عرض وتقديم كتاب ” العدالة الاجتماعية والمدينة “

الكاتب : ديفيد هارفى …

عرض وتقديم : ليلى حافظ …

تاريخ النشر : 1973 …

قبل اربعين عام صدر كتاب جديد بعنوان “العدالة الاجتماعية والمدينة” للجغرافى والفيلسوف ديفيد هارفى، وصفه النقاد بمثابة ثورة فى الفكر الجغرافى؛ بينما اعتبره البعض الأخر مثيرا للجدل، لأنه، كما قالوا، “يعيد النظر فى أفكار وقيم أساسية فى اسلوب حياتنا”.

لقد قام هارفى فى كتابه “العدالة الاجتماعية والمدينة” بتجميع مجموعة من الابحاث التى كتبها على فترات ومراحل مختلفة عن العمران والمدينة، وتناول فى الكتاب اشكال المدينة الحديثة، او “تطور الحركة الحديثة فى العمارة”، وطرح رؤية فريدة لما قد يطلق عليه البعض فكرة المدينة الفاضلة.

ديفيد هارفى أستاذ بريطانى فى علوم الانسان، بمركز التخرج بجامعة نيويورك، كما انه من كبار المنظرين الاجتماعيين فى العالم. هارفى استاذ جغرافيا وصاحب عدد كبير من الكتب والمقالات والابحاث التى تساند الاساليب الخاصة بالطبقة الاجتماعية والاسلوب الماركسى وتعتبرها أدوات جادة ومنهجية فى نقد الرأسمالية العالمية، وهو الرجل الذى قدم فكرة “الحق فى المدينة”. لقد اصبح هارفى مهموما اكثر من اى شئ اخر بقضايا الظلم الاجتماعى وطبيعة النظام الرأسمالى نفسه، وانتقد الفراغ المطلق والاستثنائية فى الجغرافيا.

انتقل هارفى الى بالتيمور بالولايات المتحدة للعمل استاذا فى جامعة جون هوبكونز، ومنذ ذلك الحين تبنى بشكل كامل النظرية الجديدة والخاصة بالجغرافيا الماركسية الراديكالية، بعد ان صدمه حجم الظلم والعنصرية والاستغلال فى تلك المدينة. وفى السبعينات من القرن الماضى، قام هارفى مع اصدقائه بتكوين “اتحاد بوسطن للجغرافيين الامريكيين” الذى اصبح فيما بعد نقطة تحول اساسية فى نشاطهم من اجل تعليق الاسلوب التقليدى فى التعامل مع المسألة التى يطبقها زملائهم، وطرح ما اطلق عليه “نظرية ثورية”، أى نظرية ” تم التصديق عليها من خلال تطبيق ثورى”.

ولقد قام ديفيد هارفى فى كتابه “العدالة الاجتماعية والمدينة” الذى صدر فى عام 1973، بطرح فكرة ان الجغرافيا ليس بإمكانها ان تظل موضوعية فى مواجهة الفقر فى العمران وكل السلبيات التى ترتبط به. وان الرأسمالية تقوم بالقضاء تماما على الفراغ من اجل ان تؤكد قدرتها على ملئ هذا الفراغ.

وشرح هارفى فى كتابه كيف انه وجد انه من المهم ومن الملائم ان يستكشف كيف يمكن ان تتواصل الافكار فى الفلسفة الاجتماعية والاخلاقية مع البحث الجغرافى ومع كل مجالات الجهود الفكرية مثل التخطيط والعلوم الاقليمية والتى تتشابه فى الكثير مع الجغرافيا.  ولقد افترض هارفى ان مبادئ العدالة الاجتماعية ذات العلاقة بين تطبيق المبادئ الفراغية والجغرافية والتخطيط العمرانى والاقليمى.

لقد قدم هارفى فكرة العدالة الاجتماعية فى المدينة فى كتابه وفى العديد من اعماله، واكد على ان هناك خطأ جسيما فى شكل المدن اليوم (السبعينات) سواء كان ذلك فى التصميم او الرسم او السلطة او التاريخ. كما انه طرح مسألة “العدالة الاجتماعية” من الناحية الاقتصادية والقلق من ان يكون النظام الاجتماعى نظاما مسطحا الى حد ما.

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف، وجد هارفى انه من المناسب ان يستخدم مدينة بالتيمور، فضلا عن بعض المدن الاخرى، كركيزة او مرجع يمكن العودة اليه من اجل الحصول على اجابات للتساؤلات التى تظهر عندما يتم القاء الضوء على الهموم الاجتماعية والفلسفية؛ فيرى هارفى انه من الممكن ان تقدم مدينة بالتيمور نماذجا عديدة للطبيعة الظالمة، وقام بتحدى نقص البدائل المطروحة للوضع القائم؛ كما قام بدعم مبادرة “مرتب للإعاشة” بدلا من سياسة “الحد الادنى من المرتبات”. واوضح كيف أدى “تغذية وحش وسط البلد” الى إفراغ المدينة من ثروتها الاخلاقية والمالية.

ولقد قام هارفى بطرح التقدم الاجتماعى والاشكال الفراغية عبر تطورات فكرية عدة: ففى الفصل الاول يعتبر هارفى ان المشكلة فى أساسها لغوية، لذا فهو يقدم لها حلولا لغوية. ولكن فى الفصل الخامس تحولت المشكلة الى مسألة خاصة بالتطبيق الانسانى، والحلول الخاصة بتلك المشكلة تكمن فى مجال التطبيق الانسانى. فى الفصول التالية يناقش هارفى مشكلة التمييز بين التقدم الاجتماعى والاشكال الفراغية، ويشرح ان الاشكال الفراغية لا تعتبر فى حد ذاتها كيانات جامدة ينمو من خلالها التقدم الاجتماعى، ولكنها “تحوى” داخلها العملية الاجتماعية بنفس الطريقة التى نجد فيها ان التقدم الاجتماعى مسألة فراغية.

ومن خلال الابحاث التى يقدمها هارفى فى الكتاب، يحاول الكاتب ان يشرح للقارئ كيف تتطور كل فكرة، وكيف تطرح فى البداية ثم تتغير فى النهاية، وكيف تتطور الافكار فى اتجاهات مختلفة، وكيف تبدو تلك التطورات معقدة.

فيطرح هارفى فى البداية فكرة “طبيعة النظرية”، ويوضح كيف يرى البعض النظرية على انها انفصال غير طبيعى بين المنهجية والفلسفة، ولكن هارفى على العكس يرى هذا الانفصال مسألة تتصل بالملائمة فقط لا غير. ولكن فى الفصول التالية يستبعد هارفى كل اشكال الانفصال، حتى تلك التى تقوم على الملائمة، التى تعتبر الوقائع منفصلة عن القيم، والمفعول به مستقل عن الفاعل، و”الاشياء” على اساس انها تملك هوية مستقلة عن ادراك الانسان والفعل، و”خاصية” الاكتشاف منفصلة عن “عامية” النتائج.

فى نفس الوقت، رأى هارفى فى البداية ان بناء نظرية يتطلب إقامة كيان لغوى مناسب، يتضمن معانى ومفاهيم ثابتة، ولكن فيما بعد اشار الكاتب الى ان المعانى يمكنها ان تحدد النهايات، وان اسلوب فكرى قام على معانى ثابتة وفئات وعلاقات ثابتة، قد يكبت، بدلا من ان يشجع، قدراتنا على فهم العالم.

بنفس الطريقة كان هناك تطورا فى التعامل مع فكرة التحقق من الشئ، والتى يرى هارفى انها لا يمكن ان تنفصل عن التطبيق الاجتماع بشكل عام، وذلك لان “التحقق” يتم من خلال التطبيق، مما يعنى ان النظرية هى التطبيق. ويمضى هارفى بالقول ان النظرية تصبح تطبيقا من خلال الاستخدام، وهنا، وفقط هنا، يمكن ان يتم التحقق منها تماما.

أما بالنسبة لطبيعة الفراغ، ففى الفصول الاولى يتعامل هارفى مع “الفراغ” بشكل فلسفى، فاوضح انه فى اللحظة التى نكتشف فيها معنى الفراغ، ونجد الوسائل لتقديمه، يمكن ان نبدأ فى تحليل ظاهرة العمران وذلك من خلال التوفيق بين مفهومنا للسلوك الانسانى وأى رؤية عامة للفراغ. ولكن هذا التعامل يتغير مع توالى الفصول فى الكتاب، ويبدأ هارفى فى تصور ان الفراغ يصبح ما نريده منه ان يكون، خلال عملية التحليل وليس قبلها. كما يوضح هارفى ان الفراغ ليس مطلقا، ولا هو نسبى ولا ذات اتصال فى مكنونه، ولكنه يمكن ان يصبح اى منهم او كلهم فى نفس الوقت، وذلك حسب الظروف.

وحول مسألة “طبيعة العدالة الاجتماعية”، قدم هارفى الفكرة وتطورها، إذ تحول من الفكر الليبرالى الى الاشتراكى او الماركسى. وتحول من النزوع الى اعتبار العدالة الاجتماعية مسألة معنية بالعدالة والاخلاقيات الابدية الى اعتبارها شيئا طارئا على العملية الاجتماعية فى المجتمع ككل.

واخيرا، يرى هارفى ان “طبيعة العمران” يعتبر “كيانا فى حد ذاته”، ويمكن فهمه كذلك؛ ولكن فيما بعد، بدت فكرة العمران فرصة مواتية، يمكن من خلالها التقاط بعض الملامح البارزة فى التقدم الاجتماعى الذى يجرى فى المجتمع ككل- ويتحول ليصبح وكأنه مرآة يمكنه ان يعكس بعض الاوجه الاخرى للمجتمع. هذا التحول يحدث جزئيا لان العمران يتم تفسيره على انه ذات علاقة او صلة. ولكن انهيار التمييز بين الانتاج والتوزيع سيكون له تأثيرا كبيرا على الطريقة التى نرى بها العمران. لهذا فان أى قلق مبدئى حول العمران ككيان قائم بذاته يتبدد ويتحول الى قلق على كل أوجه الانسانية والطبيعة والفكر والعقيدة والانتاج الخ.. التى تشكلت حول فكرة العمران ذات الصلة.

اكد هارفى ان تلك الموضوعات الاربعة لا تتطور فى استقلالية الواحدة عن الاخرى، ولكن هناك تشابه وتواصل بينهم فى كل الأوقات.

وبما ان التطور يعتبر فى فكر هارفى عملية مستمرة بشكل خاص فى مجالى العلوم والفلسفة، فان هارفى يثبت ذلك فى كتابه الجديد الذى سيصدر فى ابريل المقبل 2012 بعنوان “المدن المتمردة: من الحق فى المدينة الى ثورة العمران”، حيث سيكشف خواص المدن التى اصبحت مواقع مركزية لسياسات ثورية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s