، 2005)

ويظهر التناقض واضحا بين رؤية الغرب في تفسيره للشرق وبين تفسير الشرق لنفسه، أو لنقل تعبيره عن نفسه الذي يخضع لتحليل مفارق عن الأسس التي وضع للتعبير عنها،وذلك في الدراسات التي لا يمكن حصرها التي وضعت في تفسير معمار الشرق عموما، وتحديدا في هذا البحث، المعمار المعبر عن روحانية الإسلام ، وتمثل المرجعية لمناهج الفلسفة الغربية قاعدة أساسية للتفسير،و يرى المسيري أن المناهج، والنماذج المعرفية، ووسائل البحث: “ليست محايدة تماما”[1]،، بل هي “تعبر عن مجموعة من القيم التي تحدد مجال الرؤية ومسار البحث، وتقرر مسبقا كثيرا من النتائج”[2]، وهذا، يقول المسيري، “ما نطلق عليه اصطلاح “التحيز””[3].

في حين يري ادوارد سعيد إن أعادة الإنتاج للنصية في انقد هي في حد ذاتها محددة بالظرف ب” الدنيوية” بالنسبة للكاتب ما بعد الكولونيالي والناقد ،يشرح الفيلسوف الألماني ” فريديريك نيتشة” (1844- 1900) : أن النصوص هي في الأساس حقائق قوة ، وليست ذات تبادل ديمقراطي، وبعيدا عن أن تكون تبادلا بين متكافئين ، فإن الموقف الإستطرادي يشبه كثيرا العلاقة بين المستعمر والمستعمر، الضاغط والمضغوط، الكلمات والنصوص بعيدة عن العالم، حتي أن تأثيرها واستخداماتها، هي أمور تتعلق بالملكية والهيمنة وفرض القوة، وبالتحديد من هذا الموقف ذو العلاقات الإستطرادية، غير المتكافئة، ظهر الإستشراق علي أنه فرع من فروع المعرفة والثقافة”.

وبتعقب مدرسة التحليل الهندسي للمعمار بهدف إعادة بناء النموذج الأصلي كما قام به آرشي  وولز فقد أعاد رسم المساقط الأفقية والواجهات والقطاعات للأجزاء المتهدمة من المدرسة الأشرفية بالقدس، وذلك بتتبع وبدراسة العلاقات الهندسية والفراغية للأجزاء الموجودة بالفعل ،،فالبناء الهندسي الأساسي والمعتمد علي موديول هندسي تم استنباطه من التحليل الثنائي أو الثلاثي الأبعاد، يمكن استخدامه بطرق مختلفة منها توليد متتاليات منه، أو إعادة تنسيقه وتجميعه بطرق مختلفة[4]، تحقيقا لأنسب الحلول المعمارية لظروف الموقع وغيرها من المحددات، يعتبر هذا المدخل للتصميم مدخلا معقدا وفقا لأرشي، حيث أنه يصعب ان لم يكن مستحيلا تعقب كل مراحل تطور منظومة التصميم الي أن تصل لذروتها في المنتج المعماري، سواءا توفرت المخطوطات أو الرسومات والملاحظات التي تسجل وتوثق هذه المراحل، وذلك لغياب العنصر الفكري الموثق لفكر المعماري أو المجموعة من المصممين المساهمين في عملية التصميم علي حد قوله، إن ذلك التحليل يؤكد علي الطبيعة ” البدائية” و”الغامضة” و”الأصيلة” للمجتمعات الشرقية أكثر من كونه تحليلا مفسرا،  فثمة بعض القواعدغير  المكتوبة (وغير الواعية أحيانا) التي تعرف ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله ضمن خطاب الإستشراق، وهذه القواعد تعمل ضمن مساحة القناعة والزعم، وتقرر نوع المعرفة التي يمكن أن تكتسب منه، فإن التحليل الهندسي يساعد علي فهم الأفكار الأساسية ( الهندسية وليست الفكرية) التي شكلت بعض التفاصيل المعمارية، أكثر من كونها مساعدة علي اكتشاف المفاهيم الفكرية الأساسية التي حكمت التصميم المعماري ككل.

1

.الموديول الهندسي الناتج من تحليل المسقط الأفقي ووراجهات مدرسة الأشرفية بالقدس

   وبالتالي فإنه يمكن فهم صعوبة أن يكتب إنسان عن منتجات الشرق الفكري أو الفني، أو يفكر فيه أو يمارس فعلا متعلقا به، بدون أن يأخذ بعينالإعتبار الحدود التي رسمها وفرها الإستشراق علي الفكر والفعل، ولابد من فهم الشرق عبر تقنيات أكاديمية ومعرفيةتقدمهاالدراسات أوالكتب الإستشراقية، بل يخضع الشرق لأحكام عامة مرتكزة علي علم الأجناس والطبيعة ، بحيث يكون حكم نهائي، تقرر ما هي طبيعة عقلية الشرقي وما يمكن أن يقدمه فكره من منتجات ، وهذه الدراسات هي أيضا غربية ،وبالتالي كما تم شرحه يتم الرجوع للاستشراق كمصدر للمعرفة عن الشرق بدلا من الرجوع للمصادر الأصلية سواء المنتج أو الشرح، وبالتالي يظهر ماسماه ادوارد سعيد : ” المسرح الإستشراقي” ، باعتبار الإستشراق هو فرع من فروع الدراسة يمثل المعرفة الغربية المؤسسة لشرق.

ما هي خطورة الإعتماد المطلق وفقط علي المصادر الإستشراقية المفسرة للشرق ؟

 ليس فقط باعتبار ذلك قصورا وتقاعسا عن القدرة علي تفسير الذات تفسيرا خاصا بها، وليس فقط كون الآخر يقدم نفسه باعتباره الوصي، فالغربي الذي يدعي اهتمامه بحقوق الإنسان، ينتهكها لاعتبارات مصلحته العليا، وهو بلك العلم يعد انتهاكا (في صورته القصوي ) لاهم مبادئ الإنسانية وهو الوجود المركب والمتميز لجماعة بشرية لها خطوطها المتميزة، وانكار ذلك التميز قد تم بمنهج علمي بدأ بفكرة النصوص ، ليشكل وجدانا شاملا للغرب والشرق علي حد السواء لما هو الشرق ولم هو موجود ،وكيف يمكن انتاجه سياسياواجتماعيا وعسكريا وعقائديا بوصفه انشاءا ، وليس فقط لشرحه بل لاكتساب مزيد من الهيمنة عن طريق المعرفة، كما شرح ادوارد فالغرب قدم نفسه باعتباره  ذاتا بديلا ومادة للغرب. وليس بالضرورة أن تكون كل الدراسات الإستشراقية قد أنكرت الشرق ، أو تعمدت إساءة فهمه، ولكن طبيعة تقنية الدراسة الوصفية والإلتزام المطلق للمرحلة الأولي من الإستشراق في دقة التصنيف والفرز والوصف ، والفهرسة، بدون تحليل أو ربط – المرحلة التفسيرية التي تلت المرحلة الأولي من التسجيل – قد كونا منهجية للفكر فيما يتعلق بالشرق، قائم علي كونه مادة يتم شرحها من وجهة نظر تعتمد علي أسس فكرية و تتضمن نموذج معرفي مغاير لما يتم تفسيره منمنتجات فكرية وفنية وعلمية وتتضمن أيضا أحكاما تتعلق بمدي مساهمة تلك المنتجات في المسيرة الإنسانية. إن الغربي قد استخدم الإستشراق بوصفه منهجا وسيلة لإخضاع أي باحث أكاديمي لغايته الأساسية سواء كان غربي أو شرقي، والغاية هنا ليست فقط انكار الفضل العلمي كهدف مطلق، ولكن يتضمن اقصاءا للشرق من دوره في المسيرة الإنسانية علي المستوي السياسي ، بهدف السيطرة السياسية والعسكرية أحيانا ان استدعي الأمر.

لكن الأكثر خطورة هو استيعاب الخطاب الإستشراقي بدون استيعاب لمواطن التميز لدي المنتج الشرقي الذي يتم تحليله ، وبدون غربلة لعدد من الأفكار المتضمنة الغير معلنة في  السياق، والمقصود هنا كون رؤيةالنص باعتباره جزء من تشكيل رؤيتك للعالم، سواء كانت تلك الرؤية تخيلية أم أقرب لما هو بالفعل.وأن بناء التخيلي للعالم هو أحد مميزات النص البنيوي ، الذي هو خطاب متضمن في معظم النصوص الأدبية والنقدية لما بعد الحداثة وتشكل وجدان الغرب الحالي، وهو فكرة الفصل بين العالم والنص والكاتب.

[1] إشكالية التحيز، ص: 10.

[2] مرجع سابق، ص: 10.

[3]  مرجع سابق، ص: 10.

[4] Archie G.WallsGeometry and aArchitecture in Islamic Jerusalem”

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s