التفكير الابداعي

بقلم : محمد علاء …

لماذ تتقدم بعض المجتمعات و تتأخر مجتمعات أخرى ؟ وما هى ألبات إرتقاء مجتمع من حالة التأخر الى مرحلة التقدم ؟

الفكر هو المحور الرئيسى لتقدم المجتمعات أو تأخرها , فعندما يرتقى التفكير ويتسم بالعقلانية و الإبداع , تتقدم المجتمعات و تضمن الإستمرارية الزمنية لأفكارها. و عندما يتخلى عن العقلانية أو يتراجع الإبداع , تنحصر المجتمعات فى أعماق ظلمة التأخر وتنسى ثم تفنى. المجتمع و الناس دائما فى حالة تفاعل و تواصل مستمر, حيث يؤثر كل منهما على الأخر بالإيجاب أو بالسلب , والقدرة على التعبير وتواصل الأفكار فى ما بينهما تسمى التفكير الإبداعى. التفكير الإبداعى هو أهم أداة للتواصل بين أفراد المجتمع لتشكيل منظومة فكرية فريدة تسمى ثقافة المجتمع و فى الوقت نفسه هو أساس إرتقاء المجتمعات.

ما هى مقومات التفكير الإبداعى ؟

مقومات إزدهار التفكير الإبداعى , تكمن فى مدى خصوبة أفكار المبدعين فى شتي المجالات. فهم يشكلون إنعكاس دائم لقدارت المجتمع الفكرية, وفى مجتمع متحضر عقلانى , يتمكن المبدعين من معالجة إشكاليات مجتمعهم. من خلال المنظومة الفكرية التى تعطى حلول علاجية , تلك الإشكاليات هى التحدى الذى يواجهه الفرد فتمنحه الفرصة للإبداع من خلال المنظومة الإبداعية وتؤكد مدى فاعلية الفرد فى المجتمع.

و لكن فى مجتمعنا , هل تمنح المنظومة الفرد فرصة الإبداع ؟

تعتمد الإجابة على فهم البيئة التى ينشأ بها الفرد . واحد من تأثيرات المجتمع المباشرة على إبداعية الفرد هو المنظومة التعليمة . تشمل تلك المنظومة جميع مصادر المعرفة سواء كانت فى إطار مدرسى أو خارجه و فى جميع المراحل العمرية . ولكن إذا كانت الفكرة هى فى تعليم الأفراد فالمنظومة التعليمية قائمة وفعالة الى حد ما , ولكن ما العامل الفارق الذى يجعل المنظومة التعليمية ذات تأثير إيجابى أو سلبى على الأفراد ؟

إنه نوعية المنظومة التعليمية, فالمنظومة المتأخرة تعمل داخل إطار جامد يعتمد بشكل أساسى على عدم الحث على الإبحار فى المعرفة , و لا تتحمل الإنحراف عن مسارها الثابت لخدمة العقول المتعطشة . فالكارثة الحقيقية تظهر عند عند محاولة الإنحراف عن المنهج . ولكن ما هو المنهج ! هو مجرد محاولة لتحجيم العقول فى إطار محدد لا يتحمل الإنخراط بعيدا عنه . هو محاولة غير مباشرة لتجاهل أعماق العلوم اللانهائية والتركيز على ما هو داخل الإطار فقط. وتلك المنظومة التى تعتمد على الكم المحدد ثم الإختبار تفتقر الى التفكير الحياتى العملى وتؤدى الى فقدان الرغبة فى معرفة المزيد , و تقتل فضولية و تلقائية العقول الصغيرة , و تحجر التفكير الإبداعى و تؤدى فى المستقبل الى ضغوط إجتماعية لعدم ثقة الفرد بنفسه وتشويه للمستوى الثقافى للمجتمع .

ليس هذا فحسب فالتدريس فى مجتمعنا يقسم مجالات الدراسة الى عملية و نظرية ويفصل بينهم وذلك يمثل عائق فى تشكيل وتنمية المهارات الإبداعية , لإن فى ذلك فصل الفرد عن الواقع . فالحياة الواقعية هى تطبيقات عملية لإفكار نظرية مختلفة . ويظهر نتيجة هذا فى فقر المهارات العملية لدى الأفراد . يتطلب  الإرتقاء بهذة المهارات التعليم ذو البعد العملى الذى يغلب عليه طابع التحقق والتجربة وممارسة نظرية التجربة و الخطأ . مما ينتج توافق ما بين العقل والجسد . وعلو من شأن الفرد مهاريا . وعموما التركيبة البشرية بطبيعتها تكتسب الثقة والسعادة عند إنجاز شئ عملى واقعى , وعند إضافة وإبتكار عمل جديد فى محيط المجتمع .

فضلا عن إعتماد المنظومة الحالية على التلقين شفهيا , وحسب دراسة علمية أجريت أن نسبة المعلومات التى يتذكرها الإنسان سمعيا هى 10% فقط وعند القراءة ترتفع نسبة إسترجاع المعلومة ذهنيا الى 20% , ولكن فيما يشاهده الفرد او يقرأة ويقوم به عمليا ترتفع نسبة الإسترجاع الزهنى الى 80%. مما يوكد مدى أهمية إرتباط الناحية النظرية والعملية معا. ويفسر بالتأكيد فقدان المعلومات المكتسبة أثناء الدراسة على مدار سنة كاملة بمجرد خروج الطالب من الإختبار .

فالأنسان مخلوق يعتمد على القدرات البصرية بفطرته أكثر من السمعية , حيث يولد دون لغة فيكتسبها لاحقا و لكن العقل البشرى يقوم منذ الأيام الأولى على التحليل المرئى للأشياء. وقدرة الإنسان فى تحليل المعلومة المرئية اكثر سرعة  60000 مرة عن قراءة المعلومة. التفاعل البصرى هو ما يولد الطاقة الأبداعية عند الشخص. مما يؤكد أهمية الدراسة المعتمده على اتفاعل البصرى وتنمية و تطوير إسلوب دراسة الفنون فى المنظومة التعليمية , وما يحدث الأن هو إختزال الفنون فى شكل حصة رسم يكون منهجها الأساسى هو سكب مجموعة من الألوان لمحاكاة المناسبة القومية , وتلك كارثة فكرية تؤثر على حرية الفكر الإبداعى للفرد . وتتجاهل مجالات الفنون المتعددة والقدرات التعبيرية الأخرى , وتصبح بذلك عامل رئيسى فى فقدان القدرة التخيلية عند الفرد وإنعدام  تذوق الفن ونقص التفكير الإبداعى .

المبدعين فى مجتمعنا هم ضحية ذلك النظام التعليمى . و ذلك منعكس على جميع مجالات الحياة فى مجتمعنا . وفى مقدمتها العمارة والعمران . وعمران مجتمعنا هو نتاج تفاعل طرفين فمن ناحية نجد المعمارى مفتقر الى التفكير الإبداعى نتيجة للمنظومة التعليمية التى تشكلت بداخلها أفكارة وفىى الوقت نفسه نجد عدم قبول المجتمع للأفكار الإبداعية بسبب التأثر بنفس المنظومة . فنجد فى لتعليم المعمارى إنفصال واضع عن الواقع المجتمعى مما يدخل المعمارى فى حالة صدمة فكرية عند طرح بعض من ألأفكار بعد خروجه للحياة العملية .

الفكر الإبداعى يجعل لكل فكرة تطرح ثقل , فكل فكرة إبداعية تطرح ينتج عنها تفاعلات وإسهامات موازية من قبل المجتمع. وبدون الفكرة تتشت المجتمعات وبدون التفكير الإبداعى لا تنجح المجتمعات .

الفكرة تتحول الى عمل إبداعى فتبقى وتخلد. وذلك هو محرك المبدع , المحرك الذى يجب تنميته من خلال المنظومة التعليمية من بدايتها . وإستثماره بتوظيف تلك الأفكار فى شكل مشاريع عمليه , حيث يستفيد و يستفيض المبدع داخل المنظومة التى تحقق إشباع الرغبة المعرفية بداخله . بدون فرض شئ فى عملية تفاعلية بين الفرد و المنظومة , داخل مساحة حرة لإبداء الأفكار . أفكار ربما تتحقق فى أرض الواقع على فرضية وجود نظام ديمقراطى , فتحدث الفكرة الإبداعية التغير. وينعكس ذلك فى المجتمع .

Arabic Article Picture 1

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s