المعمارى المصرى.. نبذة تاريخية

بقلم : يحيى شوكت …

ينظر المجتمع الى ” الباشمهندسين ” على أنهم العباقرة الذين نقلوا مصر إلى عصر الحداثة من خلال تشييد الجسور والسدود والقنوات. و يرى المهندسون أنفسهم بالنظرة ذاتها  ، فأغلبهم إلتحق بالهندسة لإحساسه بالمسئولية والفخر تجاه الوطن.

و كلمة مهندس، أصلا تعنى :  من يحسب ويشق قنوات المياه، وهي مشتقة من كلمة هندس التى تعنى :  أسد شجاع أو عبقرى .

و ” للباشمهندسين ” إبن عم لم يحظى بالشهرة والإهتمام ذاته وهو ” المهندس المعمارى “. فيتخرج المعمارى من نفس الكلية الهندسية بعد خمس أعوام من الدراسة والعمل الشاق حيث تغرس فيه روح المنافسة وطموح الإنجاز. لكن يفاجئ المعمارى عند تخرجه بنقص وعى المجتمع بدوره وعدم إهتمامه به. هذا الدور المهمش رصدته دراسة لهيئة المعونة الأمريكية تشير إلى أن خلال الخمس أعوام ما بين عامى 1977 و 1985 غاب دور المعمارى النقابي عن 80% من المبانى التى تم تشييدها فى هذه الفترة في مصر .

ورأي بعض المعماريين- خاصة طلبة العمارة – عن ما إذا كان عمل المعمارى  قاصرا على  معمار الصفوة من المجتمع  أو الدولة الرسمية فقط، ومدفوع بطموحه الأنانى ،  يقول عنه  فيليب جونسون، – معمارى أمريكى عاش في القرن العشرين-   : أن ” المعماريين كزائرات الليل، هم يعملون ما يتقاضون الأجر عليه.”

فهل كان هذا دائما دور المعمارى؟

متابع الأعمال

سمى المؤرخ المصرى القديم مانيثو، أمحتب بـ”مكتشف فن البناء بالحجر“. المعروف عن إمحتب أنه كان وزير الملك زوسر وكبير الأطباء وكبير المعماريين الملكيين. وهو من قام ببناء أول هرم وأول مبنى ضخم يبنى بالحجر وهو هرم زوسر بسقارة.

لكن هل كان إمحتب – في زحام مسؤلياته للوطن- متفرغ لعملية التصميم والبناء؟

فى الأغلب كان دور إمحتب فى العمارة هو التوجيه وإدارة فرق من البنايين والنحاتين والقياسين الذين يتولون بأنفسهم زمام الأمور اليومية، مثله مثل وزير الإسكان أو أحد المديرين التنفيذيين اليوم.

والهيكل المركزى للدولة المصرية حتم بناء معمارها الملكى على نسق موحد يعكس سياساتها وهيبتها، ما لم يلبيه المعمارى التقليدى الذى عمل طول عمره ضمن منظومة مجتمعه المحلى. لذا ظهرت حاجة الدولة الى  “متابع للأعمال الملكية”.

01 Overseer 04

المداب. غرب مدينة اسوان. يحيى شوكت

وهذا لم يلغى مهنة المعمارى التقليدى ” معماري المجتمع “، حيث ظل يبنى المساكن مع مجتمعه بنسق قريب من نسق النوبيون حتى عدة عقود ماضية . حيث يقوم البنائون ورجال العائلة بالبناء، والنساء يصنعون الطوب اللبن والأطفال يقومون بدهان وتزيين الواجهات.

ولكن حين شيد معمارى المجتمع العمارة الملكية، شيدها تحت إشراف متابع الأعمال الملكية “كإمحتمب” أو “حم أيونو” أو” سنن موت”. هذه العلاقة حتمت على معمارى المجتمع أن يبنى عمارة على أسس تصميمية تعكس أهمية دينية أو سياسية.و هناك الكثير من الدلائل التاريخية بهضبة أهرامات الجيزة التى تشير إلى إحترام علمه التقنى حيث تطورت طريقة البناء خلال مراحل المشروع الضخم، وأنه هو وحرفييه وعائلاتهم كان مسموح لهم بالمعيشة داخل أرض الوقف الملكى للمشروع حيث كان الإهتمام بتغذيتهم وعلاجهم على مستوى أعلى من ما يكونوا عليه فى أمورهم الطبيعية بقراهم.

فالإعتماد على مستوى واحد من المعمارى سمح بتشييد عمارة ذات قيمة فراغية عالية بغض النظر عن مالكها لأن الفكر هو فقط الذى كان يتغير ليعكس كونها عمارة مجتمع أم عمارة دولة.

المعلم البنا

ظل النسق المصرى القديم للمعمارى قائما عبر العصور الإسلامية، ولكن أضفى المؤرخون بعض التفاصيل الجديدة  والتخصصات على المهنة.

فنرى كيف بدأ المعمارى كحرفى يعمل على أحد الحرف المتعلقة بالتشييد، ثم ترقى فيها حتى أصبح معلمها. فهناك المعلم البنا أستاذ محمد غادير، ومعلم نجار نياروك، وقوام الدين شيرازى الطيان. و أشهر المعماريين المصريين آن ذاك كان محمد إبن بيليك المحسنى الذى “شاد عمارة” مدرسة السلطان حسن فى القرن الرابع عشر.

02 Master Builder 01

رسم من كشمير يرجع الى عام 1850 يوضح حرف التشييد

يمكن أن نتخيل كيف شيد مجموعة من الحرفيين المنازل البسيطة لأسر مجتمعاتهم، وكيف تحت قيادة المعلم البنا- الذى يتم إنتخابه-  شيدت مجاميع أكبر من  نفس البنايين والنجاريين والجصاصين القصور والجوامع والوكالات لأسر الأغنياء والأفاضل.

هذا النسق إستمر لعدة قرون حتى تحولت مصر إلى ولاية بالإمبراطورية العثمانية فى عام 1517.  حيث حتم النسق المركزى للدولة العثمانية ظهور معمارى الدولة مرة أخرى، لكن المعمارى هذه المرة إرتكز بالعاصمة إسطانبول.

بدأ المعمارى سنان أغا كأحد الجنود المماليك بالجيش العثمانى حيث درس الهندسة الحربية وشيد العديد من الجسور والأسوار خلال هجمات الجيش الإستعمارية العديدة. وعندما كان فى الأربعين من عمره، عينه السلطان كمعمارى البلاط أى كبير معماريين الإمبراطورية العثمانية. وبهذا أصبح مسئول عن جميع أبنية الدولة المدنية من قصور وجوامع وقنوات مياه، على غرار متابع الأعمال الملكية بالدولة المصرية القديمة.

سنان لم يصمم أو ينفذ مبانى الدولة العثمانية بنفسه ما عدا بعض المساجد والقصور المهمة بالعاصمة، لكن تم طلاء جميع مبانى الإمبراطورية بفكرها ومظهرها. فبالرغم أن سنان لم يقوم بزيارة مصر، فمسجد سنان ببولاق – نسبة على إسم والى مصر وليس المعمارى- ومسجد سليمان بالقلعة يسيطر عليهم الطابع العثمانى.

سيطرة الدولة على العمارة فى مصر لم تنتقل إلى العمران، تاركة المعلم البنا ومجتمعه ليفعلون ما يشأوه.

المهندس

أدى تأسيس كلية صغيرة فى فرنسا عام 1747 إلى تغيير جذرى فى مهنة المعمارى عالميا. فالمدرسة القومية للجسور والطرق كانت من قام بتدريس الهندسة المدنية. فحتى ذلك التاريخ كانت الهندسة تدرس فى الكليات الحربية فقط لأن التكنولوجيا المتقدمة كانت حكرا للآلة الحربية.

ولكن مع بداية الثورة الصناعية، باتت الطرق التقليدية للبناء غير ملائمة للوضع الجديد، فلم يكن المعماريون التقليديون على الإستعداد للتعامل مع تكنولوجيا الصلب والميكنة الجديدة، فأصبح مهندس الميكانيكا الذى صمم الميكنة الجديدة هو من يصمم المبانى الحديدية التى تأواها.

ودخلت الثورة الصناعية مصر فى عهد محمد على عندما إستورد مكوناتها جميعا من الميكنة والمهندسين ورجال الصناعة. فلم تنافس الثورة الصناعية الكثير من التقاليد المصرية لأن لم يشارك فيها الكثير من المصريين. فتم تأسيس المهندس خانة بالقلعة ككلية للهندسة الحربية فقط، وكان كبيرى الأشغال العامة فرنسيين مثل باسكال كوست ولينان باشا، يديرون جيوش من المهندسين، أغلبهم أجانب، لتنفيذ منشأت خاصة بالدولة والجيش، مثل السكة الحديد لنقل البضاعة وترعة المحمودية التى ربطت أسطول السفن بالإسكندرية  بالقصر الملكى بالقاهرة.

على أواخر القرن التاسع عشر، ترسخ نظام الدولة المركزية البيروقراطية المحتكرة لجميع الأراضى والموارد، التى باتت فى أيدى المستعمر البريطانى ونخبة حاكمة، الوضع الذى دفع المعمارى التقليدى ليعمل لحساب مهندسون الدولة الأجانب والمصريين أو أن يبحث عن رزقه كبنا لبيوت الفلاحين.

03 Engineer 03

مسكن بريف سوهاج يرجع للقرن التاسع عشر. يحيى شوكت

المعمارى

أتت رياح التغيير فى بدايات القرن العشرين مع تأسيس عدة أقسام للعمارة بكليات الهندسة والفنون الجميلة. فبدأت حقبة المهنية والرسمية، التى داست على الحرفية وخلقت ما هو لا رسمى. وإزداد أعداد المصريين المقبلين على شهادات التعليم العالى على حساب تعلم الحرفة كما بات حال العالم.

من هذه اللحظة ترسخ الفيلق الفاصل ما بين المعمارى النقابى والمعمارى المجتمعى. فأصبح المعمارى النقابى يستخرج تراخيص البناء التى تطلبتها الدولة والرسومات الهندسية الذى إستعان بها المقاول للأعمال التى كانت بداخل الحيز الرسمى مثل المبانى الحكومية والمصانع وفيلات الصفوة. وصف المعمارى النقابى أعمال المعمارى المجتمعى بالعمارة التقليدية، أى الرجعية، ووصف أعماله فقط بالعمارة، بادئا صراع مجمتمعى بين نسق الحياة المصرى والنسق الغربى الذى جسده الكاتب والسينارست فتحى غنم فى فيلم الجبل الذى يحكى قصة صراع معمارى نقابى يحاول إقناع مجتمع يسكن الجبل ليسكن البنايات المصممة معماريا والتى تمولها الدولة لأن هذا أفضل لهم.

فكانت من الوقائع النادرة عندما يهتم أحد المعماريين النقابيين بالمعمار المجتمعى، مثل إهتمام المعمارى رمسيس ويصا واصف به وبالحرف القبطية مثل النجارة والزجاج المعشق. فأدخل رمسيس هذه الحرف فى عمارته والتى تألقت بعد بنائه مجتمع من الفنانين والحرفيين بقرية الحرانية على أطراف القاهرة.

مع إستمرار تهميش الدولة للمجتمع، ظل المعمارى المجتمعى يشيد كم لا بأس به من بيوت الفلاحين والعمال وأبراج حمامهم وورشهم، على نسق جديد يمزج بين التقاليد والأنساق الجديدة.

تحول دور الدولة نحو الإشتراكية مع ثورة 1952 وتأسست شركة الإسكان والتعمير كجزء من قطاع الدولة العام. هذه الشركة  كانت أول منافس للمعمارى المجتمعى حيث قامت ببناء وحدات سكنية لمحدودى الدخل فى جميع أنحاء البلاد مما قلص دوره حتى بات عدد كبير منهم من كادر العمال يعمل لحساب شركات المقاولات بدلا من أسر مجتمعه.

مع تسارع ظاهرة التمدن وهجرة المواطنين من الريف على المدينة، كادت أن تندثر مهنة المعمارى المجتمعى فى مواجهة زحف رسمية الدولة. لكن ما كان ليكن، فبعد حالة حرب شبه دائمة مع الكيان الصهيونى تلتها سياسة الإنفتاح، تراجعت الدولة عن دورها الإجتماعى لتتبنى الرأسمالية مما أسفر عنه إنخفاض حاد فى الوحدات السكنية المدعمة وفتح الساحة مرة أخرى للمعمارى المجتمعى.

فبدأ نسقان عمرانيان جديدان في الظهور.

الأول عبارة عن مجتمعات عمرانية تم بنائها بالمجهودات الذاتية على حدود العمران القائم وخارج رسمية الدولة. ومع عدم وجود سكن بسعر مناسب، عادت جموع من المجتمع إلى معماريهم ليبنى لهم مساكنهم وأطلقت عليه الدولة مصطلح العشوائى.

النسق الثانى عبارة عن مجتمعات عمرانية جديدة تم بنائها فى أراضى صحراوية غير ملتصقة بالعمران القائم. فكان فكر الدولة لبرنامج “المدن الجديدة” الذى نفذته وزارة الإسكان والتعمير هو أن عدة مدن منخفضة الكثافة وبها مساحات مفتوحة ومراكز تجارية ومصممة للسيارات الخاصة ستقوم بحل مشاكل ازدحام مدن مصر بالسكان وسحب الزيادة السكانية من المدن الرئيسة.

المستقبل

بعد مرور أكثر من ثلاثون عام، لم تصل العشرون مدينة جديدة التى خططتها ونفذتها الدولة سوى لنسبة اشغال 40% فى المتوسط، فى حين أصبح نحو 60% من سكان القاهرة يسكنون فى مجتمعات مبنيىة ذاتيا. أما فى الريف، فالمجتمعات جميعها مبنية ذاتيا.

رغم هذه الحقائق، يعمل المعمارى النقابى وكبير معمارى الدولة، وزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية، كما هم دون أدنى تطوير لفكرهم وآلية عملهم متجاهلين الواقع الذى يحيطهم.

هناك بعض المعماريين والجهات المانحة التى تحاول تحسين كم ضئيل من الأحياء والقرى، فى حين أن طلبة العمارة بالجامعات يبدعون فى إيجاد حلول للقضايا العمرانية إن أتتهم الفرصة من خلال أساتذة مهتمة بالقضية. لكن جميع هذه المجهودات هى الإستثناء للقاعدة، حيث باتت القاعدة هى التى تخدم الإستثناء.

مع هذا فهناك بوادر للتفاؤل.

هزتنا ثورة يناير بندائها للعدالة الإجتماعية وسلطت الضوء على احوال عمراننا الغير عادلة حتى بات الضغط للإصلاح آت من القاعدة الشعبية ومن القوى السياسية من أعلى.

فإذا كان من يقومون ببناء الدولة الجديدة مهتمين بتأمين موقعهم الحاكم من الملايين الثائرين، فهم بلا مفر من معالجة السياسات الغير عادلة. هذا ما يحتم على صانعى السياسات وكبيرى المعماريين تغيير آلياتهم جذريا لتبنى على مشاركة المجتمعات نفسها التى هم مفوضون لخدمتهم، مما يعنى إدخال أنظمة المشاركة من خلال المجالس المحلية ودفع المعمارى النقابى للتفاعل مع المعمارى المجتمعى الذى عاش موازيا له عبر قرن من الزمن.

هناك سبب آخر للتفاؤل. فالفترة الأخيرة شهدت حركة طلابية اشتعل فتيلها بعد مجزرة بورسعيد التى راح ضحيتها العشرات من طلبة الجامعات مما ترك أثر شخصى في زملائهم من الطلبة. فهناك فرصة قوية أن تتحول هذه الحركة عند طلبة العمارة إلى مطلب لترسيخ دور أكثر إجتماعى وملائم لطموحاتهم يعكس إحساسهم بالمسؤلية تجاه مبادئ العدالة الإجتماعية.

فى هذا الحال سيكون أساتذتهم من الأذكياء إذا تجاوبوا مع مطالب الطلبة في إعادة تشكيل مهنتهم المختارة لأن هناك فرصة لإعادة دورالمؤسسة الجامعية كأحد دعائم المجتمع، مبنية على أكتافه وتعمل من أجله.

ليس من المستحيل أن يصبح هذا القرن هو الحقبة التى يذوب فيها الحاجز الصناعى الفاصل بين ما هو رسمى وما هو غير رسمى، بين الدولة والمجتمع التى تمثله، بين العمارة والأجيال الذين يعيشون بها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s