مجتمعات وتحديات ، تجربة عملية

بقلم : محمد علاء …

تعيش المدينة دائما فى حالة جدلية مع الطبيعة يسودها الحوار و الموائمة و الإنسجام أحيانا, ويغلب عليها الصراع أحيانا أخرى تكاد فيها الطبيعة أن تنجح فى سرقة بريق المدينة , ونتيجة معاناة أبناء المدينة المضنية أجل البقاء تترسخ فى ذاكراتهم أحداث و ألام لا تمحى بمرور الزمان ، فغالبا تأتى لتزعزع مفهومنا بالأمان الدائم وتهز معتقداتنا من فهم كيفية سيرورة الطبيعة.

ويبقى الحدث فى  ذاكرتنا مثلما عرفناه فى القاهرة مع زلزال 92  و يكاد يكون قد تكرر بأشكال مغايرة فى مدن و مجتمعات أخرى . حيث تلك اللحظات هى التى تشعرنا بمدى تداخل خيوط مشاعرنا و تجاربنا مع خيوط شوارعنا و مبانيها لتشكل نسيج متكامل من الذاكرة و يصبح لكل منا خيوطه الخاصه. فهو إرتباط بالمدينة نفسيا و حياتيا , كما الإحساس عند فقد احد مبانيها الذى كان يحمل ذكريات معاصرينه , و فقدان التواصل مع لاحقيه و إنقطاع رسالة فكرة المكان . وبدون رسائل التواصل تلك, تتشابه الأماكن و يفقد المجتمع الجذور . التاريخ كان دائما شاهد على العديد من تلك الأحداث التى قد تتغير مع تغير الزمان و المكان و لكن يبقى تأثير فعل الطبيعة الثائرة متجذر فى الإنسان و مدينته.

تجربة صراع مدينة لاكويلا, إيطاليا .

تحتل لاكويلا مساحة ليست بصغيرة فى كتب المؤرخين منذ بداية تأسيسها فى القرن الثالث عشر .يخترقها المحور التجارى نابولي – فلورنس, لتكتسب ثقل إستراتيجى مع مرور الوقت, فهي نقطة الوصل بين مدن هامة كونها فى وسط إيطالية تبعد عن روما 100 كم فقط. مدينة تنعم بهدوء نسبى سوى الغزو المؤقت القادم من روما هربا صخب المدينة وحرارة الصيف. تحوى لاكويلا مرتفعات طبيعية تفوق السكان فى أعدادها. وتكسو هذه تلك المرتفعات المسطحات الخضراء و تلامس قممها فى بعض الأحيان أطراف السحب القريبة.

 و يختلط هنا الواقع الفعلي و المعتقد الأسطورى ,فتذوب الحقيقة فى الخيال و يبقى الإدراك الباطن لسكانها فيقولون أن للمدينة الأم 99 قرية صغيرة , كأطراف مترامية على إمتداد المكان ولكنها ترتبط بشرايينها. وبعضها يعلو ليحتل قمم المرتفعات المحيطة بالمدينة الأم وكأنها تقف لها إحتراما, لكن تظل المدينة ساكنة فى قلب الوادى فى إعتقاد بحماية الطبيعة لها.

و على النقيض كان موقعها يشكل إحدى أسباب تأثرها الأكبر لسلسلة من الزلازل تخللت تاريخها منذ نشأتها ولكن أكثرهم فتكا كان أخرهم , تعرضت مدينة لاكويلا يوم 6 إبريل من عام 2009  لهزة أرضية عنيفة 6.3 بمقياس ريختر ألحقت بالمدينة دمار مروع  وسلمت بعض القرى المجاورة لعلو موقعها .الخسائر كارثية بجميع المقايس, 11000 مسكن و بناية إما تصدعت أو فنيت من الوجود .اما الخسائر البشرية فقد أودى بحياة 308 شخص وترك 65000 بلا مأوى.

وفقدت المدينة مع هذه الهزات جزء من موروثها المعمارى , كما تأثرت العديد من المبانى التراثية  مثل بازيليكا سانتا مارية دي كوليماجيو التى تحطم الجزء الأوسط منها بالكامل.

تكاتف الجميع لتقديم العون و خصصت ميزانيات ضخمة للمساعدة .وظهرت حتمية تقديم بدائل مؤقته للمتضررين, وجاء الموقف الرسمي للدولة فتبدلت حياة المخيمات فى العراء مع معاناة قسوة المناخ بمنازل وتجمعات سكنية جديدة بنيت بمعايير صارمة تتصدى للكوارث مستقبلا. و لكن تلك المساكن والتجمعات الجديدة تفتقد الهوية المحلية فى لاكويلا, فالمساكن معظمها مكررة تصطف واحدة تلو الأخرى فى تسلسل متوقع ,غير معهود على العمران المحلى للمنطقة, بدون مفاجئات بدون ساحات ,فهى أقرب ما تكون للضواحي السكنية الأمريكية .

لم تقتصر خطة الإنقاذ على المجتمع فقط و لكن كان حتمي أن تتطرق يد الإنقاذ إلى المخزون المعماري التراثي أيضا. فبدأ على التوازى ترميم الإجزاء المتهالكة و محاولة لإحتواء أي إنهيارات مستقبلية .

يبقى التحدى الأكبر ليس بإعادة بناء المدن فحسب و لكن يأتى فى إعادة تأهيل المتضرريين نفسيا فى قبول المسكن الجديد و إعادة مد شبكة التفاعل المجتمعى . إعادة التأقلم بدا وكانه أمر حتمى لهولاء , قبول الوضع رغم عدم تفضيله وتخطى مرحلة الصدمتين ,الأولى للحادث نفسه و الثانيه للتغيير . فتكمن الإشكالية الكبرى فى معايشة  المواطنين وخاصة الاطفال لتلك الوقائع ومدى التاثير النفسى العميق الذى يخلفه تلك التغيرات المفاجئة لمحيطاته وعالمه المألوف سابقا حيث إعتاد المعيشة .

 وعلى التوازي , ظهرت مشاركات مجتمعية لمساندة اهالي لا كويلا ،  احدها كان في “بانيو“,  وهي واحدة من تلك التجمعات الجديدة التى بنيت قبال الأحداث ,لتستقب جزء من النازحين من المدينة المتهالكة  فى إطار مجاورات سكنية . فقد جاءت مبادرة غير رسمية من قبل مجموعة عمل من أساتذة العمارة من جامعات فى ألمانيا وبالتعاون مع كلية الهندسة فى جامعة لاكويلا فى إقامة ورشة عمل في محاولة لإبتكار حلول لإعادة التأقلم للمجتمعات المتضررة. حيث سنحت الفرصة لى فى إطار ورشة العمل تلك المكونة من مشاركين من 10 بلاد مختلفة فى العمل عن كثب فى بانيو, محاولة للتغلغل فى عمق ذلك المجتمع الجديد, لدراسة مكوناته العمرانية وتركيبتة السكانية.

جاءت المبادرة كمحاولة للتعامل مع الوضع الراهن للمجاورة معماريا بحلول منخفضة التكاليف و لكن تحمل تأثير قوى., عن طريق أفكار بسيطة قابلة للتنفيذ فى مساحة زمنية قصيرة وبإستخدام تكنولوجيا متواضعه و متوافقة مع الخامات التى فى محيطنا. تعددت الأفكار و لكن بقى الإتجاه مشترك , فجاءت الرغبة من بين جميع المشاركين فى توظيف تلك الأفكار لتختص بأطفال ذلك المكان . محاولة لخلق ربط بين طفولتهم و إسلوب حياة الأجيال السابقة, خوفا من أن تفقد أبديا تلك الحلقة. لتحقيق ذلك كان لابد من إشراك المجتمع و خلق وسيط لطرح أفكارنا وبالمقابل الإستفادة من التعليقات .

واحدة من تلك الأفكار كانت “المكتبة الصغيرة” نبعت الفكرة من منطلق خلق نقطة تواصل بين الأطفال بعضهم البعض ,  فهو نموذج منشأ خشبى خفيف قد يتكرر حسب الحاجة ,بنى عن طريق إعادة توظيف أخشاب متراكمة من حطام المبانى المتهدمة, توضع تلك المكتبة فى المساحات المفتوحة الخضراء ليخلق نواة لتجمعات ثقافية لتداعب فكر الأطفال. جاء إقتراح أخر فى إستغلال إطار حديدى قديم غير مستغل فى بناء مظلة على ربوة عالية ذات إطلالة على الجبال المحيطة .

الأعمال فى مجملها من ثمار جهد وأفكار المشاركين و فى إطار من توجيهات السكان أنفسهم . محاوله لإضافة بعد أخر يقاوم سطحية تلك المجتمعات العمرانية الجديدة المفروضه عليهم, وإعطائهم فرصة الإختيار التى فقدوها من قبل, إنخراط المجتمع فى العملية التصميمية وإبداء الرأى حقق نتيجة أرضت الجميع و ذلك من خلال إجتماعات مع مجلس السكان المكون من جميع الفئات

العمرية بداية من الأطفال المعنيون. ولقد لقيت الأفكار الدعم الكامل والمشاركة المجتمعية الإيجابية من مجموع السكان كل على قدر إستطاعته.

تلك هى تجربة عملية بسيطة لما قد يحدث إذا تكاتفت الجهات المعنية, قد لا يكون حل سحرى ينفرج به الوضع للأبد , لكنه يعد كنواة او نقطة بداية لمزيد من التفاعلات بين المجتمع والعمران .

ربما تكون فكرة صائبة من قبل الحكومة الإيطالية فى إبعاد السكان لمنازل بعيدة عن مركز الدمار مؤقتا, وقد يكون الموقف كان في حاجة الى تصرف عاجل مما ادى الى تجاهل الكثير من الجوانب الانسانية لمعنى المدينة ،  وهو امر تعامل معه سكان المدينة بإيجابية وتصميم على عدم التخلي عن مدينتهم .  ليظل الحنين دائما يربط بين ذاكرة الناس ومدينتهم, ففي شوارعها حاليا المليئة بغابة من السواند والعوارض الحديدية , وكانه موقع تحت الإنشاء, تجد جداريات على الأسوار الشبكية يتجسد عليها ذلك الحنين فى رسومات وعبارات من إبداع السكان وصور لشوارعهم القديمة  , تلقائية التعبير عن مشاعرهم المكنونة داخلهم, أمانى بالعودة , إصرار على المضى قدما وإعادة النهوض ، شاركت في الحلم مجهودات مجتمعية لاتزال تتمسك بالحلم بالتنزه فى شوارع المدينة الضيقه التى تؤدى دوما لساحات مفاجئة حيث التواصل والإلتقاء من جديد بين المدينة والطبيعة مع الإنسان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s