معمـــــار بدون معمارييـــــن

الفن والعمارة الشعبية

– فى رحلة فى البحث عن مفهوم الجمال –

فى القاهرة العاصمة

بقلم أمنية خليل …

كانت البداية محاكاة الانسان للطبيعة بقدرتها التعبيرية الابداعية من الخالق وترجمتها فى خطوط ابداعات على مصنوعاته. وعندما بدأ الانسان للبحث عن مأوى ومكان يحميه من الظواهر الطبيعية لجأ للطبيعة لايجاد المسكن فأوى تلك الكهوف ، وتبعتها محاولة إضافة صور جمالية تلقائية بأشكال ورسومات تعبر عن حياته البدائية البسيطة. وبحثاً منه عن أصول الجمال وصور مريحة للعين تمد روحه بمعنويات وطاقات ايجابية تجاه حياته ، والبحث عن الجمال هو شعور فطرى غريزى ، ينبع من الانسان وهو يبتكر ، وترتبط نتائجه بعوامل عدة منها المكان أو الثقافة أو الوطن. ومن أسمى الفنون فن المعمار حيث أنه الفن الذى يحقق للانسان عوامل عدة منها وظيفية واخرى جمالية. واليوم بعد رحلة ممتدة للانسان ،  استمر نسق التعبير الجمالى التلقائى وإن أختلفت أشكاله وعبرت واجهات المبانى عن ثقافات المجتمعات ونتاج رحلات بحثهم. واستمرت البيئة العمرانية المتمثلة فى العمارة تبحث عن الجمال وصورة تُريح العين ، وفى نفس الوقت تحاول الوصول لكمال البيئة الطبيعية وتكويناتها. وتمثل البيئة العمرانية الاتجاه الرسمى الذى قد لا يرتبط بالقطاع العريض من الشعب ، وما نحن بصدد دراسته والبحث عنه من خلال هذه الكلمات للابداعات الفنية الشعبية التى تواكب فن العمارة وتكملها. ويمثل هذا الفن الاتجاه الغير رسمى والعفوى التلقائى الذى ينبع من الناس.

ونبدأ بحثنا هنا بتكوين القاهــــرة ومفهوم الجمال لدى الناس فى عاصمة مصر، التى تميزت منذ تكوينها بمرورها بحقبات زمنية متتابعة ومختلفة ، مما أثرى المدينة بمنظومات وفنون ثرية بالعناصر ذات المعنى. وتطورت العمارة وفن المعمار فى القاهرة بدءاً ومع تكوينها بعمارة الفاطميين – الايوبيين – المماليك – العثمانيين ودخلت المدينة لمرحلة جديدة حيث امتدت العاصمة لتشمل الجانب الشرقى والغربى من النيل .وأخذت الحياة والعمارة والفن فى التطور ، سواء بالسلب أو بالايجاب حسبا لظروف الحياة والسياسة فى مصر منذ بداية القرن التاسع عشر حتى نهايته ، وفى القرن العشرين أخذت مصر فى الصعود والنهوض فى مختلف جوانب الحياة ، وكان الفن والعمارة والابتكار يصعدون رويدا رويدا ،وفى ظل ظروف نكسة 1967 اختلف المجتمع ، وفى ظل الثلاثون عاما الاخيرة حدث الكثير من التغيير فى المجتمع وجوانبه السياسية والاجتماعية المختلفة مما انعكس على العمارة والعمران والفن الذين هم موضوع بحثنا.

بالنظر الى المدينة نفسها كصورة حية للحياة بها ، نجد الكثير من التلقائية والعفوية فى ارقى واكثر الاحياء نظاما وتخطيطا ، كما نرصد التغيرات المعمارية والفنية وتطورها الحادث فى القاهرة –العاصمة- منذ اوائل القرن العشرين ،. هذه التلقائية ليس فقط فى العمران والمبانى بل فى الانسان والناس الذين ينعكسون ويعسكون كل الظروف السياسية الاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها القاهرة ، ويعبرون عن حالة أصابت المجتمع ، ألا وهى الفردية ، أصبح كل فرد يتعامل مع الحياة انه وحدة واحدة وليس جزءً من جمع ، وبما أن المبانى تحوى الحجر والبشر ومن يصنع المبانى هم نفس هؤلاء البشر ، فتتمثل المبانى حذونا ، ويتصرف كل مبنى انه وحده ، ويقف راسخا فى الارض وحده ، دون أى تفاعل أو انسجام مع باقى ما حوله من مبانى.

كما تحول جسد المبنى الى قشرة خارجية ، تحوى بداخلها هيكل ، يؤثر هذا الهيكل ويتأثر بالقشرة الخارجية ولكن فى اطار المبنى فقط ، وليس فى اطار الجمع من المبانى ، مما يعكس الحالة العامة للجمع فى القاهرة

 

مع القبح الذى استشرى فى المدينة ، (ليس فقط فى المناطق الفقيرة ولكنه فى معظم التكوينات العمرانية فى القاهرة سواء المنظمة أو الغير منظمة) حاول ويحاول الجميع من مختلف الطبقات والافراد للبحث عن الجمال ومفرداته ، بل ويحاول خلق صورة جميلة للعاصمة الذى بعثت وتبعث الكثير من الصور والتكوينات المشوهة. ومن هنا جاءت محاولات ايجاد صورة جميلة (من وجه نظر كلٍ منهم) ، وتأتى محاولة ايجاد الصورة الجميلة من مختلف الطبقات يعبر عنها كلٍ حسب رؤيته وامكاناته. ومع فقدان الهوية وفقدان الاحساس بالتميز ، ومع العيش تحت وطأة ظروف اقتصادية وسياسية متغيرة ، يحاول كلٌ تجميل المساحة الخاصة المتبقية له.

منهج البحث

قررنا التعامل مع واجهة المبنى على 3 مستويات:

المستوى الاول ، تقابل الخصوصية والعمومية المتمثل فى مواجهة المبنى للمجتمع.

المستوى الثانى ، إطلالة الداخل على الخارج المتمثلة فى شرفات المبانى.

المستوى الثالث ، تفاعل الخارج مع الداخل المتمثل فى المحلات التجارية.

تقابل الخصوصية والعمومية

خلال تاريخ القاهرة المحروسة ، ظهر الفن الشعبى على واجهات العمارات (السكنية منها خاصة) ، ويتمثل فى صورة رسومات أو كتابات على الجدار الخارجى للمبنى. وبسبب الاصول العريقة للعمارة الدينية فى القاهرة ، الكتابات الدينية كانت تحتل المبانى الدينية بشكل منظم ومرتب ومندمج مع المعمار والجدران. ومع التطور العمرانى الحادث فى الثلاثين سنة الاخيرة ، والتغير الحادث فى التكوين الاجتماعى والنفسى الناتج عن التغير فى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وكما سبق ذكره عن الشعب وكيف أصبح أفراده يعيش كل منهم وحده فى بوتقة معزولة ، ولا يحيى الافراد فى المجتمع كجماعة ، أصبح التعبير عن النفس مفقود فى الاوساط العمومية ، وحاول كلً اثبات نفسه ووجوده مما انعكس على السيارات والمبانى من عبارات شخصية تعبر عن المالك وهويته ، وما يعنينا فى بحثنا هى واجهات المبانى والتى تمثل لغة حوار بين الخصوصية والعمومية ، حيث ظهرت الكتابة والرسومات فى خلال الخمسينيات والستينيات على واجهات المبانى فى معظم الأحياء الشعبية ولكنها أختصت بالثقافة الدينية خاصةً فريضة الحج. ولكن رصدنا بالصور الفوتوغرافية لنتاج الثلاثين سنة الاخيرة من تاريخ القاهرة يعبر عن شىء مختلف وبحث وتعبير حقيقى تلقائى عفوى عن هوية المجتمع وبحثاً منهم عن تجميل مبانيهم إزاء الضائقات المادية لتجميلها معماريا من قبل معماريين. أختصت ملاحظاتى لمبانى الطوب الاحمر الموجودة بشكل رسمى بسبب أنشاء طرق جديدة وبسبب زحف الناس الى المدينة ، والمفاجىء هو تواجد بعض من نفس الانساق فى أحياء رسمية مصممة من قبل عمرانيين على عمارات دُرس تصميمها من قبل معماريين وقرروا أيضا التعبير عن هويتهم من خلال الكتابة على المبنى. وتظهر فلسفة معمار بدون معماريين للتعبير التلقائى من الناس عن هويتهم دون انتظار أو محاولة البحث عمن يستطيع تنظيمها أو التعبير عنها.

إطلالة الداخل على الخارج

يعتبر فراغ البلكونة الذى هو تطور لفراغ المشربية ، فراغ متوسط الخصوصية ، ولكنه يعتبر جزء من الواجهة الخارجية للمبنى ويعتبر إطلالة ممن هم داخل المبنى على خارجه ومعمارياً عادة ما تظهر البلكونة بنفس مواد التشطيبات لواجهة المبنى وبنفس ألوانها. وظهر فى السنوات الاخيرة ظاهرة تلوين البلكونات حيث  بدأ الناس من مختلف الثقافات ومن مختلف الطبقات الاجتماعية ، يشكلون فى فراغ البلكونة الخاصة بهم ، وتعود تفسيرالظاهرة لاسباب عدة منها قلة الاهتمام بتنظيف الواجهات فيغطيها هذا اللون الرمادى الكئيب الذى يكسوها مع انعدام الصيانة تقريبا ، وايضا مع تطور الدهانات ذات الالوان المبهجة ، بدأ الناس من مختلف الثقافات ومن مختلف الطبقات الاجتماعية ، يشكلون فى فراغ البلكونة الخاصة بهم. وبحث السكان عن التميز الفردى فى فراغاتهم الخاصة التى يستطيعون التحكم بها وتجميل مساحتهم الداخلية أو الخارجية بالطريقة التى يجدوها مناسبة لهم ولمفردات ولغة حياتهم الخاصة. وهى ايضا ظاهرة لمعمار بدون معماريين ، فالناس عفويا وتلقائيا يبحثون عن ما يشكل على حوائط شرفاتهم ، أشكال بسيطة ، بألوان مبهجة بحثا عن الجمال والراحة لاعينهم من وجهة نظرهم.

تفاعل الخارج مع الداخل

منذ السبعينات والانفتاح الاقتصادى وتفشى الروح الاستهلاكية فى مصر ، أخذت التجارة فى الازدهار ، وأصبحت المهن التجارية طموح العديد من الناس ، وتحول الانسان المصرى من صانع الى تاجر ، ومن منتج الى مستهلك. وترجم ذلك معمارياً لاحتلال النشاطات التجارية الدور الارضى المتصل بالشارع ، وأخذ أصحاب المحلات فى الاجتهاد فى عمل التشكيلات الفنية التى تعبر عن موضوع تجارته والتى يحاول أن يجتذب بها الناس بها. والعامل الوحيد الذى يسيطر على عقل التجار واصحاب المحلات التجارية هو كيفية جذب العميل ، منفصلين تماما عن المناطق والاحياء والمبانى ، بل ومنفصلين عن نوع المنتج نفسه وكيفية الترويج اليه. ولم تختلف كثيرا وجهات نظرهم ، ممن يقطنون حى أو اخر ومن منطقة الى اخرى ، فى وجهة النظر عند سؤالهم عن شكل المحل الخارجى وكيف يختارونه. تأتى الردود متشابهة انهم يريدون فقط جذب الانتباه الى المحل وانهم عادة ما يلجأون الى شركات الدعاية والاعلان حتى تنفذ لهم احدث الصيحات. وابدوا دهشتهم جميعا عندما تحدثنا عن التصميم المعمارى وكيف ترتبط دعاية المحل بالعمارة أو البناية نفسها ، واجاب معظمهم أنه لا توجد علاقة بين تصميم واجهة المحلات وبين العقار الذى يحتويها. ولم تختلف الديكورات المختلفة المستخدمة من حى المقطم الحديث نسبيا ، الى المبانى العريقة ذات المشربيات فى السيدة زينب ، فجميعهم يستخدمون ألوان وأضواء صاخبة لجذب الانتباه. وانها لظاهرة اخرى لمعمار بدون معماريين ، أنهم يستخدمون المنتج نفسه فى عمل تشكيلات على واجهة المحل ، والتشكيلات تلقائية وعفوية ، تبحث خلالها عن صورة جميلة لمنتجات متعددة.

إن السمة العامة التى أكدتها الظواهر المعمارية والفنية فى العقود الثلاث الاخيرة هى النزعة الفردية وبعيداً عن تقييم الجماليات التشكيلية لتلك الابداعات فإن النتيجة الحادثة غياب التوجه الجماعى فى الصورة الشاملة للعمارة والفن الشعبى المواكب لها عند المجتمع ، وهى ظاهرة تحتاج إلى إعادة تقييم لنتمكن من بناء حالة معمارية وفنية مجتمعية جديدة. 

journal_Page_024journal_Page_025

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s