.. رحلة مع تجربة رمسيس ويصا واصف.. المعماري والفنان والإنسان

بقلم … طارق والي ..

RWW Poster

لا يستطيع المرء الفصل بين الجمال والإنتفاع

 أو بين التشكيل ومادة التشكيل نفسها

 أو بين العمل والنشاط والإنتفاع وبين الإنسان وقدراته الإبداعية الفنية

رمسيس ويصا واصف

 

قراءة في مفاتيح الشخصية

  مرحلة النشأة والبيئـة الإجتماعية والثقافية …

إن البيئة الأسرية والإجتماعية لها دورها في تشكيل وجدان وفكر الإنسان ، خاصة في مراحل الطفولة التي تتبلور وتترسخ فيها القيم والإنتماءات الوجدانية والفكرية العقلية ، لذا فإنه لفهم البناء الفكري أو تحليل الإنتاج الإبداعي لفنان ومعماري مثل رمسيس ويصا واصف فإنه من الحتمي في سلم أولويات فهم تلك الشخصية إستقراء الخلفية والبيئة التي نشأ فيها وأكتسب منها وجوده ومعتقداته الفلسلفية وأنساقها الحياتية ، سواء كان هذا التفاعل والتأثير إجتماعياً في إطار الاسرة أو ثقافياً في إطار المجتمع الأوسع ، وذلك في إطار زمني معين وتتابع مرتبط بتطور الشخصية ذاتها وبلورة رؤيتها ومواقفها الحياتية والسلوكية وممارساتها العملية والتطبيقية .

ولد رمسيس ويصا واصف في 11 نوفمبر سنة 1911 ، في عائلة قبطية ذات مواقف مشهود لها ، وكانت الثقافة والفكر والفنون – بجانب السياسة والمواقف الوطنية – تشغلان في حياة أفرادها مكانه كبيرة وأصلية . والده هو ” ويصا واصف ميخائيل ” كان محامياً وسياسياً وعضواً فاعلاً في حزب الوفد ، كما كان له مواقفه الداعمة للحركة الفنية ورعايتها وخاصة موافقة مع المثال ” محمود مختار ” وجيله من رواد الفن حينئذ .. وكان رئيس شرف جماعة الخيال ، ورئيس جمعية الفنون الجميلة .. وكان له صالونه الثقافي وكان من رواده محمود مختار الذي كان موضع إعجاب كبير لدى رمسيس الصغير الذي أظهر بوادر غير عادية لموهبته الفنية خصوصاً النحت ، وكان حلمه أن يصبح نحاتاً ، ولكن والده أقنعة أن يدرس العمارة بدلاً من النحت .. وأصبح معروفاً بين عائلته بإسم الفنان .

كان ميلاد الأب ” ويصا واصف ” في طهطا في 12 مايو سنة 1873 بمحافظة سوهاج حيث درس في مدارسها ونال الشهادة الإبتدائية ، ثم رحلت العائلة إلى القاهرة ونال شهادة البكالوريا من المدرسة التوفيقية بشبرا ، وألتحق بعدها بمدرسة إعداد المعلمين ، وكان ناظرها فرنسياً ، وقد أنس في الفتى نبوغاً فأرسله لإتمام دراسته بفرنسا سنة 1889 ، وقضى ثلاث سنوات بمدرسة المعلمين بفرساي وسنتين بمدرسة المعلمين العليا بباريس عاد بعدها لمصر ، وعين مدرساً للعلوم بمدرسة رأس التين بالإسكندرية ، وكان يهيمن عليها حينها مستشار إنجليزي يدعى ” دانلوب ” وكان يحارب التعليم المصري ، مما دفع ويصا واصف بشن حملة ضد الإنجليز وضد سياسة دانلوب ، وكتب مقالات يعلن فيها موقفه ويفضح تلك النزعة الإستعمارية والعدائية ضد المصريين ، وأرسلها لجريدة اللواء التي يصدرها مصطفى كامل .. وكانت تلك بداية مشواره الوطني وعلاقته بالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل مع تفجر الحركة الوطنية وتصاعدها في بداية القرن وأقترب الشاب ويصا واصف من الزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد ، ويقول عبد الرحمن الرافعى : “إن ويصا واصف أختير في اللجنة الإدارية للحزب الوطني إلى جانب الزعماء الكبار للحزب ، وكان ذلك الانتخاب في 17 ديسمبر سنة 1907 وكان ترتيبة التاسع بين الثلاثين عضواً وأصبح ويصا واصف من قادة الحزب الوطني”.

وبعد رحيل مصطفى كامل فقد الحزب بريقه بفعل عوامل داخلية وبمحاولة اصحاب المصالح والمطامع في إجهاض تلك الشرارة الوطنية المصرية من أن تتصاعد ، وأختلت موازين الحزب وظهرت أجنحة متضاربة تمثل في حقيقتها حاله التخبط الفكري التي كانت عليها مصر والمصريين حينها ، وأبرز تلك الأنقسامات ظهور جناح الشيخ عبد العزيز جاويش الذي يدعو إلى الأرتباط بالباب العالي (دولة الخلافة) ، بينما ظهر جناح آخر ينادى بشعار “مصر للمصريين” يتزعمه أحمد لطفي السيد (الدولة الوطنية) ؛ وما بين الجناحين أتخذت الحركة الوطنية مسارات متوازية أختلفت في منهجيتها ولم تتعارض في مقاصادها الوطنية .

هكذا عاشت مصر في مطلع القرن العشرين فترة المخاض للحركة الوطنية الليبرالية ، وشعر الإنجليز بخطر الدعوة إلى الاستقلال وخاصة شعار ” مصر للمصريين ” الذي أصبح منهجية تتجذر في وجدان المجتمع وخاصة جيل الشباب الجديد ، فعمل القصر والإنجليز على بث الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط ، وقام بإشعال سعير نيران الفتنة ودفع بها كذلك كل من الدولة العثمانية في الإستانة وعباس الثاني في القاهرة ، وهنا تصدى ويصا واصف وآخرون للفتنة المشتعلة ووقف الجميع مع العقلاء أمثال احمد لطفي السيد رائد الحراك الوطني المستقل . ومع نمو الروح الوطنية وتسارع الحراك السياسي في العقد الثاني من القرن العشرين أتجه ويصا واصف وفخري عبد النور وتوفيق اندراويس إلى سعد زغلول ، وطلبوا أن ينضموا إلى الوفد المفاوض للإستقلال ، وسافر الوفد ومعه ويصا واصف إلى باريس لعرض مشروع الإستقلال وعرض القضية الوطنية المصرية في المحافل الغربية متطلعين لتحقيق الحرية والإستقلال الوطني لمصر والمصريين .. ولما أنقسم الوفد كان ويصا واصف وحافظ عفيفى وواصف غالى ومصطفى النحاس في صف سعد زغلول ، وكان لهم رأى واحد ضد القصر وتيار عدلي يكن ورفاقه الذين كانوا متساهلين مع مطالب وشروط المستعمر الإنجليزي . وعندما نفى سعد زغلول في ديسمبر 1921 حتى مارس 1922 ، قضى “ويصا واصف” معظم هذه الفترة في المعتقل عندما كتب مع رفاقه أحتجاجا ضد لجنة “ملز” وأصدروا بياناً طلبوا فيه من المصريين عدم التعاون مع الإنجليز ومقاطعة بضائعهم وبنوكهم وشركات تأمينهم وسحب الأسهم منها ..

تلك بعض من ملامح الحياة السياسية عامة التي عاشتها مصر في الربع الأول من القرن العشرين ، ونشأ في ظلالها الأبن “رمسيس ويصا واصف” .. وخاصة بعد انتفاضة 1919 ، ودخول الأب ويصا واصف حراك الحياة السياسية والبرلمانية بعد ترشحة لمجلس النواب عن دائرة المطرية مع إنه من أبناء الصعيد وفاز فوزاً ساحقاً بفضل الروح الوطنية الجارفة التي كانت تعيشها الأمة ، قال عنها ويصا واصف “أنني أمثل في البرلمان دائرة لا قبطي  فيها إلا نائبها ..” . ومن مواقفه البرلمانية سنة 1922 خطاب يقول : “أن الأحزاب في البرلمان لن تكون دينية بل إجتماعية من صناعية وزراعية وثقافية” .. وكان ويصا واصف مترفعاً عن المصالح الفردية والشخصية أو المناصب السياسية بل كانت دوافعه الهوية الوطنية وغيرته على مصالح الوطن ، فقد رفض الأشتراك في وزارة أحمد زيوار باشا في فبراير 1924 بعد إستقالة سعد زغلول ، كما رفض بعدها الأشتراك في وزارة إسماعيل صدقي باشا . كان ويصا واصف وكيلاً لمجلس النواب في حياة سعد زغلول وشغل رئيساً لمجلس النواب في عهد مصطفى النحاس ، ومن مواقفة الوطنية حينها في يونيو سنة 1930 ما حدث أثناء الخلاف الدستوري بين الملك فؤاد ومصطفى النحاس باشا ، أقال الملك حكومة النحاس  الوفدية وأصدر قرار بتعطيل البرلمان وأمر بإغلاق البرلمان بالسلاسل وإطلاق النار على المتظاهرين وجاء النحاس ومعه النواب وأخترق الحصار حول البرلمان وتقدم ويصا واصف الصفوف بصفتة رئيساً للبرلمان وأمر بتحطيم السلاسل وفتح الأبواب وعقد جلسة البرلمان كالمعتاد .. وعلية أصدر إسماعيل صدقي رئيس الوزراء مرسوماً بحل المجلس ليجرى إنتخابات لا يكون للوفد فيها أغلبية ، ويعود ويصا واصف للمحاماة ليقف أمام المحاكم المختلطة يدافع عن المظلومين والثوار المسلوب حقهم .. وفى 27 مايو سنة 1931 ودع الشعب جثمان ويصا واصف وترددت إشاعات حينها أن الملك فؤاد كان وراء موتة مسموما لمواقفه الوطنية ضده وضد الإنجليز .

تمثل تلك الرحلة الوطنية للأب “ويصا واصف” جانب من ملامح البيئة الأسرية والمجتمعية العامة التي نشأ فيها الأبن “رمسيس” ، والتي واكبت بالتكامل والتوازي الجوانب الفكرية والثقافية والإبداعية للمجتمع الناهض خلال عشرينات القرن العشرين ونزعاته الإستقلالية ، وهنا نفهم بنية شخصية الإنسان والفنان والمعماري “رمسيس ويصا واصف” ، وهنا لابد أن نستقرأ على التوازي والتكامل الموضوعي تلك الحالة النهوضية للفكر والثقافة المصرية خلال هذه المرحلة ، وهى تمثل في عموميتها البيئة الثقافية والفكرية للمجتمع بقدر ما كانت تمثل المجال الأسرى المباشر للطفل ” رمسيس ” الذي ولد لأب راعى للثقافة والفنون والفكر .

البيئة الثقافية والفكرية المجتمعية ..

إذا كانت طاقات الإبداع في الأمة أنبثقت مع الصحوة والنهضة والحراك  الوطني في السنوات الواقعة بين سنة 1919 وبين النكسة السياسية والأنتكاسة المجتمعية وتراجع الحكم الدستوري سنة 1930 والتي قام بها القصر مع بعض الموالين له من النخب الأرستقراطية بالمجتمع من أصحاب المصالح الخاصة ، فإن ما ظهر في هذه الفترة النهضوية الوليدة من معالم الإبداع كان مسبوقا بمقدمات فردية لا تجعله جديداً في هذا العصر ولكنه تنامي لحراك بدأ ولم يستكمل مساره حينها . ومن هذه الأرهاصات الإبداعية ..

  • جيل الشعراء .. أمثال صبري وشوقي وحافظ ومطران وكانوا قد حلقوا في آفاق عصرين : عصر ما قبل سنة 1919 والعصر اللاحق له ، وكان هذا الجيل مسبوقاً بأستاذية البارودى وعبد الله النديم .
  • جيل الأدباء من الرواد الشباب الوطنيين .. وكان مسبوقاً بأجيال أخرى في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في مصر قلب المنطقة النابض بالحراك الوطني والقومي .
  • عصر التنمية الصناعية .. بدأ مع طلعت حرب وكانت له مقدمات سبقته رغم محدوديتها ويحسب لرائد الأقتصاد الوطني الأنطلاق الغير مسبوق بتعددية مجالاته وإنتشاره وبعمق الهوية الوطنية النازعة للأستقلال الأقتصادي بالتوازي مع الأستقلال السياسي .
  • أما الفنون والثقافة عامة .. والفن التشكيلي خاصة فكان الحرث الجديد في هذه المرحلة ظهور مختار ورفاقه .. وكان مسبوقا بأجيال طوال من الصمت الفني ..

وفى هذا المجال ألتقى رواد من الجيل الأول من الفنانين سنة 1919 وكونوا لجنة فيما بينهم لتنظيم وسائل لعرض إبداعاتهم الفنية على مواطنيهم ، ونجحت محاولتهم الأولى في المعرض الذي أقاموه بحي الفجالة سنة 1919 ومن هؤلاء محمود مختار ، محمد حسن ، يوسف كامل ، راغب عياد ، عثمان دسوقى ، لبيب تادرس ……. وفى سنة 1921 بدأ يتصاعد الشعور من هؤلاء الرواد إلي حاجة تلك النهضة الفنية الوليدة إلى حركة جماعات تشكل تيار مجتمعي متفاعل مع عموم المواطنين المصريين ، وأسسوا ” الجمعية المصرية للفنون “… وأعقب هذه الحركة تأسيس ” جماعة محبي الفنون الجميلة ” سنة 1923 ، غير أن هؤلاء المبدعين كانوا يحسون الحاجة إلى حركة أخرى ، يريدون  التحليق معها حول فكرة الفن القومي ، فأرادوا أن يأخذ هذا الإلتقاء الروحي شكل جماعة منظمة الوسائل ومن هؤلاء تكونت ” جماعة الخيال ” ، يربط بينهم جميعاً إحياء الفن المصري ، بجميع أشكاله ونشرة في داخل البلاد وخارجها عن طريق الرعاية والتعليم والإذاعة وإقامة المعارض بمصر وخارجها ، كان حراكاً طموحاً لمشروع نهضوى للإبداعات الفنية ودورها في تغيير المجتمع وتطوره . وكان يرأس “جماعة الخيال” ويصا واصف وكانت تحت رعاية رشدي باشا ، وحول هذه الفكرة أجتمع رجال الأدب في مصر وتألفت منهم “لجنة أصدقاء جماعة الخيال” ، التي نشط أعضاؤها للدعاية للحركة في صحفهم وأخذت المقالات الفنية تكتب بأقلام هيكل والعقاد والمازنى ومحمود عزمي ومي زيادة ….. منبعثة عن إيمان عميق بفكرة الفن القومي . وأجتمعت روائع فن لهؤلاء الرواد في مرسم “روجية بريفال” حيث أقيم المعرض الأول لجماعة الخيال في فبراير سنة 1927 وكان نجاحه دافعا للحماس للفكرة فكان المعرض الثاني في ديسمبر سنة 1927 . هكذا لم تقتصر جماعة الخيال على الفنون التشكيلية فقد جعلت من دارها ملتقى لرجال الفن والأدب والفكر والثقافة ، وملجأ لشوارد أرائهم وجواً رحباً لآمالهم

كان رفاق جماعة الخيال يرحبون من إلتقاء رجال الفن والفكر والأدب هنا لتأكيد الإحساس بعمق وصدق أن في جو مصر حينئذ روحاً خاصة ، وإن هذه الروح لا تكاد تلمسهم حتى تفرقهم … غير أن هذا الرجاء لم يكتمل أو يكتب له أن يستمر .. فإن جماعة الخيال لم تعيش طويلاً وأنتهى شبابها الباهر والمتفتح لنهضة ثقافية وفكرية وطنية مصرية في سنة 1929 بإنتهاء معرضها الثالث والأخير ، وكأن إنتكاسة سنة 1930 لم تقف حدودها عند السياسة بل تلامست مع كافة نواحي الحراك المجتمعي الوطني .. تلك النكسة التي أصابت هذه المرحلة والحراك الناهض ، وعطلت طاقات الإبداع والأنطلاق مع أستبداد الحكم الرجعى المطلق بعد سنة 1930 ، حين أمست الحرية مغلولة والرأي مقيد .. وكان إلغاء دستور 1923 وتعطيل الحياة النيابية ، ومحاربة التجربة التنموية لطلعت حرب وبنك مصر ومؤسساتها الوطنية .. بعدها عاد جيل المفكرين والمبدعين ليلتقط الأسلحة التي ألقاها ليرد بها العدوان عن حرياته الأساسية وحقوقه وعن القيم التي ظفر بها في حراكه الوطني خلال عقد العشرينات .

تلك هي سمة البيئة الثقافية والفكرية عامة في مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين حتى بداية الثلاثينات من القرن .. تلك المرحلة التاريخية التي شاءت الأقدار أن يولد فيها المعماري والفنان ” رمسيس ويصا واصف ” والتي تطابقت في تناغم مع البيئة الاجتماعية المباشرة التي نشأ هو فيها شخصياً ، ليشكل الأثنان معاً وجدان وفكر الطفل والشاب الذي خرج للحياة العامة في مرحلة من أهم مراحل التحول للحركة الوطنية المصرية ، ومحاولات النهضة القومية والوطنية المصرية ، ومعها بدأ رمسيس ويصا واصف يرسم لنفسة رؤية ذاتية مبنية على مكتسبات المرحلة ونكساتها ومتفاعلاً مع معطيات العصر الجديد خاصة بعد أن ألتحق بمدرسة البوذار في باريس لدراسة العمارة سنة 1930 وتأثره بالمنهج التجريبي .. وهو ما كان له أكبر الأثر عليه بعد ذلك عند عودته لمصر ، ليبدأ حياته المهنية وممارسته التطبيقية .

 

مرحلة الدراسة والبناء الفكري ..

حصل رمسيس ويصا واصف على البكالوريا من مدرسة الليسية الفرنسية بالقاهرة وذلك سنة 1930 وكان حلمة أن يصبح نحاتاً ، متأثراً بالمثال “محمود مختار” الذي كان موضع إعجاب رمسيس الصغير عندما كان أحد رواد الصالون الثقافي للأب “ويصا واصف” .. وقد كانت طاقات الأبداع وروح االنهضة الوطنية منبثقة في هذه السنوات بين حراك سنة 1919 ، وبين نكسة الحياة السياسية والفكرية الليبرالية المصرية بعد سنة 1930 ؛ خلال تلك السنوات الزاخرة بالزخم الفكري والتي صعد جيل الرواد المصريين في كافة المجالات ، ومنهم وفي مقدمتهم في مجال الفن التشكيلي كان محمود مختار ورفاقه .. وكان هذا هو الحدث الجديد على الحياة الفكرية والإجتماعية المصرية حينئذ ، فكان ظهور مختار يشبه الطفرة الإنتقالية ، وقد بدأ بظهوره رواد الفن التشكيلي في مصر الحديثة من جديد في إطار الصحوة الوطنية الوليدة والمتنامية  ولكن كانت الإنتكاسة في الثلاثينات . مات ويصا واصف وكان السند لتلك الحركة الفنية الإبداعية ، ومات محمود مختار سنة 1934 ، ومات شوقي ومن بعده حافظ ابراهيم … وكأن القدر على توافق مع الردة السياسية والأقتصادية والفكرية التي عادت لها القاهرة ومصر والمنطقة في ثلاثينيات القرن العشرين .

وفي سنة 1930 أقنع الوالد ويصا واصف أبنه رمسيس أن يدرس العمارة بدلاً من النحت الذي كان شغوفاً به ، وأرسلة إلى فرنسا حيث ألتحق بمدرسة الفنون الجميلة “البوذار” بباريس .. وأثناء دراسته بفرنسا مات الأب السياسي المخضرم وراعى للفنون والثقافة سنة 1931 مسموماً يعتقد بأنها مكيدة من الملك فؤاد على أثر خصومة قضائية وسياسية كانت بينهما ، حسب ما كان شائعاً في حينها .. مما منع رمسيس من النزول إلى مصر طول فترة دراسته ، وكان شغفه وحبة للفن ولا سيما النحت متجذراً داخله ، فأستغل الفرصة وراح يدرس النحت مع العمارة .. وقد تأثر خلال سنوات دراسته بباريس بالمنهج التجريبي في الفن ، وهو ما كان له أكبر الأثر في البناء الفكري للفنان والمعماري داخله ، وهو ما ظهر لاحقاً بعد عودته لمصر وممارسته الإبداعية ، وخوضه لتجربته الرائدة في تزاوج العمارة والفن والحرفة خلال حالة مجتمعية وإنسانية ووطنية جديدة حينها ..

حصل رمسيس ويصا واصف على دبلوم العمارة سنة 1935 من البوذار ، عاد بعدها لمصر ليبدأ حياته العملية والمهنية الإبداعية ، وكذلك بدأ معها عمله الأكاديمي كأستاذ للفنون وتاريخ العمارة سنة 1938 في مدرسة الفنون الجميلة العليا بجامعة فؤاد في القاهرة . ورغم تأثره بالمنهجية التجريبية أثناء فترة دراسته بباريس ، إلا أن الدراسة الأكاديمية التي تلقاها على مدى سنوات دراسته بفرنسا خيبت بعض من آمالة ، ورأى فيها سبباً لبعض الإحباط بدلاً من أن تكون وسيلة التفجير للطاقات الإبداعية لديه .. ومع عودته كان غير راض عن الحالة الإبداعية والفكرية الحادثة عامة ، وعن الظاهرة المعمارية التي تعيشها القاهرة خاصة ، وكتب عنها : “ما لا أستطيع أفسرة هو لماذا لحضارتنا الفنية أن تفرز هذا الكم من البرودة والقبح اللذان يحلان مكان العمارة الأصيلة الفنية .. إنه حتى في الأحياء القديمة العريقة بدأ يظهر طفح المباني الحديثة ، إنها أهانة للحس الإنساني وهى مدعاة للحزن الشديد عندما تظهر هذه المباني في الريف المفتوح” .. وعندها كان يرى رمسيس بروح الفنان والمعماري الوطني أن تلك العاصفة المعمارية الحديثة التي أكتسحت القاهرة قد أفرزت وما زالت العديد من المباني حينئذ التي أقيمت دون مراعاة للحس الجمالي والبيئي والحضاري والأقتصار فقط على عائدها المادي فقدت هويتها وأفقدت أو كادت تفقد الإنسان إنتماءه الوطني ..

كان رمسيس ويصا واصف على يقين من إيمانه بأهمية قضيته ، وأحساسة بضرورة التواصل مع هويته الوطنية للنهوض من تلك الحالة التي رأى فيها نوعاً من الإنتكاسة على الحالة النهوضية التي نشأ هو فيها في الربع الأول من القرن العشرين قبل السفر للدراسة فى باريس ، ومن هذا المنطلق الراسخ أخذ رمسيس يقوم حينها بجولات في أحياء مصر القديمة متأملاً المباني القديمة ومتفاعلاً مع سكان تلك الأحياء ومجتمعاتها ، ولا سيما الحرفيين منهم من نساجين ونجارين ومشكلي زجاج ونحاتي حجر .. ، ومن خلال لقاءاته مع تلك الطوائف والمجتمعات الحرفية الأصيلة تفاعل معها وبها ، وأكتسب خبرة في مهارات تلك الحرف والتي ما لبثت أن شكلت رؤيته للعمارة ودورها التنموي في حياة المجتمع  والإنسان .. ولكن ربما كان من الأمور الأساسية له أنه أدرك أن هذه الحرف في طريقها للإندثار ، وذلك لأنة رغم صدق وأمانة هؤلاء الحرفيين ، فقد كان واضحاً أنهم لم يعودوا يشكلون القدرة على بناء تيار أو حالة جمعية للإبداع ، لأن كثيراً من هؤلاء الحرفيين توفى دون أن يدرب من يخلفه في حرفته من الصبية  وهنا تكاد تتقطع تلك المتوالية المتتابعة للموروث الحرفي للقاهرة ومجتمعاتها . تركت هذه الحقائق بإيجابياتها وسلبياتها أثراً عميقاً في نفس رمسيس الإنسان صاحب القضية والباحث عن الهوية والإنتماء الوطني ، قبل أن يكون الفنان والمعماري المتطلع لتطور وتنمية مجتمعه ، مما دعاه إلى التأمل في مصير الإنسان العادي في عصر الآلات ، وكيف أن هذه الميكنة المتزايدة ووسائل تعليمها التجريدية تخرب ملكات الإنسان الطبيعية ، لذا أستقرت نيته أن يدع إتجاهات العمارة الحديثة عارضاً عنها ، وراح يعمل على إيجاد منظومة شكلت بالنسبة له البنيوية الفكرية له ولممارسته المهنية منذ بدايتها وحتى النهاية ، بنيوية تعطى العمارة المصرية شخصية وطنية مستمدة كما كان الحال دائما من أسلوب ونمط حياة الإنسان نفسة والمجتمع وتقاليده وبيئته الطبيعية ، ويشكل عام من الثقافة والتراث والموروث المجتمعي .

وكان رمسيس ويصا واصف يؤمن بأن قدرة الإنسان على الإبداع الفطري والتلقائي لم تستغل كما ينبغي ، وكان هذا الإيمان دافعاً قوياً في تشكيل رؤيته وفلسفته المعمارية ، وقبل ذلك الإنسانية ، والتي تعتمد على تنمية ذلك الإبداع الفطري عند كل إنسان أيا كانت درجة تعليمة ومؤهلاته وبيئته المجتمعية خاصة إذا توفرت له الظروف المواكبة والفرصة لتفجير تلك الطاقات وعندما تتحقق له الحرية في التعبير والإحساس بقيمة أمتلاكه لذاته وإنسانيتة ؛ وأقتضت تلك الرؤية الفلسفية عندة إلى حتمية التكامل بين الإنسان والبيئة الطبيعية ، كانت عقيدة رمسيس المعمارية “أن فن العمارة يشمل الحياة كلها” وخاصة في تكوينات القرية ، وكما قال : “أحس فيها بالإنسجام  والكمال الذي يعبر فيه البناء عن نفسه بحرية كاملة وبعفوية تلقائية بحتة”

وكما كانت الفنون الحرفية التقليدية التي وجدها رمسيس ويصا واصف في مصر القديمة إجابة لبحثة عن الهوية في الفن والحرفة ، كانت عمارة بيوت قرى النوبة جنوب الوادي  المبنية بالطوب اللبن والمسقوفة بالقباب والقبوات من نفس الخامة ، إجابة لبحثة حينها عن سؤال الهوية في العمارة المصرية . تعتبر زيارته إلى النوبة في أوائل الأربعينيات ذات اثر بالغ في تشكيل شخصيته وبنيتها الفكرية في الجانب الإبداعي المعماري المرتبطة برؤيته للعملية الإبداعية الفنية عامة ، وفلسفته التي دارت حول مفهوم أن الإنسان يولد وبداخلة نبع من الفيض الفني دون التدخل ودون تعطيل هذا الإستمرار وتدفقه . درس رمسيس العمارة النوبية وتطورها وتنويعاتها التي طرأت عليها عبر عصور مصر الحضارية المختلفة من المصرية القديمة والقبطية والإسلامية .. وأكتشف أن هناك موروثاً إبداعياً وحضارياً هائلاً للعمارة المصرية يحمل لنا الحلول والأفكار، وهو ما يمكنها أن تحل لنا كل مشكلة معمارية معاصرة ، أو على الأقل تكون منطلقا بإتجاه الحل ، ورأى أن هذا هو السبيل السليم للعمارة المصرية ، وليس الحل المبتذل بأعتماد العمارة الأوروبية سبيلاً وحيداً لإقامة العمارة الحديثة في مصر حينئذ .

وكانت تلك البنيوية الفكرية لرمسيس ويصا واصف ثمرة النشأة الوطنية للإنسان والمعماري والفنان ، على المستوى الذاتي والخاص أو على المستوى الأشمل والأعم للمجتمع المصري ونخبته المثقفة مع تصاعد الحركة الوطنية ، هذه الرؤى والأفكار عن العمارة المصرية والفن والحرفة المصرية وتطبيقاتها كانت هي جوهر رسالة المعماري والفنان عند رمسيس يؤكدها من خلال الممارسة المهنية أو التدريس لطلبته في قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة .. ولكنه كان يؤمن بلزومية أن تكون هناك حركة جمعية عامة في المجتمع لممارسة هذا الدور ، ومع غياب تلك الحركة أو ضعفها على الأداء الجمعي ، بدأ رمسيس يقوم بدورة المعماري في ظل الظروف الإجتماعية والسياسية المضادة أو المغايرة لأفكارة في مساحة ضيقة ومخنوقة …

  • بدأت في مصر القديمة سنة 1942 مع الحرفيين وأنشأ مدرسة لتعليم الأطفال النسيج لإحدى الجمعيات الخيرية ، ومعها نشأت بينة وبين هؤلاء الحرفيين الجدد علاقة حميمة أستطاع من خلالها أن يطور فكرته ويبلورها لتكون النواة لتجربة أعمق .
  • وانطلقت التجربة في الحرانية عندما اشترى قطعة ارض سنة 1951 ، هناك ليحقق عليها افكارة المعمارية والتنموية المجتمعية المعتمدة على تلك الفلسفة والبنيوية الفكرية التي أعتقد بها وعاش لها .

لقد آمن رمسيس ويصا واصف إيمانا غير محدود بالحرية وكان يرى أن الإنسان ـ أي إنسان ـ وفى أي مرحلة من مراحل العمر يستطيع أن يبدع ، ويصل بإبداعة كمالاً فنياً طالما أنه يعبر ، وتترك له حرية التعبير كاملة دون فرض أي قيود أو توجهات قد تضر بأفكارة وإبداعه .. إذ كان يتصور أن أي طفل وبغض النظر عن مستواه الإجتماعي أو التعليمي يستطيع أن يحلق مع خيالة ويعطى إبداعات متميزة ، طالما أنه بعيد عن مؤثرات وتوجهات تجبره على إنتاج طريقة أو نهج بعينة .. هكذا ، ترسخت البنية الفكرية عند رمسيس في إيمانة بالقدرات الكامنة في داخل كل إنسان وليست بكونها متجذره داخله بل في حقيقتها ووجودها في ذاتها . وعلى مدى تجربته الإنسانية وممارسته الإبداعية والفنية والمعمارية والتعليمية أثبت صدق هذا الإعتقاد وحقيقته المطلقة ، ليس في الإطارات الإبداعية وحسب بل وفى مسيرة حياة الإنسان نفسه وسلوكياته الفردية والمجتمعية . وكان لرمسيس ويصا واصف رأى في المنظومة العملية التعليمية .. أن المعرفة الزائدة توازى في تأثيرها السلبي المعرفة المنقوصة أو القليلة ، وتبقى خطورة هيمنة وتوجيه أحدهم لتعليم الآخرين برؤيته وتوجيهاته التي يراها من منطلق ذاتي .. ومع إيمان رمسيس الراسخ في الفن الغريزي التلقائي عند الإنسان ، ونتيجة لهذا الأعتقاد كان يرى أن العملية التعليمية مسئولة عن تحقيق تلك الآلية الممكنة لتدفق هذا الإبداع ..

هذه التجربة الفريدة هي الموروث والرسالة التي أدركها رمسيس وحملها وتركها لنا لتبقى الطاقة الإبداعية المتفجرة من داخلنا بقوة دائما تتجاوز العمر أو الحالة الإجتماعية والثقافية . وللأسف فان مجتمع المعماريين خاصة والنخب المثقفة والمبدعين عامة ما زالوا يجهلون أو يتجاهلون تلك التجربة الإنسانية الإبداعية بكل جوانبها .. بل لم تتعرف عليها أجيال لاحقة ، وبقيت سجينة في رؤية ظاهرية ( مسطحة ) بحالة نرى فيها المنتج ولا نرى الإنسان والتجربة والرسالة البنيوية الفكرية والفلسفية ..

 

التجربـة الفلسفية للفن التلقــائي ..

إنه من قبيل المصادفة أو التقابل الفكري المتزامن كانت تجربة الفنان حبيب جورجى التي بدأت سنة 1938 من خلال تأسيس مدرسة الفن الشعبي ، وتجربة المعماري والفنان رمسيس ويصا واصف مع مدرسة مصر القديمة للأطفال مع إدخال فن وحرفة النسيج التي بدأت سنة 1942 ، أجتمع الأثنان أتفاقاً أو قدراً حول قضية فلسلفية ومنهجية فكرية وإبداعية واحدة هي ” الفن التلقائي والقدرة الإبداعية الفطرية عند الإنسان ” ، أتفقا حول الفلسفة والرؤية وتنوعت معهما الإمكانية التطبيقية والمسار ، فكان لكل منهما مساره وطريقه الذي أتخذ منه نهجاً لتحقيق تلك الرؤية ، أجتمع القطبان متلازمان ومتصاحبان ، وبل ومتقاربان إنسانياً وفنياً وحتى إجتماعياً وأسرياً ، إنها طبيعة اللحظة التي تحتم على المتشابهين التلاحم لتحقيق التغيير حتى مع تنويعات المسارات لتحقيق الهدف والمقصد  ..

 

كان حبيب جورجى من أوائل الرواد المهتمين بالتراث المصري وجمالياتة ، وتبنى ذلك من خلال تأسيسه لمدرسة الفن الشعبي التي تبنى فيها عدد من الفنانين التلقائيين الذين أتفقت ملكاتهم في النحت التلقائي ، وكان ذلك بداية من سنة 1938 . لقد بنى حبيب جورجى مدرسته للفن الشعبي على معطيات عالم النفس السويسري ” كارل بونج ”  المتعلقة باللاشعور الجمعي حيث أفترض حبيب جورجى أن العبقرية المصرية التي أبدعت التراث الحضاري المتتابع في الفن ما زالت كامنة في وجدان المصريين المحدثين ، لأنهم يتفاعلون مع نفس البيئة والمجتمع والعوامل الوراثية ، فإن وفر لعدد من الأطفال ممن الذين لم يتعرضوا لأنماط التعليم الغربي الحديث فرصة التعبير عن أنفسهم بالطين للنحت أو بالخيوط للنسيج ، فإن العبقرية الكامنة داخلهم سوف تتجلى ، وقد نجحت تجربته تلك ووجدت أعترافاً وإعجاباً مصرياً ودولياً حيث أشار لها كبار النقاد والمنظرون في العالم . أنهمك حبيب جورجى في تجربة الفن التلقائي عند الأطفال سنة 1939 ، عندما عزل مجموعة منهم في سن السابعة بعيداً عن المؤثرات الحضارية والتعليمية ، وأكتفى بتعليمهم دروس الكتابة والقراءة ، وأعطاهم خامات الإنتاج الفني ثم أكتفى بمتابعة التجربة حتى سنة 1951 ، عندما نشر هذه التجربة فى سنة 1952 ، وقدم نتائج أبحاثه وأقام معرضاً بإنجلترا وفرنسا لإبداعات تلاميذه ، موضحاً السبيل التي سارت عليه التجربة ..

وعلى التوازي أو التقابل بدأ رمسيس ويصا واصف تجربته مع الفن التلقائي سنة 1942 عندما بنى مدرسة تابعة لإحدى الجمعيات الخيرية بمصر القديمة ، وخلال تردده على المكان تطوع بتدريس مادة التربية الفنية بنفسه ، وقد أعطيت له الفرصة فلم يلجأ إلى الأوراق والألوان ، بل أحضر عددا من الأنوال البسيطة وكمية من الصوف صبغها بعدة أصباغ نباتية بدائية ، وبدأ الإنتاج مع هؤلاء الأطفال . وبعد توقف التجربة هنا في مدرسة مصر القديمة  أستمر معه فيها ثلاثة أطفال فقط هم : ( فايق نقولا ، مريم هرمينا ، فتنة فكرى ) .. ومع نجاح المحاولة الأولى فكر رمسيس أن يبنى مكاناً مستقلاً يستطيع أن يكمل في فكرته وتجربته .. فأختار قرية الحرانية لتكون مجالاً لتنفيذه لتلك المحاولة نحو الفن تلقائي ، يسجل من خلالها أن التأثيرات الخارجية لها دور أساسي ومباشر إلى هذا الأنسياق المحموم الذي يجمد قدرات الإنسان في قوالب ويضعف من خيال وحساسية الإبداع . وهناك في مصر القديمة بشكل محدود ثم في الحرانيه بشكل متطور كانت محاولاته للحد من تأثير هذا الانسياق في النهج التعليمي الذي تبناه في العملية الإبداعية الفنية والحرفية وكذلك المعمارية ، هنا رفض جميع  التأثيرات الخارجية الجمالية الجامدة وخاصة في إبداعيات الفن والرسومات وأعرب عن أعتقاده بحتمية الحد من التلقين وفتح باب الحرية لتفجير الطاقات الذاتية الحبيسة لدى الإنسان في باكورة طفولته .. وبإختصار كانت تجربته إعادة بناء سيناريو المجتمع التقليدي الحرفي والإبداعي في تجربة مجتمعية تنموية .. هذا النهج الذي أنتج إبداعات فنية كانت لها مصداقية كبيرة لدى القائمين العاملين عليها وعلى المتلقين لها سواء في الفنون والحرف أو في الممارسة المعمارية وأعرب رمسيس من خلال ذلك كلة على قوة الإبداع التلقائي وسعى للمنتج الفني الذي يولد من الإندفاع الخلاق الطبيعي والذاتي ….

وأستمر رمسيس ويصا واصف إنطلاقاً من سنة 1952 في مشروعه مستعيناً ومستفيداً بنتائج تجربة سلفه حبيب جورجى الباهرة والرائدة في الموقف من خامة التشكيل التي نقدمها للطفل ، ويقع الخلاف والأختلاف بين حبيب جورجى ورمسيس ويصا واصف الذي يرى أن صراع الطفل مع الخامة وأستمرار تقدمه في طريق السيطرة عليها يوماً بعد يوم ، وعملاً بعد عمل يعمق ثقته بنفسه وبقدراته ، وتحمية من التقليد ومن تأثير الأشكال التي تواجهه خلال معرفته على العالم الحضاري خارج بيئته ومجتمعة المباشر ، بعكس خامة الطين السهلة الطيعة المماثلة للواقع المادي حوله ذي الأبعاد الثلاثة .. أنها تحرضه على إفراز كل شحناته التعبيرية في سهولة ويسر فيتحرك نحو الأكاديمية والنقل الحرفي عن الواقع المحيط بمجرد تخطية سن المراهقة . ويبدو أنه لذلك حقق حبيب جورجى نتائج باهرة في بحثة العلمي ورؤيته الفكرية التنظيرية ، ولم يحقق إستمراراً في إنتاج الفن التلقائي الفاعل في التنمية المجتمعية والقدرة الإنسانية للفرد نفسه .. بينما يبدو في المقابل أن رمسيس قد حقق معجزة في ذلك الإنتاج للفن النادر الوجود دون أن يقف عند المرحلة التنظيرية .. أي أنه يمكننا أن نقول أن حبيب جورجى وضع النظرية .. ورمسيس ويصا واصف ضمن وحقق لها الإستمرارية .

مرحلة الممارسة والتجربة الفلسفية ..

أعرب رمسيس ويصا واصف عن تفهمه الواسع لنطاق الثقافة والإبداع ودور الفن والعمارة في المجتمع ، بالإضافة إلى ذلك كان رمسيس على وعى لهذا الدور الذي تلعبه الإبداعات الإنسانية الحرفية اليدوية في التجربة المجتمعية والإنسانية .. وكان هذا النهج محور تجربته في الأبتكار والإبداع الفني والمعماري ؛ وفى هذا يكمن الأبتكار الحقيقي لرمسيس وتصوره أن المهارة الحرفية والإبداعية الفنية وجهان لعملة واحدة ، وكان رفضة للتراجع الحادث في عالمنا الصناعي ألهمه ذلك أن يستند البحث وراء المنتج الفني الإبداعي والحرفي الإنساني ، والخوض في عالم معالجة عملية الإبداع الفني والمعماري نفسه يتبع ذلك أن يستند نهجه في التقييم المعماري عن مفاهيم مماثلة وهو النهج الذي يمكن قراءته لتلك الإبداعات المعمارية مع أختلاف أنماطها وأنساقها بإختلاف متطلباتها وظروفها وتشكيلاتها ومواد تحقيق جماليات هذا التشكيل وتقنياتها .. تلك الجدلية التي نجح رمسيس ويصا واصف أن يتخطى معها حدود المادة والتشكيل ليدمج بين المشكل والتشكيل ومادته ليخرج بحوار يحمل من جماليات الإبداع مما يحقق له ديمومة الاستمرار والموائمة المجتمعية والإنتماء لهوية ذاتية وجماعية للفرد والجماعة أو الأمة.

هذه الحالة الجدلية المنهجية لدى رمسيس ويصا واصف أدت حتماً إلى فهمه إمكانية المادة وتقنية توظيفها ومعاصرتها ، بالرغم من منهجيته وفلسفته المبنية على ممارسة الفن التلقائي لمنهجية إبداعية ، وهو هنا أتجه إلى تطور تقنيات ومعالجات لمواد تقليدية قديمة في ذات الوقت إلى توظيف وترويض مواد جديدة لتعزيز وحدة الإبداع المعماري .. كان يرى أن البناء لن يعكس الإحساس العميق بالطبيعة ومجالاتها إلا حين يصبح متفاعلا مع ذات الإنسان وتناغمة وتفهمة للمادة ليتزاوج الإحساس الإبداعي بالوجود المادي ، فعندما يتضاءل الإحساس بالمادة وتمتزج البساطة بالإبداع تعود النفس الانسانيه إلى فطرتها فلا تعود نفساً تائهة في الزحام أضناها الإحساس بالمادة وهبط لهذه الروح الإنسانية إلى أسفل السافلين ..إنه التأمل وترك الفرصة لروح العقل بالظهور :

  • عندما تكون الحدود الوحيدة هي اللا حدود .
  • عندما يمتزج العقل بالخيال بالتراث بالحضارة المتجددة في النفوس مهما مرت عليها آلاف السنوات .
  • عندما نشاهد قمة العقلانية وسط قمة الخيال ، فلا تأذى عيناك بل تستمر تلك العينان أمام كل هذا الفن والجمال والإبداع لتنشلهما مما حولها من تشوهات لتجد هذا التسامي للروح الإنسانية الذي افتقدته مع المدنية الحديثة في الطبيعة والبيئة الفطرية في الريف والقرية .

هنا كانت الحرية والفطرة والجمال ..

هنا وجد رمسيس الخروج إلى اللا محدود .. ليبدأ تجربته ويجسد حلمه مع المجتمع لم ينفصل عن الحضر أو المدنية .. لكنه أتجه ليرسم صورة جديدة لما يجب أن يكون بديلا عما هو كائن .

من هذه الرؤية كان ذلك الإبداع في التجربة الإبداعية لرمسيس وفى ذروتها كانت الحرانيه .. تجربة مجتمعية إنسانية قبل أن تكون حالة فنية وحرفية وإبداعية معمارية . تجربة تجد أن العامل الرئيسي في نجاحها هو السياق الذي شكل البنية الفكرية والإنسانية لرمسيس ويصا واصف نفسه . إن كل إنسان بداخله تلك الطاقة الإبداعية ، وهذا السياق هو ما كان يحتاجه هؤلاء الأطفال في الحرانيه لتفجير إبداعاتهم مع المعلم والأستاذ رمسيس ويصا واحتضانه لهم . وستبقى الاستمرارية مشروطة بتلك البنيوية الفكرية والإيمان بها وبتطبيقها .. أحترام حرية الإنسان والأعتقاد بقدرته على الإبداع .. أهم صفات الشخصية ، ومفاتيح فهم البنية الفكرية لرمسيس ويصا واصف الإنسان والفنان والمعماري ، وكان يحب الناس وينظر إلى داخلهم قبل النظر إلى مظهرهم الخارجي . يقول عنه أهالي الحرانية إلى اليوم والذين عاصروه وتعلموا عنه ومنه : “كان ينظر داخلنا ، ويعكس ما هو مكنون فنيا .. كالمرآة”  لذلك كانوا مستعدون لاعطاء أفضل ما عندهم ؛ فكانت التجربة وكان النجاح ..

الرؤية الفلسفية للإنتاج الإبداعي الفني والحرفي ..

يقول رمسيس : كان لدى الشغف لهذه الأفكار المطروحة حول إشكاليات العمارة المعاصرة خاصة والحالة الثقافية المجتمعية عموماً في مصر منذ نهاية الثلاثينات من القرن العشرين ، عند بدء ممارستي المهنية كمعماري ، لطالما كنت مشدوداً لجماليات المدينة القديمة بطرقاتها الضيقة الإنسانية ، بإنحناءاتها المعبرة عن خصوصية المكان ، ومتطلبات المجتمع وأعرافه وسلوكياته وبالتالي شخصيته ، كما كان إعجابي وتفاعلي مع البنيوية لشخصية القرية المصرية التي تتجانس فيها ومعها عمرانها وعمارتها مع البيئة الطبيعية المحيطة بها بنسق جمالي متفرد في إبداع المجتمع المتناغم مع تلك البيئة والواعي لإحتياجاته .. كم كانت تلك الواجهات الخارجية للمساكن القديمة بالريف المصري في إطار خلفيتها الطبيعية البسيطة تحرك مشاعري وأحاسيسي الشخصية بإنسانية تلك العمارة التي أحترمت البيئة وأضافت لها جمالاً وكمالاً متناغمين ما بين إبداعات المجتمع الفطرية والمكان ذاته . وفى المقابل ، كانت حيرتى حول لماذا تفتقر حضارتنا الآتية التي نعيشها تلك الجماليات والإنسانيات الإبداعية الفطرية لماذا ننتج هذا القبح في مقابل هذا الموروث من الجماليات ليحل البرود وفساد الذوق وضياع الإحساس بالجمال مكان الجمال ذاته الموروث والكامن من داخل المجتمع نفسه . كانت عادتي أن أتجول في تلك الأحياء القديمة من القاهرة ، والتي لم تنجو من تلك الهجمة الشرسة لمعطيات الحالة الحضرية الحادثة لعمارة المدينة ، والتي تزحف كالخلايا السرطانية ، وتدمر تلك الجماليات الإنسانية والقدرات الكامنة للمجتمع وعمارته وتفقدها القدرة الذاتية للديمومة والأستمرارية . والأكثر أسفاً عندما تمتد تلك الحركة المدمرة إلى المناطق الريفية .. لقد أدركت وترسخت عندي العقيدة واليقين من خلال أسفاري بوجود فقر وأفتقار فيما يسمى حينئذ “العمارة الحديثة” ، حيث تحولت عمارة وعمران المدينة والمجتمعات في كل مكان إلى مجرد ماكينات تتحكم فيها تقنيات الصناعة وليست تلقائية وفطرة الإبداع الإنساني وجمالياته وثقافات المجتمع وهويته .

كان التساؤل الملح عند رمسيس ويصا واصف كيف يمكننا تفسير هذه الظاهرة ؟ ومن هم هؤلاء المعماريون المبدعون لتلك المباني التي ورثناها من العصور السابقة القديمة والقريبة ؟ ، ولا سيما إنهم مجهولي الأسماء ولكن بقيت إبداعاتهم تخلد قدرتهم وإنتاجهم للجمال والفن والعمارة . نستطيع أن نستنتج أنه كان هناك إعداد غير معروفة من هؤلاء المبدعين والحرفيين والفنانين عندهم القدرة والتجربة الموروثة لإنتاج تلك التنويعات اللانهائية من الإبداعيات المعمارية والحرفية لخلق عمارة أكتسبت ذاتيتها وشخصيتها ورسمت لنفسها ملامحها المحلية ، وهو ما يغيب عن قدرات مجموعات المعماريين الآن في النصف الثاني من القرن العشرين والحاصلين على درجات علمية متخصصة في مجالات العمارة ويفتقرون تلك الحراك الجمعي والمجتمعي الذي يعبر عن الشخصية والذاتية . لا يستطيع أحد المشاركة في تصميم وبناء مسكنه بذات الطريقة التي أبدع بها الفلاحون في الماضي عمارتهم بفطرتهم وبساطتهم .. حيث أخذ المعماريون في عصرنا الحديث على عاتقهم تلك المسئولية للتصميم بالنيابة عن الإنسان صاحب الحق والإحتياج الحقيقي ، اخذوا بفوقية يتلاعبون بالتشكيلات والأساليب التقنية الحديثة الصناعية ، كلما كانت النمطية المتكررة زادت الفائدة وتحولت العمارة والمدنية إلى مجرد إنتاج بالجملة لوحدات وتصميمات سابقة التجهيز وإن اختلفت تفاصيله المظهرية لتصبح اكثر إقناعا وتسويقا في السوق السلعي لعمارة المدنية ، في تسيد الرأسمالية الغربية على كثير من دول ومجتمعات العالم الثالث ومنها مصر للأسف ، هنا كانت الأزمة والإشكالية كما رصدها رمسيس ويصا واصف في نهاية الثلاثينات ومطلع الأربعينات ، وكانت الصدمة التي تعبر عن حال البنية الفكرية والثقافية والفنية والمعمارية التي يواجهها هؤلاء الرواد الوطنيين الغيورين على النكسة الحادثة حينئذ والشغوفين في البحث عن المخرج لتغيير تلك الإنتكاسة والنهوض من جديد للتحول الوطني على المستوى الثقافي والمجتمعي العام ..

خلال جولات ورحلات رمسيس ويصا واصف في القاهرة القديمة ألتقى بعدد من الحرفيين الذين توارثوا تقاليد وتقنيات حرفتهم وحافظوا عليها و أبدعوا فيها ومن خلالها ، فمنهم النساجون والخزافون وصانعوا الزجاج والنحاتون بالحجارة …. و آخرون . وفى كثير من الأحيان يقول رمسيس بروح الفنان وتواضع الإنسان كنت أستفيد و أتعلم  من مهارتهم التلقائية وأكتسب عنهم تلك الموروثات الحرفية والإبداعية ، مما أعطاني فرصة لدراسة أحوالهم ، وتفهم المصير الذي وصلت إليه تلك الحرف وخطورة ما تواجهه من إندثار دون الأستمرارية المفترضة لهذا الذات الإبداعي ، كل ذلك قاده إلى التأمل في أحوال الإنسان المصري عامة في عصر الآلة والحراك الصناعي المتنامي حولنا ، وفتح الحوار مع الآخرين من المهنيين والمبدعين والمفكرين والمعماريين لبحث عن مخرج من تلك الأزمة ، ومواجهة تلك الموجة الجارفة للميكنة المتزايدة ، وأتخاذ موقف وألتزام مع هذا الفساد للتعليم المجرد الذي يتعرض له أفراد المجتمع خلال اكثر مراحل حياتهم أهمية وحيوية ، وفى ذات الوقت تولد لديه الأهتمام بالفترات الزمنية التي كان فيها الحرفيون يحظون بمكانة متميزة في المجتمع ، عندما كانت لديهم القدرة على الإبداع والتطوير والأبتكار في كل قطاع من قطاعات الحياة ، فكانت حركة مجتمعية وحراك تنموي لنهضة الأمة والإنسان . ودفعه ذلك ليتعرف على الموروث لأنشطة الحرفيين بكل تطبيقاتها الإجتماعية والثقافية والتعليمية والأقتصادية والجمالية ، وحتى الأخلاقية والفكرية الفلسفية ، أراد عندها إستقراء العلاقة الجدلية بين التقنية الحرفية وبين الإبداعية الفنية محاولاً إعادة اكتشاف المدلولات والتعريفات المتعارف عليها لكل من الحرفي والفنان ..

إن التعريفات المتداولة مجتمعياً وخاصة لدى الطبقات المتوسطة للأسف ، كانت تحمل ضمنياً نوعاً من التمييز والتفرقة والعنصرية كان يرى رمسيس لا بد من التخلص منها ، وبالمثل بين الأساسي والفرعي ، أو بين “الفنون الجميلة” و “الفنون التطبيقية” .. كل تلك التطبيقات المعتمدة على الفصل المخل بين الحرفة والفن لابد لنا أن نقف منها في رأي رمسيس موقف حاسم يصحح لها مسارها لأنها غير مقبولة .. أن واحدة  من النتائج التي أنتهى إليها رمسيس ويصا واصف أن تلك التعريفات حول حقيقة العمل اليدوي لا تقدم الكثير عن حقيقة العمل أو عن الطاقة الإبداعية الكامنة به ومع صاحبه ..لأن الحرفية هي إبداع حقيقي له دورة في الفن بل إن الأبداعيات في حقيقتها هي تزاوج بين الفن والحرفة يصل إلى حد التداخل والتفاعل المتبادل بين الاثنين ، أستطاع الإنسان على مر العصور من خلاله رسم تاريخ الحضارات ولم يحدث تفريق بين الفنانين والحرفيين ..

وعلى مدى التاريخ وإلى يومنا هذا كانت تلك العلاقة التبادلية بين الحرفة والفن ، ومع ذلك أدت الشخصيات العظيمة في حركة تطور الحضارات دوراً رئيسياً في نقط التحول أو التصاعد الفكري لهذه الحركة التطورية بما قدمته من تحولات محورية ، نتج عنها دائما جيلاً أو أجيالا من التابعين أو المقلدين .. وقد تمثل تلك أحياناً تأثيراً سلبياً على ترسيخ الجمود أو الهبوط بمستويات الإبداع في العديد من الفنون والحرف على حد السواء ، وكان وضع الحرفيين بشكل خاص في كثير من المراحل التاريخية مؤشراً على هذه الإنتكاسات أو الجمود ، ويرى كلما زاد عدد الفنانين المشهورين كلما زاد أتجاه الحرفيين إلى نقل أفكارهم ، مع الإستغراق في تطوير تقنيات قد لا تصل أو تدفع بحركة التطور الإبداعي نفسها إلا في القليل أو المحدود منها . وعلى العكس من ذلك كلما أبتعد الإنسان الفرد عن تلك العصور البراقة لأصحاب التحولات الإبداعية كلما أستطعنا أن نجد تقاليد للحرفة بمفرداتها الخاصة وبنكهتها الشخصية الأصيلة الخاصة بها ، والنابعة من القدرات الذاتية للحرفي نفسة وتلقائيته الإبداعية الفطرية الكامنة ، وتلك الحالة هي  ما تؤكد على العلاقة الجدلية التي يقصدها ، ونقرأها من التجربة الفكرية التي رسم ملامحها رمسيس ويصا واصف في كتاباته وممارسته المهنية المعمارية والفنية .. فكراً وفلسفة وتنفيذاً .

إن أي محاولة لإستقراء أسباب الازدهار وما يليه من أنكسار أو أنحسار للحرفة في الماضي يعنى عند رمسيس ويصا واصف ضرورة البحث في كل مجال للنشاط الإنساني المجتمعي ، حيث أنة كان على قناعة بان الحرفية كانت هي الذي يقدر علية كل إنسان بقدراته الفطرية بإستثناء العباقرة الذين لهم القدرة الإستثنائية على التحولات التطورية للعملية الحضارية والفكرية . وفى الوقت الحالي (اربعينات القرن العشرين) ، حيث لا تزال هذه الأنشطة الحرفية باقية ، إلا أنها في حالة موات أو في احسن تقدير تتعرض لخطر الإندثار ومن المحتمل إختفائها بالكامل تحت تأثير المنافسة الصناعية المتصاعدة والتحول الرديكالى للبنية الإجتماعية والبيئة الثقافية المجتمعية ، بدلا من التناغم  والتكامل الإبداعي المفترض والموضوعي بين الفن والحرفة أمست قدرات الحرفي محدودة وحبيسة النقل بدلاً من الإبداع ، وإذا ما حاول أستعراض مهاراته فأنة يلجأ إلى المبالغة والتقليد والنقل غالباً .

ولم يكن رمسيس ويصا واصف من أنصار الأساليب التقليدية الهادفة لمجرد حماية الحرفيين حيث إنه في رأيه أن هذا في افضل الأحوال يطيل سكرات الموت لفترة زمنية  أطول قليلاً ومحدودة ، ولكنها لا تحقق الهدف من تفجير الطاقة الإبداعية الحقيقية عند هؤلاء الحرفيين أنفسهم . كان الحرفيون المبدعون يمثلون جزءا متكاملاً في بنيان المجتمع  وبيئته الفكرية والثقافية الفنية ، فإن المجتمعات التي ما زالت تحتضن تلك الحرف تتعرض لتغييرات متسارعة تفقد معها بنائها التقليدي المتوارث عبر أجيال متعاقبة ، وفقد الحرفيون القدرة على الأستمرار .. ولإنقاذهم من مصيرهم المحتوم ، أرتفعت الأصوات والأتجاهات والمقترحات التي دفعتهم إلى النقل عن الموروث القديم ، أو محاولة إضفاء نظرية التحديث وكل هذا الجهد في رأى رمسيس هو جهد ضائع في مواجهة الحركة الصناعية في الإنتاج الحادث .. وقد صاحب ظاهرة هذا الانحدار أو الانحسار للحرفة ، ظاهرة أخرى موازية يحددها رمسيس في ذلك الحنين الوجداني للإنسان الباحث عن الهوية في الجمود عند القديم بكل أشكالة وأنساقه ، وأكتسبت تلك المنقولات المتحفية قيمة عالية دفعت الكثيرون نحو تقديس تلك المنقول دون موضوعية في تقييم عقلاني لها حتى لو لم تكن تحمل أي قيمة جمالية وإبداعية تضمن لها هذا الوجود وتعطى لمقتنيها أو ناقلها الهوية الديناميكية والحيوية المنشوده ، وكذلك أدت تلك إلى حالة من الأغتراب على عكس المطلوب من محاولة الإنتماء .

وهنـــــا .. كان لرمسيس ويصا واصف موقفاً مغايراً وأخذ يبحث عن المخرج الفكري والممارسة العملية الفنية لإخراج وتفجير الطاقة الكامنة وراء مهنة الحرفي والفنان على حد السواء ، وإعطاءها حياة جديدة  تتولد معها إبداعات جديدة منتمية لذاتية الإنسان والمجتمع دون النقل أو الأغتراب ، وإعادة تعريف حقيقي لكل من الحرفي والفنان ، لتصحيح المفاهيم السائدة بأن أحدهما مبدع والآخر عامل يدوى ، تلك المفاهيم التي رسختها حضارتنا  الحديثة ، بتصميماتها ونمطيتها حول الفن والحرفية . وهى التي تهدد كل منهما بالخنق والجمود والموات الإكلينكى .. عندها يبتعد الفنانون عن العمل بالمواد وبالتالي يفقدوا قدرتهم الجادة على التعبير ، كما تجمدت قدرات الحرفيين  على الإبداع التلقائي الذاتي ؛ وينتهي رأى رمسيس في إستقراء تلك الحالة أن الفن في حالة موات في القرن العشرين خاصة في مجتمعنا لأنه انفصل عن حياة المجتمع والمعيشة الحياتية للإنسان في عموميتها بكل طبقاته وفئاته ، بالطبع كانت هناك محاولات للرواد للخروج من هذا المأزق الحضاري والمجتمعي للتفاعل مع المجتمع  وخلق حاله جديدة للحراك الإبداعي على المستوى الفكري والفلسفي والممارسة الإبداعية .

وعند هذه النقطة أصبح جلياً لرمسيس ويصا واصف ولآخرين من جيل الرواد الأوائل النتائج التالية التي ترسم المخرج من الأزمة في النصف الثاني من القرن العشرين في مواجهة الإنتكاسة التي بدأت من ثلاثينات القرن عامة ، ويحددها رمسيس ويصا واصف فيما يلي ..

  1. الإبداع الفني والحرفي وجهان لنشاط إبداعي واحد وفاعل في المجتمع .
  2. إن الاحتياج للمنتج الإبداعي الحرفي اليدوي ما زال يتأصل في كيان المجتمع بدليل أرتباط كثيرون بالموروث القديم والحنين إلية ، والبحث من خلاله على الإنتماء والهوية المفقودة ، وأنه لا يمكن تلبية ذلك وتصحيح مساره إلا من خلال الفن والحرفة ، ومعه يتعين أن يكون لتلك الإنتاجية الحرفية جدوى أقتصادية وهى منهجية ونسق مازال ممكناً ومتاحاً .
  3. إن الطاقة الخلاقة للإنسان العادي تعانى من الجمود والكبت الذاتي نتيجة المنظومة التعليمية المعاصرة والحديثة ، ومنهجية التدريب الحادثة في إطار من القوالب الجامدة ، التي تعتمد على النقل مع تغلب الآلة مع التطور الصناعي وتغلب الميكنة والتقنية المصاحبة للحركة الصناعية الحديثة في كل المجالات مما يهدد الوجود الإنساني بجوانبه المختلفة ويتحول الإنسان إلى مستهلك أو مفعول به ويفقد القدرة على الفعل والتعبير والتطوير وحتى الإبداع
  4. إن القدرة على الإبداع التلقائي هي فطرة إنسانية ، ويمكننا تفعيلها من جديد لا سيما مع الأطفال بتوفير الحرية وحمايتهم من المؤثرات السلبية التي تدفعهم إلى مسار النقل والجمود

تلك الملامح كما رسمها رمسيس ويصا واصف كانت النسق والنهج الذي شكل تجربته المهنية وممارسته الفنية ومسئوليته المجتمعية كمعماري وفنان وإنسان .. وهكذا كان يعتقد رمسيس ويصا واصف أن ” العمارة هي الفن الذي يحتوى الحياة بأكملها ” .. وخاصة في القرية المصرية ببيئتها الطبيعية ، فهو يستشعر في ذلك الإنسجام والتناغم والكمال فالمباني تتحرر من مظاهر الترف المفتعل محتفظة بعفويتها التلقائية والفطرية . وهو على يقين أن الحرية لا حدود لها ، فهو يقول أن الإنسان كائناً ما كان في أي فئة عمريه أو وضعية مجتمعية يمكنة أن يبدع وأنه يجب ترك الفرصة لطاقته الإبداعية للوصول إلى الكمال في الفنون ، ما دام هذا الإنسان متمتع بحريته الذاتية دون مراقبة مقيدة آو توجيهات يمكنها أن تؤثر على أفكارة وخيالة وإبداعه  كان يخشى التأثيرات السلبية للحياة الحضرية ” المزيفة ” على الأبداع الإنساني ، ويرى في الحركة الصناعية الحديثة وتقنياتها ، أكبر الأثر السلبي على الإبداع ، فهو يرى أن التكرار النمطي لتلبية الحركة الصناعية يضع نهاية للموهبة الفردية الذاتية على التعبير والإبداع .

كان لرمسيس ويصا القدرة على تشكيل مواد العمارة لتتناغم في حوار يتسم بالرومانسية الحسية وتتخطى حدود الزمان التي تبنى فيه .. إنه لم يبحث عن قوالب جامدة أو ما يسمى بالطرز المعمارية النمطية ، ولكنة كان يتبع مشاعره وأفكارة للوصول إلى التشكيل المعبر عن تلك المشاعر والأحاسيس ما بين المبنى والبيئة المحيطة ، سواء كان مبنى ديني أو سكنى أو ثقافي أو ورشة وتلك هي ما يميز الفنان المبدع عن غيرة … كان يمزج دائماً بين الفن والحرفة ، كما كان عنده التزاوج بين العمارة والنحت في إبداعاته ، هو يرى أن البناء لن يعكس الإحساس العميق بالطبيعة ومحاكاتها إلا حين يصبح متفاعلاً مع ذات الإنسان  فالمبنى يجب نحته أولاً بمادة الصلصال ، ثم رسمه على الورق ؛ ومع التنفيذ تكمن القدرة على التعبير وفقا للإحساس الفني والمعماري اللحظي للمبدع نفسه .. ومن أقواله التي تترجم فلسفته في هذا المجال : “ولتكن جزءاً متناغماً مع الطبيعة وأن تجعل الطبيعة جزءاً من وجودك” ؛ كانت تلك هي فلسفته في حياته وفى ممارسته المهنية ، وانعكست في تصميماته المعمارية واختياره لمواد البناء المنتمية للبيئة المحيطة وكذلك في الممارسات الفنية الحرفية ، وهنا كانت الحرية الإنسانيه في أعلى مراتبها ، وأكتسبت قيمتها مع إتاحته للطاقة الإبداعية الكامنة أن تتفجر وتتحول إلى إبداع لمنتج فني يعبر عن الشخصية وهوية الوجود .

وتعتبر زيارة رمسيس ويصا واصف إلى النوبة وجنوب الوادي في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين ذات أثر بالغ في بلورة وتشكيل الرؤية الفلسفية والبناء الفكري بشخصيته المعمارية والفنية التي بدأت بذورها منذ نشأته وخلال المرحلة الأولي من حياته .. والتي دارت حول مفهوم أن الإنسان يولد وبداخلة نبع من الفيض الفني دون التدخل ودون تعطيل هذا الأستمرار الإبداعي وتدفقه ، وهذا هو منبع الطاقة الإبداعيه المجتمعية التي تبنى للفرد والمجتمع ثقافته الذاتية وحضارته الذي يحقق له الوجود والديمومة في شكل موروث متطور وغير مستكين إلى المنقول من الماضي أو من الخارج .

وفى سنة 1942 بدأ العمل مع الحرفيين وخاصة مجموعة من البنائين من النوبة في إنشاء مدرسة مصر القديمة ، ونشأت بينة وبين الحرفيين عموماً علاقة حميمة رسخت رؤيته في هذا التزاوج الحتمي بين القدرات الإبداعيه للحرفيين وبين الرؤية الفنية للمعماري ، أستطاع من خلالها أن يطور رؤيته الفنية والمعمارية وإنتاجهم ، ويعطى في علاقة تبادلية أفكاراً عملية في عناصر البناء ومفرداتها المعمارية . ثم بدأت سنة 1951 تجربته الرائدة في الحرانية ، لتخرج الحرانية في شمولية الرؤية والتجربة بأعتبارها عملاً معمارياً نابعاً من تكوينات القرية المصرية وموروثاتها الفنية ، ليصبح فناً مناسباً تلقائياً ، مؤكداً أصالة الموروث ومحققاً فلسفته في القدرة التلقائية الذاتية للإنسان ، وبأرخص الطرق الانشائيه المتاحة وبجماليات الموروث الحضاري وانطلاق الطاقة الكامنة للإنسان المصري في العمارة والفن والحرفة ..

لقد آمن رمسيس ويصا واصف إيماناً غير محدود بالحرية  ..

وكان فن العمارة عنده هو فن الحياة ..

فهو يرى العمارة حوار بين المعماري والساكن .. بين المعماري ومفردات البناء وعناصره ومواد البناء وتقنيات البناء التي من شانها تنفيذ التصميم على الأرض ..

هي معايشة وحوار بين الإنسان والمجتمع ، بين المصمم والمستعمل .. وكذلك بين المصمم المبدع والفنان وعناصر ومواد البناء .. وآليات تنفيذ تلك التصميمات ، تزاوج بين المعماري المصمم والحرفي المنفذ والإنسان المستفيد أو المستعمل للمنتج المعماري .. كل ذلك في جو من التآلف والبساطة والإبداع اللازمين في عملية العطاء بشكله النهائي سواء كان هذا الإبداع معماراً أو نحتاً أو سجاداً أو فخار … أو زجاج ..

أستطاع رمسيس ويصا واصف في مزاولته للمعمار والفن أن يصبغ المادة ويحاورها بحيث حملها معاني ومشاعر تخطت اللحظة الإبداعيه التي شيدت عندها ، إذ أنه لم يبحث عن طراز أو قوالب ولم يقصدها ، بل ولم يبدأ بها ، بل هو يصل ويتواصل مع الطبيعة والبيئة ومعطياتها في تسلسل لهذا الحس وما وراءه من فكر لصياغة لشعور متبادل بين المنتج الإبداعي وبيئته التي قد تكون في منشأ ديني أو سكن أو متحف أو مشغل ، في حالة المعمار أو في سجاد أو عمل نحتي أو خزفي أو شباك زجاج .. تلك هي سمة الفنان المبدع المتعايش مع الطبيعة والبيئة والمجتمع .. متجاوب مع الإنسان وفطرته وتلقائيته . كان رمسيس ويصا واصف يعتقد أن حرية الإنسان لا تكون لها معنى أو قيمة مثلما تنطلق هي مع انطلاق الطاقة الابداعيه عند الطفل وتتحول إلى فعل إبداعي ..

أن هذا الأعتقاد الراسخ كان منبعه تلك النشأة التي نبت منها رمسيس نفسه على المستوى الشخصي الأسرى وعلى المستوى المجتمعي العام خلال عشرينيات القرن العشرين

 

إنها مرحلة الذروة لنمو الحركة الوطنية الليبرالية المصرية

المعتمدة على النزعة نحو حرية الإنسان وحرية الوطن

بالرغم ما تعرضت له من إنتكاسات متتالية ومحاولات للنهضة لم تكتمل ..



هذا المقال جزء من مقدمة كتاب “رحلة مع رمسيس ويصا واصف المعماري والفنان والانسان” لـ.. طارق والي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s